من بين ركام التكنولوجيا، لا تزال قيمة الصقر تبض بالحياة، لما له من قيمة معنوية تعكس تاريخا مضى، إضافة إلى أن الولع بالصقور أصبح مصدر إلهام الشعراء والرسامين والفنانين، من هذا المنطلق وغيره، يعرض نادي تراث الإمارات في قريته التراثية على كاسر الأمواج في أبوظبي صقورا، وتكرس قيمته أيضا من خلال معرض الصيد والفروسية الذي تنظمه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث سنويا، والذي يحظى برعاية وزيارة شيوخ الإمارات.

الصقر بأنواعه يجذب المولعين به لعل أهم هذه الأنواع «الحر، والشاهين» وبعيدا عن قدراته في الصيد، و طريقته في الطيران التي تقتحم السماء وهو يفرد جناحيه بثقة أزلية، يشكل الصقر مادة رئيسية في لوحات الفنانين المحليين منهم الفنان محمد الأستاد الذي رسم الصقر بأكثر من وضعيه، ولم يقتصر بأن يكون مادة فنية على الإماراتيين بل رسمه العديد من فناني العالم على مر العصور. وما يحمله اسم الصقر من دلالات تبدو معنوية جعل الكثيرين يطلقون اسمه على منشآت مختلفة العمل، مثل أندية رياضية، وأسماء لفرق فنية تكون في الغالب فولكلورية، أو شركات تجارية متعددة النشاطات، أو مدارس، ويتبادل الشباب في الإمارات الرسائل الهاتفية التي تحمل صورا لرحلات القنص، وهو تصرف يدل على انتشار ثقافة معينة تناقلتها الأجيال.

«رياضة الملوك» إنها إحدى التعريفات التي توصف بها الصقارة التي عرفت لدى الكثير من الشعوب والأمم منذ القدم، ويذكر منها في حضارة وادي الرافدين أن ملحمة «جلجامش» قد نقلت نصوصا عن الصيد بالطيور، وعبرت المنحوتات الآشورية عن اهتمامهم بالصقور، وكذلك الأمر عند البابليين، وحضارة وادي النيل التي تركت عبر معابدها صورا للصقور تدل على أهميته عندهم. وهذه الرياضة عرفت في مناطق مختلفة من العالم، مثل الصين، وكوريا، واليابان، وفي بلاد الروم، ويعد الملك الروماني فريدريك الثاني من أبرع صيادي الصقور. الصيد وقصصه، والصقور التي لا تدري ما يقال ويكتب عنها رحلة مثيرة تبدأ منذ لحظات حياته الأولى عندما يكون فرخا كسر قشور بيضته، وخرج إلى العالم في أواخر الصيف وتنتهي بعد سنتين أو عشر سنوات، وهو العمر الافتراضي للصقر، الذي ربما يقدر له أن يعيش مع صاحبه حيث الرحلات المثيرة، والشاقة، لكنها تعبر كما يصفها الصقارين عن متعة لا توجد في حياتهم اليومية.

اهتمام بالصقارة ... من أهم الكتب التي اهتمت بالصقر وما يمثله عند العرب كتاب «رياضة الصيد بالصقور» الذي ألفه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويعد من أهم المراجع العربيّة التي تتحدث عن رياضة الصيد بالصقور وهي رياضة مارسها العرب منذ القدم، وصدر الكتاب بطبعته الأولى في العام 1976 عن وزارة الإعلام والثقافة، وهو ما يظهر ولع الشيخ زايد بالصقور بعد أن قام بالكثير من رحلات «المقناص». ويتضمن الفصل الأوّل من الكتاب سيرة ذاتية عن بداية التعلق بهذه الرياضة ثم سرداً تاريخياً لها، ويؤكد المؤلف أنّ أوّل من صاد بالصقر ودرّبه «الحارث بن معاوية بن ثور بن كندة».

حيث وقف ذات يوم عند صيّاد ينصب شباكه لصيد العصافير فشاهد أحد الصقور وهو ينقض على عصفور تعلّق بالشباك وأخذ يلتهمه ولكن جناحي الصقر ما لبث أن تعلّق بالشباك وهنا أمر الحارث بأن يأتوا له بالصقر فأخذه ووضعه في بيته وخصّص له من يطعمه ويعلّمه الصيد، وذات مرة رأى الصقر حمامة فطار إليها ونالها ثم التهمها فأمر الحارث عند ذلك بتدريبه وتهذيبه والصيد به ومنذ تلك الواقعة عرف العرب بالصقر وانتشر بين الناس.