يبدو أن أهل الطرب والفن يعيشون في واد آخر غير الذي نعيش فيه، والذي تخيم عليه ظلال الأزمة المالية العالمية التي باتت تضرب كل المؤسسات والبنوك والشركات.. فبنظرة سريعة على الأرقام الفلكية التي يحددها المطربون لإحياء المناسبات العامة وأقربها ليلة رأس العام، تؤكد أن أهل الفن عامة والطرب تحديدا يعيشون في برج عاجي لا يشعرون بداخله بالتراجع الاقتصادي الذي طال كل المؤسسات.
المتابع للوسط الفني المصري يجد أن هناك أنواعاً مختلفة من الحفلات سواء في جمهورها أو في أجرها، فهناك حفلات عامة معلنة للجميع تكون بتذاكر مدفوعة الأجر، وهناك حفلات خاصة يحضرها جمهور بدعوات خاصة، وأجرها لا يكون معلوماً، وهناك الأفراح وأجرها يكون بالتفاوض مع مديري أعمال المطربين وأصحاب الفرح.واللافت أيضا قيام كل المطربين بزيادة أجورهم بنسبة لا تقل عن 30% في الحفلات التي تقام خارج مصر، إضافة إلى أن يتحمل متعهد الحفل تذاكر الطيران للنجم وفرقته، وكذا إقامتهم في فنادق فئة الخمسة نجوم، وهو ما يعده بعض المتعهدين إرهاقاً مادياً كبيراً قد لا يستطيعون تغطيته.اللافت أن المطربة اللبنانية إليسا كانت السباقة في رفع أجرها، لاسيما عن الحفلة التي ستقوم بإحيائها منتصف ليل الحادي والثلاثين من ديسمبر الجاري بفندق (سميراميس) بالقاهرة من ثلاثين إلى أربعين ألف دولار، شاملة أجر الفرقة الموسيقية فقط.
على أن يتحمل منظم الحفل تذاكر طيران إليسا ومدير أعمالها في درجة رجال الأعمال وباقي أفراد فرقتها في الدرجة الأولى، وكذا حجز الفندق الذي يقام فيه الحفل لمدة يومين بليلة واحدة لإليسا وأعضاء فرقتها. الزيادة التي فرضتها إليسا على أجرها جعلتها تقترب كثيراً من أجر ابنة بلدها نانسي عجرم، التي تقاضت في آخر حفل لها 45 ألف دولار، لتكون بذلك أكثر مطربة تقوم برفع أجرها من آن إلى آخر. حيث تدرج أجرها خلال أقل من 4 أعوام من عشرة آلاف إلى خمسة عشر، ثم إلى عشرين، إلى خمسة وعشرين ألفاً، وهكذا إلى أن أصبح 40 ألف دولار، ثم أخيراً خمسة وأربعين ألفاً في الحفلات التي تقوم بإحيائها خارج لبنان.ويبدو أن موجة الزيادات التي فرضها اللبنانيون مؤخراً سببت الغيرة لنظرائهم المصريين.
حيث سرت كالنار في الهشيم بالنسبة لهم، فبادروا برفع أجورهم فجأة، لتتناسب مع الأسعار الجديدة التي ابتكرها اللبنانيون، دون أن يعيروا التفاتا للأزمة العالمية ولا لمرض أنفلونزا الخنازير ولا حتى الماعز.على رأس القائمة جاء النجم عمرو دياب الذي تربع على عرش الغناء المصري منذ سنوات طويلة، وكان عمرو يكتفي بإحياء حفل واحد في العام داخل مصر، إضافة إلى الحفلات الخاصة والأفراح، لكنه قام مؤخراً بتغيير نظامه، إذ أحيا الأسبوع الماضي حفلاً في إحدى الجامعات الخاصة بالقاهرة وتقاضى عنه مبلغ 130 ألف دولار بزيادة قدرها عشرة آلاف دولار عن الحفل الذي أحياه بالساحل الشمالي في شهر أغسطس الماضي، وتقاضى عنه 120 ألف دولار.
ثم يأتي المطرب تامر حسني الذي أصبح هو الآخر متخصصاً في رفع أجره من آن إلى آخر، حتى يلحق بدياب، إذ قام برفع أجره مؤخراً ليقف عند 350 ألف جنيه في الحفلات التي يقوم بإحيائها داخل مصر، على أن يتحمل هو أجور الفرقة الموسيقية، فيما يتحمل المتعهد بناء المسرح والإضاءة وأجهزة الصوت التي تتكلف ما يقرب من 180 ألف جنيه.
ويصر (تامر) على أن يتقاضى في الحفلات التي يقوم بإحيائها خارج مصر مبلغ 80 ألف دولار، متحملاً أجور الفرقة الموسيقية وأفراد الحراسة الشخصية، على أن يتحمل المتعهد بناء المسرح والإضاءة وأجهزة الصوت وحجز تذاكر الطيران والإقامة في أحد الفنادق الكبرى.
