تعتبر من أكبر المتاحف الطبيعية في العالم، وتحوي عددا كبيرا من الآثار لحضارات عدة مرّت من فوقها، والتي لا يزال الكثير منها قائما حتى الآن.

تبهرك بشوارعها الجميلة، وبيوتها القديمة التي تدل على فن العمارة القديم المميز، بمآذن جوامعها، وأجراس كنائسها، وحقولها الخضراء، تبهرك وتدهشك وتأخذك إلى عالم آخر. تحكي لنا قصص السابقين الذين مروا من هنا، بلسانٍ «مأدباويٍ» جميل؛ تروي حضارة الإنسان، وفكره ورؤيته منذ آلاف السنين، ولسنوات عدة مقبلة لن تزول. مأدبا التي جعلتني من خلال أهلها وجوامعها وشوارعها أضع قطعاً من جسدي وروحي هناك بعيداً فيها لتبقى في قلبي وقطعةً من جسدي وروحي التي لن تسترد، إلا بالعودة إليها من جديد، وزيارتها في كلّ حين.هنالك الكثير من المعالم الأثرية الرائعة الجمال التي لن يجدها الإنسان إلا في مأدبا. والتي تدل على عمق الحضارة الإنسانية والأجناس البشرية التي مرّت من هنا في أزمانٍ خلت، ولكنها حاضرة في كلّ وقت وفي كلّ زمان.وتعتبر مدينة مأدبا من المدن الأردنية الرئيسية، وتقع إلى الجنوب من العاصمة عمّان على بعد 30 كيلو مترا تقريباً على طريق سريع يزيد عمره على ال5000 عام.

وكلمة مأدبا كلمة سريانية مركبة معناها «المكان الطيب» أو المياه الهادئة، لأن في وسع المياه أن تستقر حول المدينة، ولقد كان من نصيب مأدبا أن يخلد اسمها، ولا يتغير على مرّ الأزمان، وتعتبر المدينة من أكبر المتاحف الطبيعية المنتشرة في العالم. وتحتوي على عدد كبير من الآثار لحضارات عدة كثيرة مرّت من فوقها منذ آلاف السنين، والتي لا يزال الكثير منها قائما حتى الآن. وتتمتع مدينة مأدبا بخصب تربتها، وعلى الرغم مما اكتشف فيها من آثار، إلا أن الكثير لا يزال مدفوناً في جوفها.وتحتل مأدبا في الوقت الحالي مكانة مميزة في الساحة الأردنية لما تحويه من آثار متنوعة عدة؛ سياحية، دينية، اقتصادية، طبية وترفيهية.

وتضم مأدبا اليوم مراكز ثقافية وصروحا علمية مميزة على الساحة الأردنية، وتعد من المدن الأردنية المشتهرة بالزراعة، وتحوي سيولا مائية عدة ذات انسيابية مميزة جميلة.وأكثر ما تشتهر به مأدبا القطع الفسيفسائية الجميلة، وتضم خارطةَ فسيفسائية تعود إلى القرن السادس، تشمل القدس والأراضي المقدسة. وتزخر الخارطة بعدد كبير من الأحجار المحلية ذات الألوان المشرقة، وتعرض رسوماً للتلال، والأودية، والقرى، والمدن التي تصل إلى دلتا النيل.

وتغطي خارطة الفسيفساء في مأدبا أرض كنيسة القديس جورج للروم الأورثوذكس، التي بنيت على أنقاض كنيسة بيزنطية قديمة جداً من القرن السادس. ويبلغ طول اللوحة التي تتضمن خارطة الفسيفساء حوالي 6,15 مترا مربعا وعرضها 94,6 أمتار مربعة، غير أنه لم يبق محفوظاً على مر الزمن سوى ما يقارب ربعها.

وتظهر قطع فنية أخرى وجدت في كنيسة العذراء وكنيسة الرسل وفي متنزه مأدبا الأثري رسماً لكمية كبيرة من الأزهار والطيور، والأسماك، والحيوانات، إضافة إلى مشاهد من علم الأساطير والمطاردات اليومية لصيد الطيور والأسماك، والعمل بالزراعة. وتنتشر القطع الفسيفسائية الرائعة المتنوعة الجمال في الكثير من بيوت مأدبا.

