طفولتنا هي الركن الذي نحن اليه دائما، ونحاول استعادته بطرق مختلفة، نراوغ فيها الاحلام والاشياء والصور، وربما أعادتنا رائحة خبز شهية إلى تنور أمهاتنا لنستحضر خبز الامهات الذي تغنى به درويش ففتح لنا كل منافذ الحنين.
والطفولة التي تستطيع أن تحتفظ بدهشتها مهما مرت عليها السنون هي تعبير صادق عن نظرتنا الطازجة للاشياء؛ فالفيلسوف الفرنسي باشلار يقول: الطفل يرى بعين كبيرة، بعين جميلة، والتأملات نحو الطفولة تعيدنا إلى جمال الصور الأولى.وأشكال الأطعمة وروائحها قد تعيدنا إلى زمن مضى لتظهر جانبا من الذاكرة يفرحنا وينشط فينا تلك الذائقة التي ألفناها زمنا ونسيناها أزمانا أخرى، لذا فان الأطعمة وعلاقتنا بها تعتمد على تجارب الطفولة وعلاقات الاطفال بمحيطهم، فحتى مع مرور السنوات تبقى لبعض الاطعمة لذة وخصوصية تتفوق فيها على غيرها من الاطعمة مهما كانت جودتها.
يتذكر كثير من الشباب الاطعمة التي ارتبطت بطفولتهم، وبقوا يطلبونها حتى اليوم، ومنهم هاني كمال، مصري،ألا يقول: ارتبط المحشي بطعام الطفولة وذكريات الأوقات الذي أعود بها من المدرسة إلى البيت؛ فأجد والدتي حضرت لنا المحشي وخصوصا الملفوف. وارتبطت بعض الحلويات عندي بالطفولة مثل لقمة القاضي التي تعد من الحلويات البيتية المعروفة في مصر، بينما تعيدني شوربة العدس الى ليالي الشتاء، لذا ما أن أراها حتى يحضر الشتاء في ذهني، وفي العادة حين أدعو أصدقاء عزاب الى بيتي أقدم لهم أطعمة بيتية مثل الحمام المحشي والملوخية والاطعمة التي يصعب عليهم تناولها في المطاعم وترتبط بثقافة الطعام عندهم.
أما بسام الصيفي، لبناني، فيقول: هناك أطعمة ترتبط بالأشخاص عندي، فمثلا كانت والدتي لا تطبخ فتة الدجاج، ولم أكن أطلبها في المطعم أبدا، وقد كنت مدعوا في بيت أحد الاصدقاء؛ فقدموها لي، وقد أعجبتني جدا فصارت مرتبطة بهم، وكلما ذهبت إلى مطعم وأجدها في القائمة أطلبها لأنها تذكرني بهم، بينما ترتبط طفولتي بحلوى الكاسترد بالشوكولاته التي كانت أمي تعدها في الشتاء.
وكانت تعد للأسرة في كاسات صغيرة بينما تعدها لي في صينية لأني أحبها جدا، وهي حلوى ترتبط في الشتاء؛ فأهلي يسكنون في الجبل، وفي ليالي الشتاء الباردة لم تكن والدتي تضع الكاسترد في الثلاجة، وانما في الصالة لأن الجو البارد يجعل الكاسترد يتجمد بسرعة، وحتى اليوم حين أعود إلى لبنان تبدأ والدتي بتحضير الكاسترد لي، وكأني أعود إلى طفولتي عندما أتناوله.
والأطعمة التي ترتبط بالطفولة لها جانبان مختلفان تحدث عنهما عبدالعزيز، مدير إدارة التراث في دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة قائلاً: هناك أمران يرتبطان بالذاكرة هما رفض بعض الاطعمة من دون سبب حقيقي لمجرد أن الانسان لم يحب تلك الأطعمة في طفولته.
وقد كنت أرفض بعض الأطعمة، ولم أفكر في مناقشة الأمر مع نفسي حتى تزوجت؛ فكانت زوجتي تعد بعض تلك الأطعمة وأقول لها: أنا لا آكل هذا الطعام؛ فتسألني عن السبب ولا أجد سببا مقنعا، وبدأت بتجريب تلك الأطعمة؛ فأصبحت من أقرب المأكولات إلى نفسي.
