ليس هناك ما قد يقال أو يصف ما تمثله موسيقى وحضور البلابل بجاذبيتهن المعهوده وحضورهن الأنيق، واليوم بعد أن عادت البلابل مرة أخرى تغرد في سرب الإمارات، وتتجول بين أرجائها؛ من غصن إلى غصن بصوتها الشجي وألحانها العذبة عادت بعد غياب، عادت وجاء وقت الإياب، عادت تحمل معها الحياة والأمل والتفاؤل، لا نخفيكم القول ان الكثير من الإعلاميين والمهتمين بالفن السوداني عبروا عن رغبتهم الشديدة في أن ينقل (الحواس الخمس) عبر صفحاته الكثير من رسائل المحبة والإعجاب بسيدات الأغنية السودانية.

وفي السطور التالية قليل من كثير من بريد الأشواق والأمنيات من أجيال مختلفة عاشت وعايشت تجربة تختزل معاني العطاء والوفاء للأغنية السودانية، وروادها، ولسان حالهم يقول «عادوا والعود احمد». حديث الروح يستعيد الكاتب الصحافي تاج السر أبو سوار بجريدة البيان ذكريات اول لقاء صحفي له مع البلابل في مطلع السبعينات: في ليلة من ليالي الأنس يكاد القمر فيها أن يكتمل بدرا، ونسمات الليل الهادي تداعب خصلات الشعر، والأعين الحالمات الناعسات تحسب اللحظات ترقبا وصبرا لما هو آت والأمواج تتهادى على صفحة الماء على نيل هاد يغازله قمر السماء في ذاك المساء ببريقه كعاشق يتوه في عيني رفيقه. والمكان المنعزل يتسربل بالأضواء في خدر وحياء والصاعدون إليه يطلون من عل يتابعون المتحركين أرضا وهم بين جيئة وذهاب يترقبون ما يحدث، ولا يدرون ماذا سيحدث.

هي ليلة لأهل المغنى وعشاق الأصوات الدافئة الآتية من وراء حجب الدهشة في همس شفيف تزيده الطلعة البهية ألقا وشحنات الإبداع تألقا.ثلاث فتيات ناعمات هادئات، يشكلن ثلاثيا غنائيا جديدا وفريدا ومتفردا ومتجددا جديدا في شكله فريدا في لونيته متفردا في إبداعه، متجددا في إيقاعاته، خالبا للقلوب، خاطفا للأبصار، مالكا للوجدان، مستعبدا للآذان.البلابل اسم أطلق على الثلاثي، وهو مطابق لصوت البلبل الصداح ومرادف لعبقه الفواح، يتغلغل بترنيمه وتطريبه في داخل الأرواح بذات النداوة التي تقطر عذوبة وحلاوة. أكبرهن هادية بهدوئها ورزانتها ورصانتها أوسطهن آمال بابتسامتها ودهشتها ثم أصغرهن حياة بحيويتها وحيائها.

مطلع السبعينات على شاشة التلفزيون القومي السوداني من قاعدته في أم درمان، كانت الإطلالة عبر برنامج غنائي قدمه المذيع اللامع متوكل كمال واختار سطوح المبنى مكانا له، حيث يقبل فم النيل الفاصل بين أحياء بيت المال وأبوروف غربا وتوتي وشمبات شرقا.وقف المذيع ليطلق مفاجآته الغنائية، وملك العود ومكتشف المواهب وعراب الفرقة بشير عباس يجلس على كرسيه وفي يده آلة العود التي يجيد العزف عليها وخلفه الفرقة الموسيقية والحضور تتملكه الدهشة ومثلث الإبداع الفني الجديد يقف في ثبات في زي زاه ومحتشم وجميل. ثم بدأت الألحان تنساب كخرير جدول رقراق يتدفق في عذوبة والأصوات تشدو بكلمات منمقة مموسقة تدغدغ حواس الشباب المتابع في لهفة.