ولا تزال بيوت مأدبا، تخفي تحتها الكثير من الأرضيات الفسيفسائية، بينما تستمر عمليات البحث والحفريات في المدينة ومحيطها وتكشف في كل مرة عن الكثير، ولكن تبقى الخريطة الفسيفسائية هي الأشهر.

حديث التاريخ

ويرجع تاريخ هذه المدينة إلى العصر الحديدي الأول (1200-1160) قبل الميلاد، والذي يدل عليه اكتشاف قبر على مقربة من التل يعود تاريخه إلى ذلك العصر. وفي القرن الثاني عشر قبل الميلاد كانت مأدبا مدينة موآبية إلى أن استولى عليها الأموريون وأحرقوها.

ثم حكم مأدبا في القرن التاسع قبل الميلاد ملك اسمه ميشع، والذي جعل ذيبان عاصمة له، فطرد الغزاة، ورمم المدن.ألاوتسللت قبائل الأنباط البدوية تبحث عن مراع لماشيتها، واستقرت في مأدبا، وقامت ببناء وتعمير المدينة واحترفت التجارة، وكونت مملكة، وجعلت البتراء عاصمة لها.

وعندما خضعت المنطقة لحكم قادة إسكندر الأكبر كانت سوريا تنعم بالحضارة اليونانية. ويبلغ عدد سكانها حوالي 90 ألف نسمة، ويقطن مأدبا نسبة كبيرة من العشائر، حيث لا يزال يحكم في المدينة القانون العشائري القديم، اضافة إلى القانون المدني، ويقطنها عدد من المسلمين والمسيحيين.

جبل نبو

من أهم معالم المدينة جبل نبو، الذي يرتفع 680 متراً عن سطح البحر، ويعتقد أن على الجبل وجدت مدينة نبو التي تبعد عن عمان 41 كيلومتراً وتبعد 10 كم إلى الغرب من مدينة مأدبا.

ومنطقة جبل نبو مطلة على البحر الميت ووادي الأردن، وهو من أفضل الأماكن للمراقبة في العالم، وفي الأيام الصافية يستطيع المرء من على قمته أن يرى بالعين المجردة البحر الميت، وجبال البلقاء وكل فلسطين بما فيها قبة مسجد الصخرة، والمسجد الأقصى وأبراج الكنائس في مدينة القدس وشواطئ البحر الأبيض المتوسط، وجنوب لبنان وجبل الشيخ شمالا حتى جبال سيناء جنوبا.

وقد قررت دائرة الآثار العامة مؤخراً افتتاح متحف للآثار في مدينة مأدبا، ولذلك بدأت باستملاك بيوت متلاصقة عدة، أرضياتها مفروشة بالفسيفساء، وشكلت تلك المنازل نواة المتحف الجديد.

وقد افتتح الموقع في 1978وتوجد في ساحة المتحف الخارجية قطع فسيفساء مختلفة نقلت من حسبان وماعين والقسطل وجبل نبو، ويحتوي المتحف على مجموعة متنوعة من التيجان الكورثتية والايونية المنحوته بشكل دقيق، وعدد من الأعمدة التي تعود إلى الفترة البيزنطية.

كما تضم خزائن المتحف مجموعة من الآثار المهمة الفخارية والزجاجية والمعدنية التي تعود إلى العصور البرونزية والحديدية والفترات الهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية.

ومن أهم الآثار في المتحف مجموعة من الأواني الفخارية والبرونزية الإسلامية حيث تم العثور عليها في إحدى غرف قصر أم الوليد الأموي، وتم ترميمها وصيانتها في معهد الترميم في جنيف، كما يحتوي المتحف على مجموعة من المسكوكات الفضية البطلمية التي عثر عليها في منطقة مربعة موسى، وكذلك مجموعة من الدنانير الذهبية الإسلامية التي تعود للفترة الأموية.

دبي- ناهد حمود