أمواج كبحر غزة تصعد من دموع المساء في جبل النار بنابلس لتحتضنها ليالي رام الله، فتطير إلى مهد المسيح في بيت لحم، حالمة بإيقاع صوته في الجليل و«بيارات» حيفا المنتظرة لتجلي الصوت الإلهي في «ساعير»، هي سيمفونية الحب الكنعانية مع أعذب صوت عود تسمعه فيلامس شغاف قلبك، إنهم الفلسطينيون أبناء الناصرة وعشاق العالم الذي لم يحن موعده بعد، إنهم «الثلاثي جبران- سمير، وسام، عدنان» الذين طافت الأرض شهرتهم فكان العود رفيق لياليهم الموحشة في غرب الأرض وشرقها، يقدمون من خلال أنغامه «فوضى الياسمين» الكونية، وكانت جائزة أفضل موسيقى عن فيلم «وداعاً غاري» في مهرجان دبي السينمائي الدولي الذي اختتم أخيراً هي حصادهم الأخير لهذا العام، «الحواس الخمس» التقت الثلاثي جبران وكان هذا الحديث مع الشقيق الأكبر بينهم «سمير»:

كانت ليلة 14 يوليو 2008م هي ليلة الوداع الأخير بين «الثلاثي» والشاعر الكبير محمود درويش الذي رافقوه لسنوات في أمسيات جمعت الشعر واللحن معاً، يقول سمير جبران عن ليلته الأخيرة مع ملهم العشق «محمود درويش»: «لقد شاءت الصدف؛ أن يكون لقائي الأخير بدرويش في ذات المكان الذي جمعنا لأول مرة عام 1996م.

وما أن شاهد درويش الجمهور الذي احتشد في المدرج الروماني بباريس ليستمع لأشعاره وموسيقى أعوادنا ورأى كثرته، قال لي ممازحاً - لقد أتوا لمشاهدة كرة قدم، كيف لهذا الكم من الناس أن يستمع للشعر- لقد كان الجمهور الفرنسي والغربي الحاضر يستمتع بإلقاء درويش وكأنه غناء، وكان الجمهور يتفاعل مع عزفنا وصوت درويش .

وقد شعرتُ بأن الشاعر الكبير يلقي علي كلمات الوداع حين قال لي على المسرح -المستقبل أمامكم أما أنا فالمستقبل خلفي- وحين ودعته وهو متوجه لأميركا لإجراء العملية اتفقت معه على أن نقيم أمسية مشتركة في بلجيكا بعد عودته، وما هي إلا أسابيع حتى فقدته ففقدتُ سر الحياة فهو لم يكن بالنسبة لي كشاعر بل كان أخاً وصديقاً ومعلماً يلهمني عشق الكون».

طوال 13 سنة رافق سمير ثم شقيقاه «وسام» و«عدنان» الشاعر درويش فكانت أنغام أعوادهم بمثابة الصوت المجازي لأشعار درويش وأنفاس قصائده، ومن وحي ديوانه «سرير الغريبة» كان صوت ألبومهم ما قبل الأخير «مجاز»، ويتخذ «ثلاثي جبران» من حالة التناغم فيما بينهم درباً لعزف أغلب مقطوعاتهم الموسيقية، ويقول سمير في ذلك: «إن أغلب ما نقدمه من موسيقى يقوم على الارتجال والتخاطر الروحي فيما بيننا، وخشبة المسرح بالنسبة لنا المكان المقدس والوطن الحر الذي تتلاقى فيه ألحان أعوادنا النابعة من الروح».

انتشرت موسيقى «الثلاثي» في أغلب بقاع الأرض، مما دفع العديد من شركات الإنتاج العالمية للاستعانة بهم في تأليف وأداء الموسيقى التصويرية لمجموعة من أهم الأفلام العالمية، ومنها فيلم «الرحلة الأخيرة» الذي افتتح فعاليات مهرجان دبي السينمائي الدولي السادس الذي اختتم مؤخراً ويعتبر أضخم إنتاج أوروبي لهذا العام بميزانية بلغت 24 مليون يورو.

إضافة لفيلم «وداعاً غاري» الذي فاز في مهرجان دبي السينمائي وبجائزة النقاد في مهرجان كان؛ كما يقوم «الثلاثي جبران» حالياً بتأليف القطع الموسيقية لفيلم المخرج والتشكيلي الأميركي جوليان شنابل، وعنوان الفيلم «ميرال» وهو يحكي عن خصوصية فلسطين للفترة منذ عام 1967م إلى يومنا هذا.

عن تجربته مع التأليف الموسيقي للأفلام يقول سمير: «لقد عرض علينا تأليف وعزف الموسيقى لفيلم «الرحلة الأخيرة» بطولة الحائزة على الأوسكار ماريون كوتيار، وقد أجاب تلقينا لهذا العرض ونجاحنا فيه عن سؤال طالما أرقني؛ وهو: أيكون نجاحنا وسر استقبال وتفاعل الناس مع ما نقدمه من فن بسب كوننا فلسطينيين كتعاطف مع قضيتنا، أو أننا فنانين بالفعل وأن الناس تتعامل مع فننا- فكان الجواب اننا موسيقيين من فلسطين نقدم فناً يتفاعل معه الناس بصورة بحتة، ويذكرني ذلك بقول درويش ان الهوية الفلسطينية تضغط على الثقافة ويجب على الفنان والشاعر والمثقف الفلسطيني أن يتحرر من هذا الضغط ليقدم ثقافة حقيقية ولكن دون التفريط بقضيته وهي حالة صعبة.

وقد سافرنا إلى الصحراء المغربية التي جرى تصوير الفيلم فيها لمعايشة الفيلم وقصته بصورة حميمة، وكما الشعر الجيد الذي هو ما لا يقال؛ ألفنا وعزفنا موسيقى الفيلم طيلة 52 دقيقة، وحرصنا على أن تتفاعل الموسيقى مع الصورة بعيداً عن الحالتين المتداولتين في موسيقى الأفلام، المباشرة والتجريد الكامل، فقد كانت موسيقانا تلامس الحكاية والمشاهد وحركات أبطال الفيلم كطيف يطل من بعيد بطريقة الموازاة لا المحاكاة أو الترجمة النغمية للصورة.

يستعد الثلاثي لطرح ألبومهم الموسيقي الجديد «في ظل الكلام» المستوحى من أشعار درويش، أما عن بدء تأليف أي مقطوعة موسيقية، فيقول سمير: «هي تبدأ بشقيقنا الأصغر عدنان الذي أحب فيه عفويته وعدم تقوقعه في المفاهيم الأكاديمية، ثم يلهم وسام تلك الفكرة، لأقوم أنا بإنضاجها».

أبوظبي- محمد الأنصاري