الدكتور صلاح عطية.. كان طفلاً صغيراً يلعب بالصلصال حتى يكبر، وكبرت معه هوايته وأصبحت كل عالمه، فأنجز تماثيل وتحفا فنية تبهر مَنْ يراها من دون أن يعلّمه أحد فن النحت، حتى أصبح نحاتا موهوبا وفنانا يعشق الإبداع، فحظي بمكانة متفردة بين النحاتين لكنه زاد عليهم بصقل موهبته بالدراسة عندما رأى أن محاولات الهواة الذين أنجزوا نماذج محدودة من التماثيل كانت متواضعة، فالتحق بكلية الفنون التطبيقية وعُيّن معيدا ليحصل على الماجستير في الفنون التطبيقية ثم الدكتوراه في فلسفتها ويتدرج في المناصب حتى أصبح رئيسا لقسم النحت والتشكيل المعماري والترميم. التقيناه وحاورناه في أسرار هوايته وسر تميّزه في التعامل مع مختلف مواد النحت بداية من الجرانيت القاسي إلى الحجر الجيري، وسألناه عن أسباب وضع نفسه في تحدٍ مع عظماء عصر النهضة على الضفة الأخرى من المتوسط وكان الحوار..
اللعب بالصلصال... يقول هاوي النحت: لا أدّعي أن طفولتي كانت مميزة عن غيري ممن كانوا في سني، فكنت كثير الحركة أحب اللعب وأكره المدرسة وأعشق الحرية والانطلاق.. ومنذ طفولتي كانت تستوقفني التماثيل المصنوعة من الزجاج أو البلاستيك أو المعدن، وحتى التي كانت موجودة في البيوت للزينة، وكنت دائما أنظر إلى تلك الأشكال الفنية بانبهار أولاً ثم بعين الناقد ثانيا، محاولاً استكشاف الصورة الفنية الأجمل. ويستطرد قائلا: بدأت اللعب بالصلصال الذي كنت أشتريه من المكتبات وأقوم بنحته وتسويته، بعدها انتقلت إلى مرحلة تقنية أخرى من خلال محاولات رسم الصور التي كانت موجودة في كتب المدرسة وتشكيلها على الصلصال.. وكانت تستوقفني الصور والتماثيل الموجودة في الحدائق والأماكن العامة، وبعدها بدأت أنتقل إلى الحجارة فبدأت أتحسس خشونة الأحجار حتى صارت هناك صداقة بيني وبين معظم الأحجار.
التعبير والتشكيل... كانت دائما تراود هاوي النحت أحلام الشهرة والأضواء فيعود مسرعا إلى الصلصال مرة أخرى لما يمتاز به من ليونة وسهولة تشكيل تعطي الفنان في نفس الوقت إمكانية التعبير وإعادة التشكيل في كل لحظة حتى الوصول إلى نقطة اللارجوع، وهي اللحظة التي كان النحات المصري يقرر وقتها أن العمل اكتمل وحان الوقت لأن يتطهر من أي خطأ فيقوم بوضعه في الفرن ليأخذ شكلاً أراده له. يتذكر هاوي النحت أول أعماله فيقول: لقد نفذت وأنا طالب بالصف السادس الابتدائي أعمالاً فنية بسيطة مثل علي بابا والأربعين حرامي، وبعدها بدأت أتابع كل ما يُكتب عن النحت والمعارض والتماثيل. يضيف: عندما وصلت إلى المرحلة الثانوية كانت الهواية قد اكتملت بداخلي فبدأت أضاعف أعمالي، واشتركت لأول مرة في حياتي في معارض رسمية بمصر، منها معرض نادي الكهرباء ومعرض مسرح الجمهورية في النحت والتصوير، بعد أن شاركت في العديد من المعارض المدرسية البسيطة مع أصحاب المواهب. وهنا وجدت أن الموهبة وحدها لا تكفي لأن أكون نحاتا كبيرا فقررت أن أصقل الموهبة بالدراسة حتى أصبح من كبار النحاتين الذين ربطوا العلم بالهواية، فالتحقت بكلية الفنون التطبيقية رغم مجموعي الذي كان يؤهلني لكليات القمة، إلا أنني فضلت أن أكون من القلائل الذين ربطوا بين العلم والعمل.
الشكل المنحوت... مع بداية دراسته في الكلية وجد هاوي النحت عالما آخر من العلوم الخاصة بفن النحت فقرأ واطلع على مناهج الفرق الأربعة، ولم يترك مجلدا في مكتبة الكلية أو نموذجا إلا اطلع عليه، ووجد أن النحت من أقدر الوسائل على نقل الحس الفني بواقعية الشكل المنحوت، فضلاً عن أنه من الفنون التي تنمي حاسة التذوق الفني والثقافي، فمن خلاله يمكن أن نتعرف على المستوى الثقافي والاجتماعي والتاريخي للشعوب، ويمكن أيضا من خلاله التعرف على مستوى تقدم أو تخلف الأمم. أدرك عطية أن فن النحت يختلف في أسلوبه عن باقي الفنون فهو لا يتعامل مع الأشكال المسطحة مثل فن التصوير وإنما يتضمن أشكالاً مجسمة ذات أبعاد ثلاثة، كما أدرك أن النحت يختلف عن باقي الفنون في الجودة والغرض الوظيفي، حيث يستخدم كطابع تصويري كما في المساجد والقصور والبنوك أو كطابع تذكاري، كما في تماثيل الرؤساء والزعماء، كما كان يستخدم قديما لتدوين الموضوعات اليومية والتقاليد المتعارف عليها مثل ما دُوِّن على جدران المعابد الفرعونية والإغريقية والرومانية.
