في كل زمن ثمة من يتحدث عن زمن مضى على أنه كان «الزمن الجميل».. ربما حفظت الأغاني جزءاً من ذاكرة ذلك الزمن وقبلها أخذت الحكايا دور الأمين على تلك الذكريات، وكذلك فعلت كتب التاريخ، ولكن جميعها كانوا يقومون بتقييم تصور عن الزمن الجميل الذي مضى، يبنيه الخيال على شاكلة صورة.. وحدها الأشياء القديمة التي استطاعت أن تحفظ الزمن الجميل في أجسادها، ووحدها من كانت قادرة على جعل أبناء هذا الزمن يتلمسون بأيديهم الزمن الجميل الذي مضى، ومن هنا بدأ جمع القطع القديمة والاتجار بها يتحول إلى مهنة تلاقي رواجا في سوريا، وقد حولتها الأيام من مجرد عشق عند البعض لجمع القطع القديمة إلى تجارة مهمة سرعان ما راحت تستقطب السياح الأجانب والأثريين حتى ازدهرت وتوسعت وتحولت مخازن بيعها إلى متاحف انتشرت في شوارع دمشق وحولتها إلى متاحف دائمة.

بدأت مهنة الانتيكا بدمشق عن طريق بعض التجار الذين كانوا يبادلون القطع القديمة كالأواني النحاسية القديمة بأخرى جديدة مصنوعة من الستالس ستيل والقيشاني القديم بالزجاج المصنع والمزركش والأباريق النحاسية القديمة بأخرى جديدة مصنوعة من الالمينوم، حيث كان التاجر يجول في الشوارع والحارات، يحمل على كتفه كيساً ينادي عمن عنده أشياء مستعملة ليبادلها بالرخيص الحديث ويأخذ القديم النفيس منها بأرخص الأسعار ليبيعها في خارج سوريا بأرقام أحيانا تكون خيالية لقيمتها التاريخية والأثرية وأحيانا لندرتها ودقة صناعتها. عند سوق ساروجة بدمشق، في محل ضاق ببضاعته القديمة المتراكمة حتى بدا بالكاد يتسع لموطئ قدم لرجل واحد (الحواس الخمس) التقى عصام الكاتب، خريج معهد الفنون سنة (1982)، عمل بالرسم على الزجاج وشارك في الكثير من المعارض ولكن «مردود الفن كان ضعيفاً ولا وجود لكثير من المهتمين به»، كما يقول الكاتب، الأمر الذي دفعه إلى السفر إلى خارج سوريا، عاد بعدها ليبدأ العمل «على الدقة والنقرة كما يقولون»، ولكنه لم يلبث أن اهتدى إلى سبيل رزق جديد حين اهتم بمجال آخر هو بيع القطع القديمة (الانتيكا).

وقد ساعده في النجاح بمهنته الجديدة اهتمامه بصناعة الميكانيك للآلات القديمة كالساعات النادرة القديمة، فضلاً عن المهنة بحد ذاتها ترتبط بعشق قديم لكل ما هو فريد وعتيق، وهو عشق ولد وكبر منذ صغره عندما عمل في محلات أنتيكا مشابهة لمحله اليوم. ويقول الكاتب كثيرة هي القطع القديمة التي كانت تستهويه، ومنذ ذلك الوقت كان يدأب على شراء القطع الميكانيكية ويقوم بإصلاحها والاحتفاظ بها أو بيعها. وبكل الأحوال يؤكد عصام أن «مهنتي هواية أكثر من كونها تجارة». ويؤكد عصام أن هناك أشياء كثيرة قديمة يقدرون قيمتها في الخارج، بينما ينظرون إليها في دمشق بوصفها كانت أدوات تستعمل في الحياة اليومية، وهي موجودة في كل بيت؛ الغني منهم أو الفقير، ولكنها مع الزمن بدأت تقل وتندر فبدأ جمعها يتحول إلى مهنة، ولهذه المهنة هواة يجمعونها ويبادلونها بين بعضهم البعض.

ومن ثم فتحت محلات تجارية في دمشق خصيصاً لهذه البضاعة تروج لدمشق وتستقطب السياح الأجانب الذين باتوا يقصدون تلك المحلات ليشتروا التحف والقطع القديمة». لافتاً إلى أن «سوقنا يعتمد على هؤلاء الأجانب، وهم يأتون عن وعي ودراسة وبحث؛ فمثلا يرون ساعة قديمة أو سيفا فيه علامات معينة أو ميزان قديم فيصورون القطعة، ويأخذون رقمها ويذهبون يبحثون عبر الانترنت ليتأكدوا من تاريخها وقيمتها التاريخية ويعودوا بعدئذ لشرائها على بينة كاملة بقيمتها، وأحيانا يراسلون الشركة التي صنعتها إذا كانت موجودة حتى الآن، وهم أيضاً يخبرون أصدقاءهم الذين يأتون بدورهم للبحث عن قطع نادرة أخرى». ويعترف عصام بأنني «لا أثمن القطعة ولكني ادفع ثمن لها، لان الهاوي يغالي بالقطعة التي تستهويه، وهنا لا استطيع التثمين ولكني أعرض سعراً؛ فان أعجب صاحب القطعة اشتريها منه، وفي الغالب أحرص على ألا أبخس القطعة حقها ولكن في النهاية المسألة عرض وطلب، وأنا لا أعطيه السعر الحقيقي لكني أعطي ما أرغب في دفعه؛ فأنا أيضاً لا علم لي بالسعر الحقيقي»، ويشير عصام إلى أن «الجيل الجديد لا يكترث كثيراً للأشياء القديمة ويحاول التخلص منها بأسرع وأرخص الأسعار وخصوصاً الغرباء أو القرويين الذين لا يعرفون قيمة أشيائهم الحقيقية فيحاولون التخلص منها ويأتون بها إلينا لنشتريها منهم».

حديث عصام عن قيمة الأشياء القديمة لا يعني أنه بلغ من الخبرة المقدار الكافي الذي يجعله يعرف قيمة كل ما يعرض عليه، فكثيراً ما تأتينا قطعاً نحن نفرط فيها، ولا نعرف قيمتها، فذات مرة بعت مجموعة خرائط عثمانية مرسومة بخط اليد بأربع آلاف ليرة سورية فقط، وبالمصادفة التقيت احد الشارين الجدد الذي اشترى الخريطة الواحدة بسبعين ألفا، ومرة بعت سيفا غريبا حصلت عليه مع خرائط قديمة، بعته بـ (18) ألفا، وعرفت أن من اشتراه مني باعه بأكثر من مليون ليرة سورية».

ندم

من الأشياء التي يقتنيها عصام وسبق أن باع منها أو يعرضها اليوم للبيع آلات موسيقية متنوعة بينها أعواد قديمة قال إن الفنان الكويتي عبدالله الرويشد اشترى واحداً منها، مضيفاً «اشتريت مرة سيفاً غريباً فريداً من نوعه لشخص ظهرت صورته مع صورة الرئيس فخري البارود وكان مع السيف وثائق للمالك تعود إلى أكثر من مئة سنة وبعد بيعه ندمت».

حسرة

يقول عصام بشيء من الحسرة: «اغار على كل قطعة تذهب، وأعرف أن قيمتها التاريخية أكبر من المال، وكثيراً ما حصلت على قطع تمنيت لو تحفظ بمتحف سوري ولا تذهب إلى مكان مجهول..»، مشيراً إلى أن «البائعين وتجار الانتيكا لا يعرفون أحياناً بدقة ما لديهم أو ما يشترون، فهم يشترون أي شيء قديم، ولهذا يجب أن يكون هناك تعاون بين الآثار وبائعي الانتيكا حفاظاً على الآثار وحفظ حقوق المالك».

تجارب

يلفت عصام إلى أن هناك تجارب تعاون بين الآثار وبائعي الانتيكا، وفي هذا السياق يقول: في خارج سوريا تؤخذ القطعة للمختصين ويفحصون القطعة ويوثقون تاريخها وعمرها ويعطونك شهادة توثق القطع ويأخذون أجرة مقابل العمل الذي قدموه لك، وبذلك تكون لديك وثيقة تسافر مع القطعة وتحفظ قيمتها التاريخية.

دمشق ـ ماهر منصور