في ذاك الوقت كنت أتلمس خطاي في دروب الكلم وعالم الصحافة الآسر مثل إطلالتهن التي أسرت القلوب والأفئدة كنت شاهد عصر فلابد من التوثيق ولن يتأتى ذلك إلا عبر حوار فكان الموعد ثم اللقاء في منزلهن العامر العابر لطريق النيل، حيث يحتل الوسط بين مبنى التلفزيون ودار الفنانين، على الشارع الممتد بين حديقتي الريفيرا والجندول وشارع الموردة الذاهب من أم درمان والقادم من الخرطوم. والدهن مرب فاضل ومعلم كبير كان في استقبالي.

ثلاثتهن جلسن يتحدثن بفرح طفولي، والصالة مكتظة بالحاضرين وأصداء الحفل تروح وتجيء وعبارات الإشادة تتسع وتكبر. ورب العائلة جلس على كرسيه الوثير وبشير عباس الأب الروحي ممسكا بعوده يدندن بلحن جديد على شاكلة (مشينا مشينا، ولون المنقة يا الشايل المنقة ورجعنالك) وغيرها وبدأ الحوار، لكن كيف انتهى؟ ذلك ما أوردته آنذاك عبر الورق.

البلابل كن ملح الأرض، وأيقونة الفرح، وبوتقة الليالي الساهرات الباهرات، في سودان السبعينات، حيث الزمن الجميل، والنغم الأصيل، لكنهن بعد سنوات تألق، هجرن الوطن، وتركن الفن وحملن عصا الترحال في فيافئ الدنيا، وأخيرا عدن بعد غربة وشوق إلى أرض الوطن، وهن أكثر تألقا وأكمل توهجا، ليسكبن عصير كلمات أغنياتهن فاستقبلهن الجمهور بلهفة، وكأنهن لم يغبن أو يتركن الساحة. وها هن يعطرنا سماء الإمارات إبداعاً بجميل النغم وعذب الكلم، أهلا بسفيرات الفن السوداني الأصيل. أهلا بالعائدات من غياهب الزمن الجميل.

روائع لن تبارح ذاكرة الفن السوداني

أما الإعلامية ومعدة البرامج بتلفزيون دبي هبة المهندس، فتقول عنهن: اسم حفر في ذاكرتي عميقا، وكتبت أغنياتهن تفاصيل قديمة في حياتي، في ليل الشجن والشوق تلك الكلمات التي تسربت الى دواخلي بحنين وشوق أقف عند هذه الأغنية لتسجل معنى الحنين الذي أعيشه دوما/ البلابل قامة فنية سامقة تحمل نوعا خاصا من الفن والرؤية التي تحاكي نفحات زمن جميل افتقدناه طويلا؛ لحن وكلمة وصوت ثلاثية؛ جسدت روائع لن تبارح ذاكرة الفن السوداني أبدا.

أنا أعشق البلابل بشكل كبير وحين غنين البلابل بعد عودتهن الى الخرطوم في أول حفل كنت هناك، وصدقا عندما سمعت أول أغنية ترقرق الدمع في عيوني، وسافرت في دواخلي قوافل من العشق والذكرى وشعرت أنني في حضرة الفن الجميل الذي عاد إلينا، وكم فرحنا بعودته كفرحة الأرض بغيث المطر الذي غاب طويلا.

كلماتي لن تعبر أبدا عن حبي للبلابل مهما بحثت في قاموس الكلمة والمعنى؛ حب الناس للبلابل على الرغم من الغياب هو استفتاء حقيقي لذوق المستمع السوداني الذي لا يزال يدرك الجمال، على الرغم من كل شيء، و أقول على الرغم من كل شيء، وأقول لحبيبات الفن السوداني املئن الدنيا جمالا، لأن الجمال ظل نهرب اليه من الزحام، وتجعلنا أقدر على تقبل قبح الأشياء من حولنا.