خامات النحت
مع بداية مسيرته الجامعية وجد د. صلاح عطية أن النحت لم يقتصر على المواد المعروفة للإنسان كالحجارة والصلصال وغيرهما، لكنه وجد أن هناك البرونز والمعادن الأخرى كالنحاس الأخضر والأحمر الذي استُخدم قديما بعملية الطرق، ولكن في العصر الحديث تم استخدامه في أعمال كثيرة لما يتميز به من لمعان وبريق مميز علاوة على مقاومته للتآكل عند تعرضه للجو حتى إن لم يحفظ بطريقة جيدة.
ووجد هاوي النحت أن الحديد يستخدم أيضا بعد طرقه بجهاز معين للحصول على أشكال لها طابع خيالي، بالإضافة إلى الألمنيوم الذي يمتاز بجمال لونه وقوته، وهو من الخامات القديمة في عصور ما قبل التاريخ والحضارات بأنواعها.
وفيما يؤكد عطية أن المتعة الفنية التي تتصل بأعمال النحت لا تأتي من خلال المشاهدة فقط وإنما عن طريق الملمس والحركة المجسمة أيضاً، يقول إن النحت نوعان أولهما المستقل الذي يتم خلاله رؤية التمثال من جميع النواحي والآخر النحت البارز.
أما عن أهم خامات النحت فتتنوع بين «التيراكوتا»، وهي من أقدم الخامات المستخدمة في النحت في عصور ما قبل التاريخ، و«البرونز» وكان يتم استخدامه بعد استخدام الطين لفترة طويلة من الزمن، وهناك «النحاس الأصفر»، و«النحاس الأحمر»، و«الحديد» و«الصلب»، و«الألمنيوم»، و«الحجارة»، و«الخشب».
لفظ الجلالة
وعن أبرز الأعمال الفنية التي قدمها في مشواره الحقيقي مع النحت بعد انتهائه من الدراسة الجامعية يقول: لقد أنعم الله عليّ بالكثير من الأعمال، وأغلبها يتم عرضه في المعارض الدولية أو المحلية ومنها «عبر التاريخ» أو من الماضي واستخدمت فيها الجرانيت بطريقة النحت البارز والغائر و«لفظ الجلالة» واستخدمت فيه البوليستر المذهب والمؤكسد الأخضر بطريقة النحت البارز والغائر مع الاهتمام بجماليات الخطوط المخفية والطولية والمستقيمة واستغلال السطوح المقعرة والمحدبة في تركيب شكل مستوحى من أسلوب التوريق المتصل بالخط العربي الإسلامي.
كما قام النحات المصري بتنفيذ شكل توت عنخ آمون بأبعاد 60,3سم، مستخدما مادة البوليستر المذهب المؤكسد باللون الذهبي عن طريق النحت البارز والغائر والمبطن بورق الذهب، كما قام بتنفيذ لوحه شعبية باستخدام البوليستر الملون بالأسود وورق الذهب المركز بأسلوب النحت البارز بأشكال العين والكف والعروسة الورقية.
لوحة «مصر الإسلامية»
لاقت أعمال النحات صلاح عطية نجاحات خاصة في المعارض، وكان في مقدمتها لوحة «مصر الإسلامية»، التي استخدم فيها البوليستر المدعم بالألياف الزجاجية والمؤكسدة المطلية بورق الذهب، وكان أسلوب التشكيل عبارة عن نحت بارز يمثل مصر الإسلامية القديمة بقاعة متعددة الأغراض، وهي موضوعة حاليا ببنك فيصل الإسلامي الرئيسي.
نصب تذكاري
أما عن أعماله الموجودة في الأماكن العامة والتي تحمل اسمه وتوقيعه فله لوحة نحت بارزة بكلية الفنون التطبيقية، ولوحة نحت بارزة بفندق هيلتون شرم الشيخ، وأخرى بارزة بصالة الاستقبال بفندق كونراد انترناسيونال بشرم الشيخ، ونموذج لحجر رشيد بمدخل مبنى مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري، والنصب التذكاري الخاص بجمعية الصداقة المصرية الكويتية، بالإضافة إلى جميع لوحات النحت الموجودة بمستشفيات اليوم الواحد بالقاهرة والصحة النفسية بالخانكة والعباسية وتنفيذ اللوحتين الجداريتين لمدخلي فندق أركاديا بكورنيش النيل، علاوة على عشرات الأعمال الأخرى بمجلس الشعب، وسنترال الدقي ومدينتي وشارع الهرم ومستشفى طب المناطق المجاورة.
ورغم اهتمامه بتنفيذ الأعمال بيديه فإن الدكتور صلاح الدين عطية لم يتوقف به قطار البحث عند الشهرة والمركز العلمي فقد واصل أبحاثه التي أبهرت العالم بأكمله، ومنها تطوير المنتجات الأسمنتية المرتبطة بأعمال التجميل في مصر وبحث المقومات الأساسية لتصميم اللوحات المنفذة من الكتابات العربية من النحت البارز بأسلوب الإنتاج الكمي، والنحت التطبيقي وأثره في تصميم وحدة انزلاق خاصة بالعمل، بالإضافة إلى بحث أسلوب الشبكة في التصميم والاستفادة منه في تنفيذ الأعمال الكبيرة من النحت البارز.



