كما النسر الذي اعتاد التحليق دائماً في الأعالي، أبى أن يتنازل حين تقاعده عن القمة، فانتخب لنفسه هواية قل أن تجد له نظيراً فيها، حفر الصخور وتطويعها إلى منحوتات فنية تحمل إسقاطات نفسوية واجتماعية وجمالية عديدة.. فلم ينسه التحليق بالطائرات ومداعبة الطيور والسحاب والسفر شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً على مدى 30 عاماً هوايته التي حرمه والده من ممارستها في طفولته رغم شغفه الشديد بها، فقرر أن يعيد ذكرياته وينمي هواياته الغريبة ليضع عليها بصمات أصابعه ليبهر من يراها.. هذا هو اللواء طيار متقاعد عمرو عزت، المولود في العام 1952. تختلف هواية هذا الفرعون المصري عن عدد كبير من الهواة، فقد سبح بخياله منذ الصغر مع وجه رمسيس وأبي الهول ومئات من تماثيل المتحف المصري، فقرر النحت على الأحجار نصف الكريمة والزلط، لكن لظروف أسرية وتدخل والده في تخطيط مستقبله، أجل تنفيذ قراره لسنوات طويلة، ظلت طوالها هذه الهواية حبيسة دهاليز النفس والذاكرة، فلم تفارق خاطره لحظة واحدة.
غروب وشروق... «كنت كأي طفل، أعشق اللعب بالصلصال وتشكيله على هيئة عرائس وسيارات وحيوانات، تذوقت الفن منذ نعومة أظافري، وعندما بلغت العاشرة، أمسكت يدي أول إزميل في حياتي، وبدأت في تنفيذ بعض الأشكال من الحجارة، لتبدأ هوايتي تتبلور وتتفرع».. بهذه الكلمات بدأ هاوي النحت على الصخر حديثه، مواصلاً: آنذاك قررت جمع الشموع وتذويبها لأكوّن منها أشكالاً جديدة، ومن الشمع انتقلت إلى الحجارة ثم إلى الصخر.. تملكتني الهواية بشكل كبير، لذلك وبعد انتهائي من الثانوية العامة قررت أن أنمي موهبتي بالدخول إلى كلية تساعدني على الاستمرار والإبداع فيها، لكن والدي الذي كان يعمل مستشارا جيولوجيا رفض أن أكون فنانا تشكيليا باعتباري أكبر إخوتي، وطلب أن أدخل كلية الطيران، وأمام إصراره رضخت لطلبه حتى تخرجت في عام 1973، واستمررت في هذا المجال بعيدا عن هوايتي ثلاثين عاما، وفي عام 2001 حيث قررت التقاعد، قرر حنيني إلى هواية الطفولة أن يتفجر مجددا، فقررت العودة مرة أخرى وقضاء كل أوقاتي معها، أبدع فيها لتحقيق حلمي القديم.
حجر الجعران... ويلفت هاوي الحفر إلى أنه على مدار السنوات الطويلة التي قضاها بعيدا عن هوايته كان يقترب منها دائما بمتابعته الجيدة لحي خان الخليلي في الحسين لمعرفة كل جديد، خاصة الحفر الفرعوني.. ويقول: فكرت في شراء جعران من حي خان الخليلي كي أحوله إلى خاتم، وبعد أن اشتريته اكتشفت أنه لا يتميز بأي لمسة جمالية.. فتحديت نفسي واشتريت «جعرانا»، وقمت بالحفر عليه، بالرغم من أن خامة حجر الجعران صعبة جدا وليس من السهل الحفر عليها. يواصل: من هنا فكرت في شراء الأدوات الخاصة بهذا العمل، كانت عبارة عن موتور صغير يصل سعره إلى 600 جنيه مصري، وخرطوم ب100 جنيه مصري، وسماعة تصل قيمتها إلى 70 جنيها، وأدوات الحفر المركبة. ونجحت بالفعل في تنفيذ الجعران المحفور الذي أحتفظ به حتى الآن، لكني فكرت فيما هو أضخم وأكبر، خاصة بعد أن ساعدني أحد أصدقائي في تنمية موهبتي عن طريق التدريب لديه في ورشته لمدة شهرين، وعندما رأى عملي يتطور يوما بعد الآخر، كان يشجعني حتى طلب مني أن أخرج بأعمالي إلى الناس.