ومن الطبيعي أن تؤثر ثقافتنا الغذائية في ذائقتنا فقد تعرفت في السفر إلى أنواع مختلفة من الأطعمة تمزج بين الحامض والحلو أو اللحم والفواكه، الأمر الذي جعلني أعيد النظر في أكلة المحمر التي تشكل مزيجا بين الرز والسكر، وكنت أرفض فكرة هذا المزج، لكني الآن صرت أستمتع بتناولها، ومع ذلك لم اندم على موقفي القديم منها؛ فهو يمثل مرحلة مختلفة من حياتي.
واعتقد أن الاطعمة الحلوة هي الأكثر ارتباطا بطفولتنا، فمثلا الحلاوة (المنفوشة)، أو (شعر البنات) من الحلويات التي ترتبط بسنين الطفولة والفرح حين كنا نتمنى لو نستطيع أن نأكل منها كميات ضخمة، وكذلك المثلجات التي كانت تصنع من الفيمتو أو الشربات، حيث تجمد بعد أن توضع فيها اعواد من جريد النخل، وتكون على بساطتها لذيذة جدا لأنها مرتبطة بالطفولة والحياة البسيطة التي كنا نعيشها.
كذلك تربط بعض الاطعمة بالمواسم والمناسبات؛ فهناك اطعمة خاصة بشهر رمضان مثل الثريد، وهناك ما يرتبط بولادة طفل جديد مثل الحبة الحمراء، وأحيانا بعض الشواب يرفضون الطعام حين يرون انه لا يناسب الموسم الذي تعودوا عليه، كذلك في الماضي كانت الطروش يأتون الينا في مواسم الفاكهة بالثمار المختلفة مثل الهمبا والبابايا التي نسميها الفيفاي .
وهو اسم عربي معروف، كذلك انواع الموز الفرض والبرحي، وكان الموز الصغير الفرض يقدم للصغار ولا يسمح لهم بأكل الموز البرحي الكبير لأنه يؤذي معدته، واحيانا اسمع بعض الاصدقاء يقول: (في خشمي طعم موز فرض)؛ اي أنه يستعيد ذاكرة الطفولة ورائحة هذا الموز ويشتهيه في تلك اللحظة.
وارتباط الطعام بالطفولة وبالذكريات والاشخاص له تفسير نفسي تحدث عنه الدكتور ابراهيم الياسي، مدير عام مركز الحوار للدراسات والبحوث قائلا: هناك امور ترتبط بالذاكرة سواء أكانت طعاما او لعبة أو شيئا مجسدا آخر.
وهي تعبر عن ارتباط بالطفولة بدأ تقليدا ثم تحول الى عادة سلوكية ثم أصبح طبعا يشكل جزءا من شخصية الانسان، ويرى اتباع مدرسة التحليل النفسي لفرويد أن هذا السلوك مكتسب، وغير اصلي؛ فهو يمكن أن يتغير، لكن سبب ارتباطه بالذاكره يعود الى أن المثير الخارجي مرتبط بحادث أو تجربة مؤلمة أو سعيدة، وهذا الارتباط يماثل تجربة الارتباط الشرطي، التي اجراها بافلوف.
حيث تقترن الاشياء بحوادث معينة ما ان يحضر فيها ذكر شيء معين، لنفترض انه نوع من الطعام حتى يعود الانسان الى تجربة تناوله، لذلك الطعام والاجواء المحيطة بتلك التجربة وتسمى تلك الحالة بالارتباط العلائقي، حيث تنشأ تلك العلاقات من الصغر لأن مرحلة الطفولة هي مرحلة تكوين التجارب والمفاهيم والعلاقات، والشخصية عموما.
علاقة
يرى الدكتور ابراهيم الياسي ان ارتباط الطعام بالذاكرة يمكن أن يفسر حسب تجربة بافلوف النفسية ونظريته عن الارتباط الشرطي الذي يشكل علاقة وثيقة بين المثير الخارجي والتجربة.
ارتباط
يقول عبد العزيز المسلم: الاطعمة الحلوة هي الاكثر ارتباطا بطفولتنا، إذ إن الحلويات تقترن برغبات الاطفال والمناسبات السعيدة التي تقدم فيها، لذا تعيدنا مشاهد بعض الحلويات الى الطفولة.
سعادة
يقول هاني كمال: أقدر كيف أن بعض الاطعمة يمكن أن تمنح السعادة وتذكرنا باجواء البيت، لذا حين ادعو اصدقائي العزاب الى بيتي احرص على تقديم الاطعمة التي يفتقدونها.
دبي- دلال جويد


