تحتل السياحة نصيباً كبيراً من الاهتمام من قبل المنظمات والهيئات الدولية وبلدان عدة من دول العالم المتقدم والنامية على حد سواء نظراً إلى ما تحققه السياحة من فوائد اقتصادية واجتماعية وعمرانية، ففي مطلع هذه السنة، أعلن أحد مجالس السياحة في أستراليا عن (أفضل فرصة وظيفية في العالم) للترويج لإحدى الجزر الاستوائية: وهي مهمة بسيطة جداً لدرجة أنها لا تتطلب من صاحب الوظيفة سوى أن يعيش على تلك الجزيرة ويكتب ما يحلو له عن تجربته هناك.

وفي الطرف الآخر من العالم، يشغل حمود اليعقوبي وظيفة تكاد تكون النقيض الكامل لتلك الوظيفة الأسترالية في صناعة السياحة. فهو رئيس مجلس السياحة للعراق، وقد قام أخيراً بزيارة إلى بريطانيا للترويج لبلده كوجهة ملائمة للسياحة. وكان من المقرر ان يصل اليعقوبي في الموعد المحدد لحضور سوق السفر العالمي الذي يحضره سنوياً حوالي 50 ألف شخص من المختصين في قطاع السياحة في أنحاء العالم، لكن حتى الوصول إلى لندن كان بحد ذاته تحديا كبيرا، ناهيك عن مهمة ترويج العراق وجهة سياحية. فقد بقي الحمودي عالقا في العاصمة الأردنية عمان عشية انطلاق المؤتمر بانتظار تأشيرته الموعودة المتأخرة. ولابد من التحلي بقدر من التفاؤل، وهو ما يتجلى في قول اليعقوبي: لدينا البنية التحتية للسياحة في العراق، ونحن متفائلون بإمكانيات نجاح قطاع السياحة هنا.

ولقد تحسنت الأمور بشكل كبير. فقد عانى قطاع السياحة في العراق من الاهمال بعد عام 1991 والحرب الاخيرة عام 2003 . فبعد سقوط النظام السابق عمت الفوضى جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياحية وتعرض الكثير منها للسلب والنهب والتدمير واصبحت بحالة يرثى لها، ما يتطلب اعادة النظر في الخطط والسياسات المتعلقة باعادة اعمار وتأهيل هذا القطاع المهم ودوره الواعد في تنمية الاقتصاد وتنوعه. حيث يتمتع العراق بكل مقومات السياحة، حيث يمتاز منذ القدم بالمقومات والامكانيات الكبيرة والمتنوعة في مناطقه المختلفة بما يمتلك من ارث حضاري وديني يتمتع به منذ العصور القديمة، فضلاً عما يتميز به من مناطق جغرافية متعددة وتنوع ظروفه المناخية، وقد أثر ذلك كله في تشكيل وتحفيز امكانياته السياحة.

وتعد الامكانيات الطبيعية إحدى اهم المقومات التي تدعم عملية نشوء وتطور السياحة في اية منطقة او موقع جغرافي لما يتوافر به من مقومات ضرورية لنشوء وتطور السياحة مثل الموارد المائية والحيوانية والنباتية فضلاً عن المعالم الجغرافية المهمة في توفير المناخ السياحي. والعراق يزخر بمقومات طبيعية متنوعة، فالمناطق الشمالية تمتاز بمعالم طبيعية تختلف عن الوسطى والجنوبية بوجود الجبال والمناخ المعتدل وسقوط الثلوج ووجود الشلالات ووجود غابات النبات الطبيعي وما يرافقها من وجود الحيوانات المختلفة مما يجعلها منطقة جذب ممتازة لهواة الطبيعة والصيد ومركز استقطاب سياحي، اما المنطقة الوسطى فتتميز باراضيها المنبسطة السهلة ذات المقومات الطبيعية المختلفة عن الشمالية بوجود البساتين على جانبي النهرين دجلة والفرات لتشكيل مناطق للتنزه.

اما المناطق الجنوبية فتمتاز بالاهوار التي تمثل قوة جذب سياحية حيث الماء والدفء، اضافة الى ما تمتلكه من ثروة حيوانية ونباتية؛ فهناك مناطق صالحة للصيد ومناطق صالحة للتصييف وصيد الحيوانات ومناطق للنزهات القصيرة. كذلك وجود الينابيع والمياه المعدنية والعيون الطبيعية والتي هي مناطق جذب جيد للسياح كذلك هناك مناطق تجمع البساتين والمياه والبحيرات التي تصلح للنزهات الطويلة الامد واقامة المنشآت السياحية مثل بحيرة الرزارة والحبانية.

أما المقومات التاريخية فلقد سبق العراق غيره من الاقطار في وجود الاستقرار الحضاري والاجتماعي، حيث خلق اسس التجمعات البشرية التي استدل بوجودها عن طريق وجود المعالم الاثارية التي مثلت مختلف الحقب الزمنية من العصور الحجرية الاولى مثل كهف شنايدر وقرية جرمون في جمجمال في محافظة كركوك وغيرها من المستقرات الحضارية التي مثلت بدايات الاستقرار البشري منذ خمسين الف عام.

ويتميز العراق بالمعالم الدينية من الشمال الى الجنوب، فدور العبادة والجوامع والمراقد والكنائس كلها تحكي قصصاً لأنبياء وأئمة وعلماء دين، فتميزت بلاد وادي الرافدين بكثرة المراقد الدينية والمواقع المقدسة مثل دور العبادة، فتستطيع ان ترى اماكن موغلة في القدم، وما ارتياد الزوار سواء من خارج القطر او من داخله خصوصا ايام المناسبات والعطل الدينية لهذه المواقع وازديادهم إلا اكبر دليل على ذلك .

ومن أهم المعالم الأثارية المتحف البغدادي للفولكلور الشعبي، ويضم غالبية المعالم الحياتية لسكان بغداد الأوائل. وقد أفتتح المتحف البغدادي مطلع عام 1970 م بموقعه الحالي على ضفاف نهر دجلة قرب المدرسة المستنصرية. وتعد بناية المتحف البغدادي من المباني القديمة في بغداد، حيث يعود تاريخ انشائها إلى عام 1869 في العهد العثماني.

واستخدمت أولاً كمطبعة لولاية بغداد ايام حكم الوالي مدحت باشا. ويوثق المتحف فترة زمنية من تاريخ بغداد وينقل تفاصيل دقيقة عن حياة البغداديين ويلقي الضوء على التراث ونمط الحياة التقليدية لبغداد القديمة. ويستعيد بساطة الحياة وتماسكها وثرائها الاجتماعي من خلال مشاهد واقعية تجسد الشكل والحركة والالوان أبدعها فنانون عراقيون صنعوا تماثيل الشخصيات بلغة ذات صلة بالموروث الشعبي والتراثي لبغداد.

علي محمد