الأصعب... آنذاك، فكر الهاوي في تنفيذ شيء مختلف تماما لم يفعله من قبل، وعن ذلك يقول: أتيت بحجارة كبيرة يصل وزنها إلى 50 كيلو جراما، وارتفاعها 39 سم وعرضها 15 سم، وقمت بعمل تمثال من الحجر الجيري لـ «رمسيس الأول» مماثل تماما للأصل، وقد وصل وزنه بعد الحفر إلى 21 كيلو، واستغرق العمل فيه 9 شهور متواصلة، لذلك أعلم قيمته جيدا ويعتبر من أحب الأعمال إلى قلبي، لذلك أحتفظ به حتى الآن على الرغم من العروض الكثيرة التي تلقيتها لشرائه بمبالغ كبيرة رفضتها جميعا. وحول سر تمسكه بهذا التمثال قال: كنت أريد بهذا العمل القوي أن أثبت أن المصريين والعرب عموما مازالت لديهم القدرة والإرادة على إنجاز أعمالهم، مازالت لديهم الجودة والنظافة والنعومة التي كان يتعامل بها قدماؤنا، وأنا كامتداد للفراعنة، استخدمت أصعب أنواع الحجارة في الحفر وهو حجر «البازلت» الصلب، حيث لم يستطع أحد من الفنانين الحفر عليه سوى اثنين فقط، محمود مختار وعبدالبديع عبدالحي، اللذين حصلا على جوائز عالمية أيضا، من هنا بدأت أتواصل وأبحث عن هدف في قوة الحفر على أحجار مختلفة الصلابة للوصول لأعلى المستويات.
وعن صلابة الأحجار يقول: تمثل درجة صلابة «البازلت»6، و«العقيق» تصل درجة صلابته إلى7، أما «الزلط» فتصل درجة صلابته إلى 5 .7. وقد استخدمت أحجارا مختلفة في أعمال النحت.. تدرجت ما بين الجرانيت والزبرجد والزفير، وهي معروفة بالأحجار نصف الكريمة، ثم شرعت في العمل على حجر العقيق ثم الزلط لعمل قطع فرعونية تخص الحضارة الفرعونية ومختلفة تماما عن صنع أي أحد، ومن الأشياء التي حرصت عليها في عملي دراسة علم التشريح الخاص بالكائن الذي أريد حفر الشكل الخاص به لما له من فوائد مهمة.
رأس محارب
يضيف: من أشهر الأعمال التي تميزت بها تشكيلي لرأس محارب من الزلط الضخم، وثعبان يأخذ شكلا في غاية الجمال، وكنت لا أقتصر على حفر قطعة متميزة فقط، بل أقوم بعمل جراب خاص بها من الجلد الطبيعي أو خامة قيمة تناسبه.
ومن أشهرها أيضا الأشكال الإسلامية والفرعونية وتتمثل في عصا من الأبنوس مرسوم عليها العديد من الآيات القرآنية مثل «ومن شر حاسد إذا حسد» و«سبحان الله ما شاء الله» و«إنك لعلى خلق عظيم» ومن الأشكال التي تخص الطبيعة رأس النسر والثعبان والجدي. أما أشهر الشخصيات الفرعونية «أخناتون» و«القط المصري» والعديد من الآيات المزخرفة بالفضة، وتختلف الخامة من شكل لآخر لتنوع الأحجار، فما يميز عملي أنه على أحجار متدرجة الصلابة..
