كُتِبَ على جدران هذا الاستوديو ألا يستقبل سوى الملوك والزعماء والوزراء وصفوة أهل الفن والثقافة والسياسة، الرموز فقط من انعكست على ملامحهم كاميرات التصوير على اختلاف أنواعها التي تطورت عبر 119 عاما، هي بالتمام عمر (استوديو بيلا) .
ذاكرة فوتوغرافية غير تقليدية ظلت أبدا شاهدة على أحداث ورموز وقادة ملأوا الدنيا ضجيجا، ثم رحلوا وبقي (بيلا) صامدا كأعرق استوديو تصوير فوتوغرافي في مصر والمنطقة العربية.. تعالوا إلى زيارة سريعة تلتقط شذرات من تاريخ حبسته كاميرات (بيلا). عندما تعود بك الذاكرة إلى الزمن القديم تجد للحياة مذاقا وطابعا خاصا، وعودتنا إلى الزمن الجميل تعنى العودة إلى عام 1890، حينما قام مستر بيلا المجري الجنسية بإنشاء الاستوديو، ليكون بذلك أقدم وأعرق استوديو تصوير فوتوغرافي بمصر، وفي 1925 باعه إلى فهمي باشا هيبة، وانتقلت ملكيته إلى أبنائه وأحفاده ومن بينهم أشرف الذي يحكى لنا قصة هذا الاستوديو وتاريخه، فيقول:
عام 1890 أنشئ الاستوديو، وكان الأول من نوعه في مصر، وكانت الصور بالطراز القديم كلها بالطرابيش والزى الرسمي، وكانت الصور العائلية هي الأكثر رواجا أو طلبا في ذلك الوقت، وبعدها بفترة أنشئت استوديوهات أخرى مثل (جارو) و(أنثرو) و(ألبان) وكل أصحاب هذه الاستوديوهات مواطنون أرمن أو يونانيون.كاميرات تاريخيةالكاميرات التي كانت تستخدم في ذلك الوقت هي كاميرات وعدسات (لينهوف) الألماني، وكانت كاميرات (منفاخ)، ولها عجل حتى يسهل نقلها وتحريكها، وكان الخواجة بيلا يستخدم كاميراته الخاصة في ذلك الوقت عند الخروج للتصوير، وكانت عبارة عن صندوق خشبي وفلاش (شرارة كهرباء) ماغنسيوم تنتج ضوءا قويا.
ولكل صورة فيلم مستقل بها وكان التصوير الداخلي في الاستوديو يتطلب استخدام كاميرا المنفاخ ووجود إضاءة ثابتة عبارة عن لمبات صفراء (تنجستين)، وهي تتطلب عدم الحركة أثناء التصوير لمدة ثانيتين.
ونظرا لأن العائلات كانت أحيانا يصل عددها من 15 إلى 20 فردا، فكان لابد أن يكون البلاتوه واسع الحجم، وهذا أكثر ما يميز استوديو بيلا حتى الآن، فهو أكبر بلاتوه فوتوغرافيا في مصر، لذلك به إضاءة موزعة بتصميم جيد. أما الأفلام فكانت- آنذاك- مصنوعة من الزجاج وكان نوع الفيلم 20؟25 سم ماركة كوداك الأمريكاني وألفا الألماني.
ولايزال معمل التحميض منذ ذلك الوقت موجودا في الاستوديو، حيث يتم تحميض الأفلام وطبعها حسب إمكانياته، ولكن رغم ظهور الكاميرات الديجيتال فإن الكوالتي الخاص بأفلام الصور الأبيض والأسود القديمة أجود من حيث (الروزليوشن) الجودة ودرجة النقاء.. والآن الكاميرات المستخدمة من 18 حتى 16 ميجابيكسل، وتوجد أيضا كاميرات ذات تقنيات حديثة جدا يصل سعرها إلى 4 آلاف دولار، وتستخدم في تصوير الأماكن الكبيرة والمشاريع الضخمة.
العائلة المالكة
وقف أمام كاميرات هذا الاستوديو الملك فؤاد، ومن بعده نجله الملك فاروق وجميع أفراد العائلة المالكة، وأغلب الباشوات والوجهاء ورجال الدولة ومشاهير الفن بالإضافة لمشاهير السياسة..
وكان عندما يريد الملك أو أحد من أسرته التصوير كان يرسل مندوبا عن الأمير أو الباشا لتحديد موعد التصوير، أو أن يحضر مندوب من قصر عابدين؛ للاتفاق على حضور الخواجة بيلا لتصوير أحد أفراد الأسرة المالكة، وكذلك كل المشاهير في تلك الفترة تم تصويرهم في استوديو بيلا، منهم يوسف وهبي وزوجته لوبيز، وفرقته.
وأيضا الفنان علي الكسار والسيدة فاطمة اليوسف ومنيرة المهدية وكوكا، وفي عام 1925 هاجر بيلا وباع الاستوديو إلى فهمي باشا شاهين، ولكن بيلا اشترط ألا يتغير نظام العمل بالاستوديو؛ ليظل شاهدا على تاريخ التصوير الفوتوغرافي في هذا البلد، والذي بلغ عمره حتى الآن 119 عاما، وسيظل شاهدا حتى نهاية عمره.
وبعد أن نقلت ملكيته إلى فهمي باشا ظل كما هو، وتم في هذه الفترة تصوير الملك فؤاد وبجواره حسين رشدي باشا، كما تم تصوير إسماعيل صدقي باشا واللواء أحمد شفيق باشا وروسيل باشا حكمدار العاصمة.
ويقول أشرف إن جده، ذات مرة، التقط أثناء تواجده في قصر عابدين صورا للملك فاروق في طفولته وأثناء ركوبه سيارة صغيرة، كما صور سفير مصر في لندن عزيز عزت باشا وصادق يحيى باشا، وزير الحربية، ومحمد حافظ رمضان بك، رئيس الحزب الوطني.
ويضيف: احترفت عائلتي كلها مهنة التصوير وعملوا في هذا الاستوديو حتى تصبح مهنتهم تاريخا مثله، فتواجدت عائلتي بأكملها داخل الاستوديو؛ ليكون كل فرد بها شاهدا على حضارة وعراقة وتاريخ هذا الاستوديو..
مشاهير الفن
وواصل الحفيد قائلا: عمي أيضا احترف التصوير في الستينيات، وهو المخرج أحمد ضياء الدين فهمي، وعمل معه والدي مصورا فوتوغرافيا، وكان يقوم بعمل (تستات) الكاميرا للفنانين منهم فريد شوقي وتوفيق الدقن ومحمود المليجي وبعدهم سعاد حسني ويحيى الفخراني وميرفت أمين، وكان كبار المخرجين يرسلون الفنانين لوالدي حتى يعرفوا زوايا تصويرهم، فسعاد حسني وفريد شوقي، مثلا، كانت زاوية تصويرهما من اليمين، بينما كان من الممكن تصوير هند رستم ومحمود المليجي، مثلا، من جميع الزوايا.
وأضاف: كان والدي يحدد إذا كان هؤلاء الفنانون يصلحون للتمثيل أم لا، أيضا قام بعمل اختبار كاميرا لرشدي أباظة وماجدة الصباحي ومديحة كامل وأنور وجدي وميمي شكيب ونعيمة عاكف وكمال الشناوي وشكري سرحان، وكل أبطال فيلم (المراهقات).
بالإضافة إلى عبدالسلام النابلسي ونادية الجندي وليلى طاهر وبرلنتي عبد الحميد، ومن المطربين الذين صورهم والدي عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش ومحمد فوزي وليلى مراد، فضلا عن العديد من أعضاء مجلس الأمة، كما قام بتصوير أحداث مهمة في مصر، مثل قادة ثورة يوليو 1952، وجنازة الراحل جمال عبدالناصر.