ثلاثية رائعة خرجت من رحم الإبداع

تقول المستشارة القانونية مشاعر الشاذلي، إن سمعت البلبل الصداح بين الياسمين، يسكب الألحان ناراً في قلوب العاشقين؛ فاذكر بلابل السودان؛ هذه الثلاثية الرائعة التي خرجت من رحم الإبداع لتنثر فينا عبير فنها الراقي، هذه الثلاثية الأنيقة التي رسمت أجمل لوحة في خارطة الغناء السوداني الاصيل وخلدت أجمل الالحان والاغنيات الرائعة عبر ثلاثة عقود من الزمان.

فالبلابل فن، إبداع، جمال، متعة وأداء مميز، ظل يلازمهن طيلة هذه الفترة، وظل معه صوتهن يحمل الشجن والجمال والتطريب نفسه نسيتني انا وخلاص يعني ما في طريق يرجعني، كيف للوجدان السوداني أن ينسى بلابله التي أشجته وأطربته طوال هذه السنوات؛ ها هي البلابل عادت لتغرد من جديد.

وتملأ الكون فرحاً، وتدوزن الوجدان السوداني بالفن الاصيل، ها هن يعدن على قطار الشوق وهن يرددن رجعنالك، وكيف نرفض رجوع القمرة لي وطن القماري ودواخلهن تعزف سيمفونية العشق للوطن الحبيب، مستحيل عن حبك اميل ايها السودان الحبيب، وفي ليل الشجن والشوق أطلت البلابل.

وهن يحملن معهن عبق الماضي الجميل ليؤكدن ان البقاء للفن الاصيل والكلمة الراقية واللحن الخالد، ولايزال الشارع السوداني يردد بكل الحب ويغني مع البلابل نور بيتنا، البنريدو تايه، متعالي علينا، في الطيف، عشة صغيرة، لون المنقه، حلاتك يازهر ريحان، البسأل مابتوه، والكثير من الاغنيات الرائعة التي أثرت الوجدان السوداني، وروح معاك عمر الهنا وها هو عمر الهناء يعود من جديد مع عودة البلابل، ويا لها من عودة انتظرناها كثيراً لتعود بنا الى مربع الغناء الراقي والأداء المميز والشجن الجميل.

بصمات غير مسبوقة في خارطة الغناء السوداني

وتقول عواطف إدريس، الكاتبة والصحفية بمجلة زهرة الخليج، في الحقيقة الحديث عن البلابل كحالة فنية، فريدة، يحتاج إلى مفردات استثنائية، وكلمات لها إيقاع تتفق وقول الشاعر الكبير نزار قباني إلى كلمات ليست كالكلمات. فمنذ إطلالتهن الأولى على الساحة الفنية في بداية السبعينات، تنبأ متذوقو الكلمة المعبرة، واللحن المميز، والأداء المبهر لهذه الحالة الفنية الخاصة أن تترك بصمات غير مسبوقة على خارطة الغناء السوداني.

وعلى الرغم من ظهور الكثير من الفنانات والمطربات بعد أن كسرت البلابل حاجز الخوف، إلا أن هذه الحالة المتفردة والمتجددة لم تتحول حتى الآن إلى ظاهرة، كما لم تتكرر مثلما لم تتكرر القامات الفنية في العالم العربي كأم كلثوم، وعبد الحليم وغيرهما، وأعتقد أن السبب في ذلك هو حضورهن المميز، وصوتهن القوي الذي لا يحتاج إلى محسنات فنية، وأداؤهن الفريد الذي قل أن يوجد له مثيل.

التحية، والإجلال،والشكر لزميلات الدراسة العزيزات هادية، آمال، وحياة، حيثما حللن، وأين ما كن لما قدمنه من فن راقٍ ومحترم أدخل البهجة في أعماق صدئة،وأرواح أتعبها الرحيل داخل الوطن وخارجه.