أن تجلس مشاهدا ومستمعا لتدريبات فرقة الموسيقى العربية للتراث يعني أن تحظى بمتعة مضاعفة، فالفرقة التي تحمل خلاصة نكهة الطرب المصري، تقدم عرضا حيا مسبقا لأغنيات الحفل الموسيقي الذي أقامته مؤسسة سلطان بن علي العويس ختاما لأيام مصر الثقافية.

واللافت في الأداء الذي قدمه العازفون والمؤدون هو احترام الموسيقى والطاعة التامة للمايسترو، وتتبع تعليماته بدقة، مستمعين الى توجيهاته التي تحمل مصطلحات موسيقية قد لا يعرفها غير المتخصصين، لذا كان وقت الانتظار للمايسترو ممتعا عكس كل أوقات الانتظار الأخرى، فليس أجمل من أن تسمع الطرب العربي الأصيل بأداء بالغ الروعة والجمال، وأصوات شبابية عشقت الفن وعزفت عن الشهرة حبا بموسيقى التراث.والفرقة التابعة لدار الاوبرا المصرية تقدم موسيقاها بقيادة المايسترو فاروق البابلي الذي يتابع خطوات عازفيه ومغنيه بدقة وصرامة، وهم يتقبلونها باحترام وتقدير، فالمايسترو الذي انضم الى الفرقة كان من العازفين الذين شاركوا محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وسيد مكاوي وشادية ووردة ونجاة في عزف اغنياتهم.

وقد التحق بفرقة الموسيقى العربية منذ العام 1974 عازفا لآلة الكمان تحت قيادة المايسترو الراحل عبد الحليم نويرة، وهو يرى أن الموسيقى العربية لم تأخذ حقها الكافي من الاهتمام، يقول:(لدينا تراث موسيقي غني ولو وجد الاهتمام الكافي لكان حال الموسيقى اليوم افضل بكثير، لكن ما نراه اليوم هو استخدام عشوائي وغير صحيح للآلات الغربية وتجاهل لآلاتنا الموسيقية العربية، وأنا لست ضد ادخال الآلات الموسيقية غير العربية، وانما ضد ان تحل محل آلاتنا وأن تستخدم بطريقة غير سليمة، فنحن نعرف ان عبد الوهاب أدخل الأوركديون والبيانو، لكنه وظفهما بشكل سليم إلى جانب آلات التخت الشرقي التي تشمل القانون والعود والناي والكمان وآلة إيقاعية، وحين جاء عبد الوهاب طور هذا التخت بادخال عدد اكبر من آلات الكمان وأدخل الجلو، لكنه لم يخرج عن اساس الموسيقى.

وما اريد قوله هنا اننا نجد أن تراثنا الموسيقي بدأ بالانحسار، ومهمة فرقة الموسيقى العربية هي اعادة تقديم هذا التراث وتقديم القوالب الموسيقية مثل السماعي واللونجا والبشارف وغيرها من المسميات والمختصة بالآلات الموسيقية، اضافة الى المؤلفات الغنائية مثل الموشح والدور والقصيدة والطقطوقة والموال، ودور المايسترو هو تدوين الموسيقى القديمة ونقلها الى فرقته ليتمكنوا من أدائها بالشكل الصحيح).

والمغنون في الفرقة مجموعة من الشباب الذين امتلكوا موهبة الغناء مقرونة بعشق الموسيقى الاصيلة فانضموا الى الفرقة، وتطورت مهاراتهم وذائقتهم حتى تشبعوا بتلك الموسيقى، وصاروا يقدمونها بأداء عال يعيدنا إلى زمن الطرب الأصيل، وما يميزهم انهم لم يتبعوا سبل الشهرة السريعة، وانما تبعوا حبهم للموسيقى ورغبتهم في الحفاظ على تراثها، فمارسوا مهنا مختلفة الى جانب عملهم الموسيقي، فالمغنية سمر صفوت، واحدة من أجمل الاصوات الغنائية في الفرقة، وهي الاصغر سنا بين زملائها، وتعمل مضيفة طيران، وتؤدي اغنيات لمطربات كبيرات بتميز واحساس عال، وتتحدث عن تجربتها قائلة: (بدأت مع الفرقة منذ سنتين.

وقد شاهدني المايسترو أغني في حفل خاص بالجامعة حين كنت أدرس الارشاد السياحي قبل تخرجي، وطلب مني الانضمام إلى الفرقة؛ فشعرت أني دخلت عالم الموسيقى من الباب الصحيح، لأن السنتين الماضيتين كانتا تجربة ثرية جدا في صقل موهبتي وتدريب صوتي، وأنا محظوظة جدا أن أكون بين كل هؤلاء الموسيقيين الكبار، الذين هم معلمون لي، حيث يوجهون أدائي ويقدمون لي دروسا في الموسيقى).

أما ياسر سليمان؛ فهو أحد مغني الفرقة الموهوبين، ويتميز بأدائه الواثق جدا من نفسه وبمشاكساته الصغيرة التي يتعامل معها المايسترو بحزم وحب؛ فهو يعرف روح الفنان التي تسكن ياسر، حتى إن مدير الفرقة عبده ابو المجد قال عنه: (ياسر هو أحد أوراقي الرابحة في الفرقة؛ فهو يمتلك القدرة على أداء ألوان مختلفة واستطاع ان يمثل الفرقة في عدة مناسبات بنجاح كبير).

ويتحدث ياسر سليمان عن تجربته مع الفرقة قائلا: (بدأت مع الفرقة منذ أربع سنوات، حيث أقدم الأغاني الشعبية مثل الموشح والدور، وأنا متخصص في أغاني عبد المطلب وكارم ومحمد رشدي، ووجودي في الفرقة ينمي عندي حب الموسيقى التراثية، ويوفر لي فرصة للتدريب الدائم وتحسين الأداء، وهي مدرسة موسيقية لنا، فأنا لم أدرس الموسيقى في الجامعة، وانما درست في كلية التجارة، واعمل محاسبا في الصباح، وفي المساء أكون مع الفرقة، حيث أستطيع تقديم فن أحبه وأحترمه، ففي دار الأوبرا نجد الفن الحقيقي بينما تبحث شركات الموسيقى عن التجارة، لذا فهي لا تهتم بالأصوات بقدر ما تهتم بزيادة أرباحها).

دبي - دلال جويد