النجم الأسمر محمد منير يختلف عن باقي المطربين المصريين، إذ يضع لنفسه أسعاراً خاصة بالحفلات التي يقوم بإحيائها في دار الأوبرا المصرية وتذاكر دخولها لا تتجاوز ال50 جنيهاً مصرياً، إذ يحصل منير في تلك الحفلات على 200 ألف جنيه فقط، وذلك إيماناً منه بأنه بذلك يشجع الشباب على دخول الأوبرا وسماع نوع مختلف من الموسيقى، وفي الوقت نفسه يحصل على 400 ألف جنيه في الحفلات التي يقوم بإحيائها خارج نطاق دار الأوبرا، وكان آخرها تلك التي أحياها برفقة المطرب الجزائري الشاب خالد بأكاديمية أخبار اليوم.
ولأن منير من أكثر المطربين المصريين الذين يقومون بإحياء حفلات خارجية، خاصة في أوروبا وأمريكا، فإنه قام قبل عام بتثبيت أجره عند 100 ألف دولار متحملاً هو تذاكر الطيران وأجور الفرقة الموسيقية، على أن يتحمل المتعهد توفير تأشيرات الدخول له ولفرقته، وكذا الإقامة في أحد الفنادق الكبرى والمسرح وتجهيزاته.
وخلال عامين تحرك مؤشر المطربة شيرين عبدالوهاب من 30 ألف دولار قبل زواجها، إلى 35 ألف دولار أثناء حملها، وصولاً إلى 40 ألف دولار بعد الولادة في الحفلات التي تقوم بإحيائها خارج مصر، على أن يتحمل متعهد الحفلات جميع المصاريف من إقامة وطيران وانتقالات ومسرح وإضاءة وصوت وغيرها، فيما تتكفل هي بأجور فرقتها التي تحرص على أن تكون النصف في الحفلات التي تقوم بإحيائها خارج مصر.
أما داخل مصر فيقف أجر شيرين عند 150 ألف جنيه، متساوية في ذلك مع أجر المطرب محمد حماقي الذي تقاضى الأجر نفسه مؤخراً عن الحفل الذي أحياه قبل أيام في صالة (الهوكي) باستاد القاهرة وشاركه فيه المطرب الكندي لبناني الأصل مساري.
وعلى الرغم من حالة السرية والكتمان التي يصر الفنان هاني شاكر على أن يفرضها حول أجره الذي يتقاضاه سواء في الحفلات التي يحييها داخل مصر أو خارجها، فإن التكهنات تشير إلى أنه يتقاضى 120 ألف جنيه في الحفلات العامة التي يحييها داخل مصر، فيما يحصل على أربعين ألف دولار في الحفلات الخارجية.
وفي شريحة متقاربة يلعب النجوم إيهاب توفيق وهشام عباس ومصطفى قمر، حيث تصل أجورهم في الحفلات العامة الداخلية إلى 70 ألف جنيه مصري، بينما تصل أجورهم هم وفرقهم الغنائية في الحفلات الغنائية خارج مصر إلى ثلاثين ألف دولار شاملة أجور الفرقة وتذاكر الطيران فقط.
وفي شريحة أقل يأتي المطربون محمود العسيلي ورامي صبري وحسام حبيب، حيث يتقاضون 40 ألف جنيه في الحفلات المحلية، بينما يحصلون على نحو 15 ألف دولار في الحفلات الخارجية.
وفي الشريحة الأقل تكلفة والتي غالباً ما تكون حفلاتها داخل مصر إلا قليلا يأتي المطربون حكيم وسعد الصغير وشذى ومي كساب وهؤلاء تتراوح أجورهم في الحفلات بين 20 و30 ألف جنيه.. أما الحفلات الخارجية فتتراوح بين 8 و13 ألف دولار لكل منهم.
إلى ذلك، يؤكد الموسيقار منير الوسيمي- نقيب الموسيقيين- أن مسألة العرض والطلب تحدد أجر النجوم، لافتا أنه غالباً ما تكون هذه المسألة غير منطقية بالمرة، فلا تخضع مثلاً لمدى خبرة النجم أو النجمة، أو لمدى معرفته وإتقانه لأصول الغناء، أو لمدى موهبته وصوته، أو حتى لنوعية الأغاني التي يقدمها، ففي الحفلات العامة تخضع لحسابات متعهديها ومنظميها، فهم يدفعون غالباً للنجم أو النجمة التي تأتي بالجمهور القادر على دفع تذكرة دخول مرتفعة تغطي تكاليف إقامة الحفل والأجور وتحقق مكسباً جيداً، أما في الحفلات الخاصة والأفراح فيكون تقدير أجر النجم اجتهادياً.
بينما يحذر الموسيقار حلمي بكر من الارتفاع المتزايد الذي يقوم به المطربون من آن إلى آخر؛ موضحا أن ذلك قد يضر بسوق الحفلات ويؤثر فيها سلباً حتى تصل إلى مرحلة الانهيار التي وصلت إليها سوق الكاسيت، مؤكدا ضرورة أن تكون الزيادات في أجور المطربين محسوبة ومدروسة، وأن تتماشى مع الحالة العامة للجمهور، وأن تراعي ظروفه الاقتصادية والاجتماعية، حتى يتمكن من حضور الحفل ودفع ثمن التذكرة.. وإلا سيكون مضطرا للتخلي عن الحضور حتى لو كان الثمن فسخ العلاقة بينه وبين مطربه أو مطربته المفضلين.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية



