يتجدد الجدل بشكل مستمر حول حقوق ورخص الأفلام المصرية، وتحديدا القديمة، من تلك التي تشكل تاريخا ثقافيا واجتماعيا لمصر والوطن العربي خلال حقبة طويلة من الزمن.
ومع شيوع التقنيات الحديثة، والوسائط الاعلامية المتنوعة، باتت الأفلام المصرية «بالأبيض والأسود» متوافرة اليوم على أشرطة «دي في دي»، بصورة وصوت يتميزان بجودة عالية، وكذلك ترجمات الى اللغات الإنجليزية والفرنسية، ومعلومات «فيتشرز» عن أبطال الفيلم وفريق عمله، اضافة الى تسجيلات خاصة، مضافة الى الشريط، مما يطلق عليها اسم «اكسترا».
هذه الأشرطة التي تباع في محلات مثل «فيرجن» ومحلات «روتانا» وغيرها، وتنتشر في أكثر من دولة حول العالم، تدر دخلا اضافيا على ملاك حقوق استغلالها، اضافة الى الدخل العائد من وراء عرضها على القنوات التي تملكها الشركات مالكة الرخص، أو فضائيات عربية أخرى تشتريها.
وقبل سنوات، خرجت من مصر موجة اعلامية كبيرة، هاجمت بشراسة تراخي الأجهزة المصرية الثقافية بترميم تراث السينما المصرية، الأمر الذي جعله متاحا أمام فضائيات عربية وخليجية لشراء حقوق استغلاله تجاريا. ولا يتسع المجال هنا لإعادة استعراض ملامح تلك العاصفة التي همدت، وإن لم تخب نارها حتى اليوم، مع تجدد طرق استغلال هذه الأفلام.
لكن الشركات التي امتلكت هذا الأرشيف، وفي طليعتها شركة «روتانا»، احدى شركات الأمير السعودي الوليد بن طلال، حافظت دوما على «رباطة جأشها»، ولم تكترث بالرد على تلك الحملات، التي اعتبرت أنها غير معنية بها، فهي لم تناقض منطق السوق القائم على البضاعة المعروضة والمشتري الجاهز.
نزار ناقرو احد رجالات «روتانا» الذي حرص على مدى أكثر من 12 سنة، على بذل الجهود ورسم الخطط لزيادة مردودها الاعلاني، شارك «الحواس الخمس»، برأيه حول هذا الموضوع، بحكم منصبه كرئيس «روتانا للخدمات الاعلانية».
يقول ردا على سؤاله حول الجدل الذي يثار حول طريقة شراء القناة للمحتوى الترفيهي السينمائي المصري، وتحديدا القديم، والصفقات التي أشيع انها تمت بأبخس الأسعار:«لم نشتر الأفلام المصرية بأبخس الأسعار.
كل ما اقدمنا على فعله هو أننا اشترينا منتجا لم يكن أحد يلتفت اليه. لم يفكر أحد من قبلنا بشراء تلك الأفلام التي كان جزءا كبيرا منها يعاني من التلف ويهدده الفقدان، ما كان سيمحو ذاكرة كاملة تمتدت لأكثر من مئة سنة من تاريخ السينما المصرية. اشترينا هذه الأفلام، لكننا أيضا صرفنا الكثير لترميم جزء كبير منها».
ويضيف ناقرو، الذي أعلن قبل ايام من دبي عن شراكة جديدة بين «روتانا» و«ديزني»: لدينا نظام خاص ومكلف جدا لترميمم هذه الأفلام، هدفه تحسين الصورة وجودة الصوت. وقبل فترة، كان بوسع المشاهد العربي أن يجد فارقا كبيرا في نوعية الأفلام المشاهدة على قناة روتانا سينما، وهي القناة المتخصصة بعرض الأفلام المصرية والعربية، والأفلام ذاتها التي تعرض على قنوات أخرى .
لكن ذلك لم يعد ساريا حتى اليوم، بحسب قوله، إذ أن «أكثر من 60% مما يعرض اليوم على القنوات العربية من أفلام، تملكه روتانا، التي تبيع هذه القنوات النسخ المرممة من الأفلام لكي تعرضها، بمقتضى عقود».
ولا يبدو أن الشركة قد توقفت عن شراء الأفلام المصرية، التي ظهرت قنوات وطنية مصرية مثل «نايل سينما» متخصصة بعرضها:«موجة ما عرف بالحمائية لم تمنعنا من امتلاك أكثر من 65% من الأفلام الجديدة، اما عن طريق انتاج مباشر أو إنتاج تنفيذي».
وتشير بيانات أن ثلثي أصول أفلام السينما المصرية التي تتجاوز ال 3000 فيلم والمنتجة على امتداد أكثر من مئة عام - هي عمر السينما- تملكها اليوم قنوات فضائية خليجية مثل«ايه ار تي»و«روتانا».
ويعترض نقاد مهتمون بالسينما في مصر على ما آلت اليه الأمر بحجة أنه كان حريا بوزارة الثقافة أو اتحاد الإذاعة والتلفزيون في مصر شراء هذه الأفلام من أصحابها الذين تعود ملكية الأصول إليهم، للحفاظ عليها في مكتبة التلفزيون التي لا تحتكم الآن إلا على أقل من 200 فيلم من الثلث المتبقي.
ويعتبر هؤلاء أن عدم اكتراث الحكومة المصرية إزاء شراء أصول الأفلام المصرية، يبدو غير مفهوما مقارنة بتصعيدها للموقف، على سبيل المثال، من استرجاع آثار فرعونية، بإصدار قرار يقضي بوقف التعامل مع متحف اللوفر الفرنسي وجميع المتاحف والبعثات الأجنبية التي تقتني آثارا مصرية مسروقة، «إذ يبدو من هذا التباين في الموقف أن الحكومة المصرية لا تضع فن السينما على ذات الدرجة من الأهمية مع الآثار الفرعونية.
بالرغم من أن كليهما يحمل ذات القيمة بما يشكلان تاريخا وذاكرة للبلد، تستدعي نفس القدر من التشبث للاحتفاظ بها، بالإضافة إلى أهمية إيجاد مكتبة سينمائية تعود ملكيتها للحكومة المصرية يُحتفظ بها بنسخ من هذه الأفلام لتشكل أرشيفا مصريا، تماما كما تحتفظ مكتبة الكونغرس بنسخ من الأفلام الأمريكية»، كما تذهب الناقدة رانيا عقلة حداد.
دبي - «الحواس الخمس»