والتقطت أيضا صور للرئيس الراحل محمد أنور السادات وجيهان زوجته، حيث كان والدي يستعمل نفس الكاميرات التي بدأ بها الاستوديو في الأربعينيات، بالإضافة للكاميرات القديمة مثل (رولي فيلكس) ورولي (كورد) و(ليكا)، وهي جميعها أمريكانية الصنع، وبعدها ظهرت الكاميرات اليابانية، والكانون، وبشكل، وتيكون.
يضيف أشرف:إنني منذ ميلادي كأنني لا أرى بعيني غير ذلك الاستوديو العريق الذي خرّج أجيالا في مجال التصوير، خاصة أنني عشقت التصوير منذ طفولتي، وقال إن والدي أهداني في عيد ميلادي كاميرا هدية، وعندما كبرت كنت أذهب مع والدي للاستوديو، وكان عمري 11 عاما، وكنت مسئولا عن تصوير الصور الرسمية 4،6 وكنت أعمل في البلاتوه من الواحدة ظهرا حتى الخامسة مساء.
لوسي والفخراني
يتذكر القائم على استوديو بيلا أنه في ذلك الوقت عام 1974، كان الناس يقفون طابورا للتصوير، وقمت بتصوير فنانين مشاهير وعمري 14 عاما، وأول فنانة قمت بتصويرها كانت لوسي، وبعدها يحيى الفخراني، وكانوا في البداية يقلقون من الصور لأنني صغير، لكن بعدما كانوا يرون الصور يطمئنون، وبعدها بدأوا يطلبونني بالاسم، وعندما يسمعهم أحد يصرون على ذلك يستعجبون لصغر سني وبعدما وصلت لـ 21 عاما كنت أصور معظم أغلفة المجلات الفنية، وأجري تست كاميرات لفنانين شباب كان يرسلهم لنا يوسف شاهين .
والسيد راضي وفيصل ندا ونادر جلال وجلال الشرقاوي، ومن هؤلاء الفنانين انتصار ونيرمين الفقي وعلي الحجار وعبير صبري وسهام جلال وداليا البحيري وبثينة رشوان ونسمة، وقمت بتصوير يسرا وإلهام شاهين وفيفي عبده وسعيد صالح ومديحة كامل وسناء البيسي، بالإضافة لتصوير العديد من المسئولين مثل عاطف صدقي وعاطف عبيد وكمال الجنزوري وفتحي سرور وفاروق حسني وحسن راتب، أيضا قمت بتصوير الشيخ محمد متولي الشعراوي قبل وفاته بعام تقريبا، وكانت الصور لحملة دعائية لكتب له توزع في السوق.
يتذكر أشرف بعض المواقف التي لن ينساها في حياته وقال: مرة طلب مني سعيد صالح صورا غريبة للأفيش الخاص بمسرحية (أبو نضارة) وحضر إلى الاستوديو وبجواره حماره، وقال لي: إيه رأيك في المفاجأة دي صورني أنا والحمار! وبالفعل سعيد علق فيونكة حمراء اللون في رقبة الحمار وركب عليه بالمقلوب وتم تصويره، وكانت هي صورة الأفيش.
وفى النهاية يؤكد القائم على استوديو بيلا: مثلما ورثت هذا المجال من والدي علمته أيضا لابني شهاب، وعمل في الاستوديو وعمره 16 عاما، وأول فنان قام بتصويره كان أشرف عبدالباقي.
ومن بعده سامح حسين وشريف مدكور وأحمد عبدون وريهام سعيد وإيناس كامل.. كل هذه الصور تتم في الاستوديو الذي عمره 119 عاما، مع الاحتفاظ بديكوراته القديمة التي كانت السبب في شهرته وعراقته وأصالته حتى الآن مع إدخال بعض التقنيات الجديدة والبرامج، لكن ليس باستفادة كلية لأن الفنان الحقيقي هو الذي يصنع الصورة ويتعب في التقاطها ولا يترك التكنولوجيا تلعب دورها في الصورة.
القاهرة - دار الإعلام العربية


