ذلك العنوان المكتوب على المدخل يقود إلى عالم بعيد عن أجواء أبوظبي، إنها «القرية التراثية» التي تحتل مساحة 1600 متر مربع من كاسر الأمواج. ومن المدخل يمكن معايشة اللقاء الحميم لشاطئ البحر مع الخضرة.
ويظهر من ورائه مشهد لأبوظبي الحديثة بما تملكه من عمارات شاهقة، ترتفع عاليا لتحجب جزءا من السماء، بينما يتكسر خيالها بين تقلبات المياه الهادئة. القرية التراثية من عنوانها تدل على ما يتعلق بالمظاهر غير العصرية، حرص على تواجدها نادي تراث أبوظبي، فيما تستقبل المتجول فيها «دلة» نحاسية عملاقة ترمز إلى الأصالة وكرم الضيافة. كل ما يمكن ألا نراه في الحياة اليومية، يوجد في القرية من سفن خشبية بأشكال مختلفة بعضها وضع على اليابسة، وبعضها الآخر في البحر يرسم عبر مسيرته الهادئة أشكالا مختلفة من الأمواج، أما الخشب الذي صنعت منه القوارب فيعلن عن نفسه مرتبطا ارتباطا وثيقا بمنتجات الطبيعة التي تكررت في أكثر من مكان في القرية، مثل السوق الشعبي الذي بني من خوص النخيل.
وفيه تباع المنتجات الشعبية التي تصنع في القرية مثل الزجاج الذي يقومون بصنعه كما بقية المنتجات بطريقة يدوية أمام أعين الزوار، أو السلع الجلدية، و المنتجات الخشبية والنحاسية، إلى جانب دكاكين العطارة والحبوب، ويرتاد السوق يوميا الكثير من الزوار، معظهم من السياح الأجانب الذين يبحثون بشكل حقيقي عن ما يميز المكان من أصالة. ومن بين أجزاء الطبيعة التي ترسم مشاهدها بمهارة، ترتفع شجرة نخيل أو «حنة» هنا، وأشجار متنوعة هناك تمتد جذورها وسط أعشاب، ويمكن ملاحظة التدخل البشري الجميل بعناصر شيدت من الأحجار الطبيعية والخشب مثل تلك البئر التي يتوسط إحدى الساحات الصغيرة التي تشكل القرية، بينما يخيم على المشهد العلوي علم الإمارات، وكأنه يقول من خلال ألوانه كل ما هو موجود يبقى تحت ظل الإمارات.
وحرص نادي تراث الإمارات في توزيعه لعناصر القرية على إظهار العديد من البيئات التي تشكل جغرافية الدولة، أولها البيئة البرية وفي هذا القسم تظهر البيوت التي عرفها الإماراتيون مثل بيت العين وبيت الشعر بيت اليواني العريش والحظيرة.
وهي نماذج مختلفة لنزل أهل البر، اختلفت أشكالها باختلاف أشكال سكنهم، وما فرضه الطقس من متطلبات، ومن خلالها يمكن مشاهدة تقسيمات المنامة، أو الجلوس، أو الضيافة التي تتجسد بدلات القهوة العربية، ومستلزماتها.
أما بيت البحر فيعكس بيئة أهل البحر وما فرضت عليهم حياتهم من طراز البيوت التي تقيهم لهيب الشمس، وتستقطب نسيم البحر، إذ تعلو هذه البيوت «البارجيل» التي تأتي بالهواء البارد مهما كانت الجو حارا، خارج المنزل.
و من زرقة البحر وما فرضه من بناء، إلى البيئة الزراعية حيث عرضت العديد من الأدوات والوسائل الزراعية القديمة مثل الثور الذي يجر الحبل من طرفه البعيد ولاالمينور والرشا ومساند خشبية أخرى، تأخذ مكانها بصعوبة فوق البئر، وتسند الحبل منتشلا من طرفه الآخر دلو الماء، ليصب في فيلاالأفلاجلالا التي تشكل قنوات الري، وكل هذا المشهد يمثل نظام الري الذي كان يطلق عليه فيلااليازرةلالا، ويعد من أقدم وسائل الري في العالم كله.
ومن بين البيئات الثلاث التي تجسد بيئات الإمارات بني المشغل اليدوي النسائي، وفيه ممارسات لما كانت تقوم به النساء في الماضي، اللواتي كن يمارسن أدوارا إضافية إلى جانب أدوارهن الاعتيادية، من خوص النخيل ممكن صنع العديد من مستلزمات المنزل مثل الأطباق وغيرها، أو بعض المنتجات الصوفية، وقطع النسيج، أو الأدوات المصنوعة من القش، ولحفظ هذا التقليد جلست مجموعة من النساء الماهرات اللواتي ما زلن يمتلكن القدرة على إنجاز تلك الصناعات القديمة.
أما المتحف الذي تبلغ مساحته 500 متر مربع فيكشف بشكل أكبر عن واقع وتفاصيل الحياة اليومية الإماراتية، و بكل ما يرتبط بتلك الحياة من أدوات ومستلزمات.
ويضم المتحف الذي بني على شكل قلعة أثرية بين أروقته مجموعة من الأدوات الزراعية القديمة، والأسلحة التي كانت تستخدم من قبل مثل السيوف، والبنادق، الخناجر وغيرها، تجاورها أدوات صيد اللؤلؤ، وعددا من الأزياء الفلكلورية، والحلي التي تزينت بها المرأة في الإمارات، إلى جانب العديد من الصور القديمة التي تجسد مراحل الحياة في الإمارات، معبرة بين زواياها الأربع عن الاختلاف بين الماضي والحاضر أحيانا.
ولا يخلو المتحف من بعض المعروضات النادرة مثل نسخ من المصحف الشريف التي كتبت بخط اليد، ومجموعة كبيرة من المسكوكات الإسلامية الفضية والبرونزية، والورقية.
وحرص القائمون على بناء القرية على بناء المسجد بطريقة غير مألوفة ففي بيت العبادة الذي لازم الإماراتي قديما وحديثا، وهو هنا في القرية مشبع بالزخارف التي حفرت على الأبواب والنوافذ.
إنها جولة غير مألوفة تستطيع الخروج من المكان والعيش في الذاكرة لما تمتلكه من جمالية لا تتوفر في المشاهدات.
أبوظبي - عبير يونس