وقد ساعدني أكثر في عملي الدعوات الكثيرة من كبار الفنانين لأقوم بتدريس ما تعلمت للآخرين، وهم يعلّمونني أيضا ما توصلوا إليه؛ لذلك لم تواجهني صعوبات بل قد أكون مخاطرا بسفري إلى بعض الأماكن التي تتواجد بها أنواع نادرة جدا من الأحجار، لم أكن أبالي بمشاق الوصول إليها، إنما كنت أقوم بإنشاء ورش عمل مختلفة لتعليم أهالي هذه القرى لتكون حرفة أساسية لهم، فكانت تواجهني صعوبات بالغة في المكان من عقارب وثعابين لكونها أماكن صحراوية، لكني لم أتعرض لشيء بفضل الله.
وبسؤاله عن عدد القطع التي قام بصنعها، قال: مئات من القطع النادرة، فقد عرفت في مجالي بأني صاحب القطعة الواحدة، فلست ممن يكررون أعمالهم. وعن الأدوات الأساسية التي يحتاج إليها في عمله، قال: ماكينة من الألماس، خرطوم، مسامير دقيقة، قطع صنفرة، وقناع واق للوجه.. وقد لا يصدق أحد أني أعمل منذ أن أستيقظ من نومي حتى آخر اليوم.
رمزية الإنسان
ومن العناصر التي تستقطبه للعمل عليها يؤكد أنه الإنسان، سواء المرأة أو الرجل، لأن للإنسان رمزيته في هذا الوجود. أما العنصر الثاني فهو العمارة العربية، مؤكدا أنه يحاول في أعماله ربط العنصر الإنساني بالعمارة في عملية بحث عن الهوية المحلية، ويظهر هذا جلياً في مجموعة أعماله الأخيرة.
ويختلف الهاوي المصري عن غيره من النحاتين، كما يقول، في استخدامه الفضة في تطعيم بعض التماثيل باعتبارها من الأشياء القيمة عند استخدامها في عملية الحفر لتعطي أعمالا أكثر قيمة، فيهتم جدا بكل قطعة يقوم بعملها، ليس من أجل المال، لكن من أجل معرفة قيمة الشيء والاحتفاظ به.
وعن الأسباب التي جذبته لفن النحت يقول: فضلا عن أنها حوار صريح مع شيء ثلاثي الأبعاد، فإن تلمُّس الكتلة التي تعيش حالةً هلامية في ذهنك عندما تصبح مادة خالصة هو أحد أهم الأسباب التي دفعتني للنحت، واستهواني هذا التخصص منذ الصغر لأصوغ بعض الأعمال النحتية التي احتفظ بها حتى الآن، ربما تكون الكتلة موجودة في كثير من المهن والأعمال.
خصوصا الحرفية منها، لكن لو ذهبنا لنعرّف النحت لقلنا: إنه كتلة في الفراغ، والنحات يدرس هذه الكتلة وعلاقتها بالفراغ ليس الخارجي فقط، إنما الفراغ الداخلي أيضاً. هنا تختلف دراسة الكتلة باختلاف المهن، فالمهندس يدرس الكتلة التي يحتاج إلى توظيفها في عمله، بالمقابل يدرس النحات الكتلة وعلاقتها بالفراغ الذي سيوظفها فيه.
وبسؤاله عن رأيه في الاتجاه السائد الآن بإقامة مهرجانات النحت في الهواء الطلق، يقول إن هذا التوجه أدّى إلى ظهور نحت جامد، لا يتطرّق إلى فكر إنساني؛ إنّما يبحث عن نوع من المهارة والحبكة الجمالية، والعلاقات التشكيلية والهندسية، بين كتل الأحجار، ما انعكس على أعمال النّحاتين العرب لنجدها في النهاية مفتقدة للهويّة العربية، ولا تُمثلّها في شيء، اللهم، إلاَّ في القليل منها.
ويتمنى هاوي الحفر في الفترة القادمة إنشاء مدرسة وورش ثابتة لتعليم هذه الهواية حتى تصبح مهنة، ويتمنى أيضا إنشاء متحف خاص بكل أعماله، وأن تكون لي بصمة في هذه الهواية مثل محمود مختار.



