إيقاع

بلابل السودان عائدات من غياهب الزمن الجميل

صورة

بين (اليقظة والأحلام)، وبعد غياب عشرين عاماً من نار البعد والغربة؛ تعود ثلاثي عائلة طلسم، الأخوات هاديا وآمال وحياة (البلابل) ليغردن شوقاً لأهل والصحبة؛ فيحملهم (قطار الشوق) للزمن الجميل.

ولجمهور تذوق الكلمة واللحن الرفيع، الذي فاض سحراً وعذوبة في أصواتهن التي على الرغم من غيابها الطويل، إلا أنها ظلت تتردد أصداؤها في أرجاء السودان، لما تحمله من أشعار جذلة، والحان رقراقة استمعوا لها، ولم يشاهدوها بعد أن حجبها التلفزيون السوداني عن البث إبان ثورة الإنقاذ في أواخر الثمانينات.وعلى الرغم من ذلك لم يتغير جمهور الأمس عن جمهور اليوم الذي تأهب على مختلف شرائحه الاجتماعية وخلفياته الثقافية لاستقبال عودة البلابل بعد غياب طال، وطالت معه الأشواق لذكريات الزمن الجميل الذي مثلت فيه حناجر وأغاني البلابل كبسولة العشاق التي دأبوا على تناولها صباح مساء، حتى إن جيل اليوم من مواليد الثمانينات والتسعينات بدوا وكأنهم تربو على دندنة أغنياتهن، وذلك ما شكل مفاجأة غير متوقعة للبلابل أنفسهن، في أول حفل لهن في الخرطوم على خشبة المسرح الروماني بنادي ضباط قوات الشعب المسلحة.

حيث احتشد المسرح بآلاف المستمعين، الذين لم يجد بعضهم حرجاً من الجلوس على السلم، أو الوقوف، في إعلان شعبي صريح يبارك ويساند الأصالة والقيم المتمثلة في عودة البلابل في إطلالة بطعم الفرح والبهجة. تعود البلابل في أبهى حلة بعد أن شكلن ظاهرة فنية منفردة في خارطة الغناء السوداني الحديث، كونهن ثلاث شقيقات بدأن مشوارهن الفني، وهن في أعمار لا تتجاوز ال1315 ـ17 عاماً مطلع سبعينات القرن الماضي. كما بدأن بإنتاجهن الخاص في مسيرة جميلة من الحان الموسيقار المعروف بشير عباس، ومجموعة من الشعراء، على رأسهم صاحب الإسهام الكبير الراحل علي سلطان، واسحق الحلنقي، وعبدالباسط سبدرات، واللواء أبو قرون، وصلاح حاج سعيد، وسيف الدسوقي وآخرين؛ فكان أداؤهن الفني رائعاً وصرن رقماً من الأرقام الكبيرة فى رصيد الأغنية السودانية.

وبعودتهن يمتلئ الفراغ الذي تركنه عند اختفائهن، فلم يتغير الكثير فكما هن دائما الأكثر أناقة وجمالا وبهاء وكعادتها لاتزال هاديا تحتل موقعها في الوسط بخفتها ورشاقتها وحماسها المعهود لإشعال الأجواء على المسرح إذاناً بانطلاق تعوذية السحر لا تفك طلاسمها إلا بإلقاء المزيد والمزيد من ترياق عشرات الأغنيات الزاهيات لمجموعة من الشعراء شكلت وجدان الشعب السوداني.

ورسخت على الأقل فى أذهان الجيل الذي لم يسمع غناء البلابل إلاّ من أصوات محمود عبدالعزيز ومصطفى حمزة وفرفور من أمثال (مشينا، لون المنقة، من أجلك، رجعنالك، نور بيتنا، وطير الجنة، البريدو تائه، حلوين حلاوة، سكّتنا)، و(قطار الشوق) وهي للشاعر العطبراوي علي محجوب فتح الرحمن وألحان بابكر حسين الذّكار.

ولم يغب (الحواس الخمس) عن موعده مع البلابل لينفرد بلقاء خاص عن ذكريات الماضي ومشاريع المستقبل خلال زيارتهن الأخيرة لدولة الإمارات لإقامة مجموعة من الحفلات في كل من أبوظبي والعين والشارقة والتفاصيل في السطور التالية:

في البداية تؤكد حياة أن عودة البلابل هي استثمار لفنهم وتاريخهم الطويل من الإبداع في مجال الغناء؛ فنحن متعطشات لقاء جمهورنا المحب والمخلص الذي ظل يردد أعمالنا، ولم ينسَ ولو للحظة البلابل؛ فكانت العودة تقديراً وعرفاناً ورسالة حب مخلصة لم نلتفت خلالها كثيراً للعائد المادي لحفلاتنا داخل او خارج السودان.

وتتدخل هاديا فتقول: على عكس ما قد يعتقد الكثيرون لم يكن قرار عودتنا مفروشا بالورد او هو بمثابة نزوة لحصد شهرة الماضي؛ فنحن يكفينا اننا لانزال جزءا من كل بيت سوداني تربى على أغنيات قدمنها بمباركة العراب الموسيقار بشير عباس وكبار الملحنين والشعراء السودانيين؛ فهناك محطات مهمة تؤكد حرصنا على مواصلة مشوار البلابل، لقد تجمعنا ثلاثتنا للغناء في أسمرا وجددنا حضور البلابل هناك، وكانت تجربة متميزة.

ثم بدأنا في إنتاج ألبوم غنائي بالقاهرة في الفترة نفسها، ولكن الأمر لم يتم بسبب ظروف عدم اجتماعنا في القاهرة لإنجاز الألبوم.

وتقول هادية: لكن كانت دائماً هناك حركة ونشاط فلقد أنجزت بمفردي ألبوم كل النجوم، وأسأل الليل، ثم عادت آمال بعد عشر سنوات من الإمارات إلى أميركا.

وهناك كانت فترة خصبة لوجود عشرات الموسيقيين السودانيين الكبار، وأتيح لنا مشاركة واسعة مع هذه المجموعة من الموسيقيين والفنانين في مناسبات وطنية في كاليفورنيا وفرجينيا، ولقينا تشجيعاً كبيراً من الأصدقاء، حتى إننا فكرنا في إنشاء شركة للإنتاج الفني، لكن واجهتها صعوبات التمويل على الرغم من توفر مناخ جيد للتفكير والعمل والإنتاج بمشاركة كبار الموسيقيين هناك.

وتقول حياة: نحن نعتقد بصورة جازمة أن مشاركتنا في سنترال بارك مع الفنانين السودانيين بنيويورك عام 2007م وفي ديترديت وشيكاغو في 2008م كانت نقطة انطلاقة وبداية للتفكير في العودة إلى الوطن.

وبكثير من الأسى تعاتب هادية التلفزيون القومي السوداني الذي كان سببا في حجب حفلاتهم المصورة والاكتفاء بتقديم أغنياتهم بشكل لا يليق بمسيرتهم الفنية (صوت من غير صورة) مع خلفية زهرة أو منظر طبيعي!

وتضيف: ارجع الفضل في وجودنا المستمر للهيئة القومية للإذاعة التي ساندت مسيرتنا ولم تنقطع عن بث أغنياتنا مما أسهم في وصول أصواتنا لأبناء هذا الجيل أيضا، وهو مكان متوقع من التلفزيون السوداني، ولكن ما حدث هو العكس تماما، مما شعرنا أننا منبذون أو متهمون بارتكاب خطيئة تستوجب منع بث أغنياتنا المصورة دون سبب.

وتتدخل آمال فتقول: بعد عودتنا إلى الغناء تلقينا دعوة من التلفزيون القومي للسودان للظهور على شاشته، ولكننا رفضنا؛ فبلابل اليوم هن بلابل الأمس، لم يتغير شيء، ولكن الفضل يرد إلى أهله متمثلاً في أبناء الشعب والإذاعة.

وتضيف هادية: ليست العودة هي مجرد ترديد الأغنيات القديمة، كما نلاحظ تلك الفجوة الكبيرة والركود في الوسط الفني الذي أعاد بالجميع إلى اجترار أغنيات الحقيبة أو أغنيات الغير.. جئنا لنسهم في ردم الفجوة، ونقدم تجربة جديدة على الرغم من الصعوبات الأساسية المتمثلة في الصرف على الأفكار مالياً وغياب التمويل. نحن نشعر بأن لنا دور ومساهمة مطلوبة في العمل الفني على مستوى السودان.

وتقول حياة: نعم التمويل مشكلة، ونحن نعلم تماماً أن الفن لن يكون مصدر رزق في السودان، هذه مغامرة حقيقية. أنا أتحدث عن كل الفنانين والموسيقيين ونعلم معاناتهم، نحن لا نريد من الدولة تمويلاً، ولكن نريد اعترافها بأهمية الفن وقيمته في حياة الناس، ودورها في تقديم التسهيلات اللازمة لتمكين الفنان من الإنتاج في ظروف جيدة.

وتقول هادية: أنا لا أزال متفاجئة بالذي يحدث في مجال الغناء واجترار القديم وأغنيات الحقيبة التي في مجملها بدأت بتلك النقلة التي أحدثها الحاج محمد أحمد سرور عام 1920م عندما استغنى عن الطنابرة واعتمد على الكورس، ثم أدخل آلة الرق والمثلث وتنتهي بالنقلة للغناء الحديث بمصاحبة الفرق الموسيقية وادخال اللزمة الموسيقية التي ادخلها الفنان العبقري ابراهيم الكاشف في مطلع الاربعينات ولذلك فإنها تعرف بأغنية ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وتضيف حياة: للأسف ان الواعدين من الشباب معروض عليهم أن يدوروا في تلك المحطة، العالم يتجه دائماً إلى التجديد وتقديم تجارب جديدة، لذلك نخطط لتقديم موضوعات جديدة في الغناء؛ نصوص شعرية ومضامين جديدة وتعبير جديد يتجاوز الأطر المستهلكة، ويبقى الأهم هو اهتمامنا بالشباب الجديد؛ شباب نجوم الغد، وفيهم قدرات هائلة، وهم سوف يتفوقون على المطربين الذين يملأون الساحة الآن.

تجربة استثنائية تخطت حواجز المستحيل

طبعت أغنيات البلابل بصمات ساطعة على مسيرة الفن السوداني لن تتكرر بجاذبيتها وحضورها الأثير، حيث حجزن مقعدهن كسفيرات الأغنية السودانية بلون وفكر جدير بالتقدير والثناء فى مسيرة حافلة بالانجازات، وفي هذا السياق يقول الإعلامي بقناة mbc عبدالعظيم الأمين:

كما تطل الشمس ترسم صباح وعد جديد، جئن خريفاً ماطراً يحيل جدب الارض خضرة ووعدا، هادية وحياة وآمال ثلاثية تفجرت ابداعاً وسحراً وروعة لتتسطر بعد ذلك مسيرة فنية وتجربة ابداعية كانت انطلاقتها عام واحد وسبعين من القرن الماضي على يد جعفر فضل المولى، مدير فرقة الفنون الشعبية آنذاك.

وعند اول ظهورهن بدأت مدرسة قوامها صدح البلابل وريشة فنان يدوزن النغم بشيرا ومبشرا بالسحر الحلال وكلمات تدخل القلوب بلا استئذان، صاغتها قلوب كبيرة محبة. جادت قريحة البروفيسور الراحل علي المك بهذا الاسم الفني (البلابل) اطلقه على الشقيقات الثلاث الصغيرات الجميلات وصفا عضده الراحل المقيم الطيب صالح عندما قال ان اصواتهن كشقشقة العصافير عند الفجر.

البلابل هذه التجربة الفريدة في مسيرة الغناء السوداني، وان اختلفت الرؤى ورؤية الآخرين حولها، الا أنها استطاعت ان تجمع قلوب السودانيين حولها مناصرة ومساندة ودعما باعتبارها تجربة تخطت حواجز المستحيل وتسامت لتصل ذروتها عطاء لم ينقطع، زادته الايام عتاقة وحلاوة وطلاوة.

ومنذ ان شدون بمشينا، مشت القلوب والعقول متابعة لهذه المسيرة ورعاية لهذا الغرس ليأتي أكله بعد حين تراثاً فنياً خالداً تجاوز حدود الوطن الواسعة ليتردد صداه في دول الجوار عربية كانت أو افريقية.

الكلمة البسيطة واللحن العبقري والاداء الحلو سر نجاحهن في اقتحام عالم كان حكراً على فنانين كبار غاب فيه الصوت النسائي أو غيب لنظرة مجتمع لم يتخط تقليديته بعد، الا ان صدق التجربة ونجاحها كانا كفيلين بمناصرتها وتعضيد مسيرتها؛ فكان بشير عباس الاب الروحي لقصة نجاح استثنائية سافرن معه عبر ألحان تتقطر عذوبة وحلاوة شدون بها كما لم يعرف السودانيون قبلهن شدو البلابل. وكان الحلنقي سخيا بكلمات ترسم الدهشة في زمن اضحى زمنهن، وكذا سبدرات والحسين الحسن والتجاني حاج موسى ومن جادوا بروائع خالدات.

انقطعت حبال الوصل حينا من الدهر، وكأنما السودان نفسه فقد حيويته، وأخلد إلى الكآبة والركود كما قال الراحل الطيب صالح، الا ان عودتهن اخيرا الى احضان هذه الامة الودودة فجرت ثانية شلالات فرح غامر، حيث أعدن زمنا جميلا سرقته سنون عجاف، وكأني بهذه الجموع تردد رجعنالك، وكيف نرفض رجوع القمرة إلى وطن القماري.

دبي - رشا عبدالمنعم

تعليقات

تعليقات