كثيرة هي المفارقات في الوسط الفني المصري.. تقاليع وموضات وأحيانا الكثير من البدع. الكل يغنى ويمثل ويرقص، وعلى الرغم من الظواهر الكثيرة التي أصبحت تثير الجدل، فهناك ظاهرة ليست بجديدة، حيث تظهر وتختفي حسب الطلب، ولكن يبدو أنها تتجه نحو التصاعد في الأيام المقبلة، وهي اتجاه الفنانين المصريين والعرب للغناء الخليجي.
وعلى الرغم من أن لكل بلد ثقافته يعبر عنها المطرب من خلال كلمات وألحان وأداء لتوصيل رسالة أو إيضاح تراث وثقافة شعبه، إلا أن هناك اتفاقا بين الكثيرين بأن ذلك ليس عيبا، وأنه لا مانع أن يخوض المطرب تجربة الغناء بلهجة أخرى. ولكن عندما يصبح الأمر موضة أو كأنه التزام من المطرب ليتفرغ أو يعطي جل وقته لتقديم فنون وثقافة الآخرين مهما كانت العلاقة تبقى علامات الاستفهام أكبر، وعندما يصبح الأمر مرتبطا بالربح السريع بصرف النظر عن دور المطرب تجاه ثقافته يحتاج الأمر إلى وقفة طويلة وعميقة.
اللافت للنظر أن المطربين المصريين الذين قدموا أغنيات خليجية ويستعدون لألبومات أخرى كثيرون وكبار، بينهم المطربة أنغام التي قدمت على مدار مشوارها عددا كبيرا من الأغاني باللهجة الخليجية من بينها (قلبا تلوعه)، (أنت محبوبي)، وغادة رجب التي قدمت أغنية في أحد ألبوماتها السابقة الذي جاء تحت عنوان «أفلام البنات» وهي أغنية «أبعد عني». وينضم للقائمة خالد سليم بأغنية «قالت أحبك» ولطيفة التي غنت أيضا باللهجة الخليجية، أما المطربات والمطربون اللبنانيون فحدث ولا حرج، فقد أقبلوا على الأغنيات الخليجية بشكل كبير، بل يعتقد البعض أنهم كانوا المحرضين للمطرب المصري على الاتجاه للأغنية الخليجية.
الفن المجانيلكن المطربة أنغام دافعت مرارا عن هذا التوجه باعتبارها محترفة للغناء، وأكدت أنها أول من قدمت الأغنية الخليجية، موضحة أن ما يتردد عن إقدام المطربين المصريين على تقديم الأغاني الخليجية بحثا عن المال أمر غريب؛ لأن الغناء عملي وهوايتي وليس غريبا أن أكسب من عملي، فأنا لا أقدم فني مجانا، ولذلك دائما أصرح بقيمة العائد المادي بلا حرج.
وأوضحت أنغام أن البعض يعتقد أننا عندما نقدم ألبوما خليجيا نتقاضى أضعاف ما نتقاضاه في ألبوماتنا المصرية.
وفي حقيقة الأمر نحن نتقاضى أقل لأن المطرب الخليجي يوزع فقط في الدول الخليجية، مشيرة إلى أنها تحترم كل الفنون وتعتز بالفن المصري عامة وتغني لمصر ومن أجل شعب مصر.
اختلاف اللهجات
على وجهة النظر السابقة نفسها قالت المطربة ميريام فارس: مشاركاتي العديدة في دول الخليج جعلهم يطلبون مني أغنيات خليجية، وبما أنني لدي جمهور كبير هناك فقدمت أغنية خليجية خاصة بي وهي «مكانه وين» وكذلك قدمت أغنيات للفنان محمد عبده، وقالت: لا أريَ أي مبرر لهذا الهجوم على المطربين الذين قدموا أغنيات خليجية، موضحة أنه على الرغم من اختلاف اللهجات، إلا أنها مفهومة للعرب جميعا، ويمكن أن تخاطبهم من خلالها.
وحول المكسب المادي أكدت أنه لم يكن يوما هدفا أساسيا من هذه التجارب أو تقديم أغنيات باللهجة الخليجية، مشيرة إلى أن مطربين مصريين سبق أن قدموا أغنيات لبنانية.
وكذلك السوريون واللبنانيون قدموا أغنيات مصرية وجميعها لم تكن المادة هدفهم الأول، ولكن ربط بينهم الحب والتواصل، ولذلك أنا أستعد الآن لتقديم أغنيات خليجية أخرى، وسأغني «بالمصري واللبناني» أيضا؛ لأنني أحب كل هذه البلاد خصوصا مصر التي تحتضننا بحب كبير.
محك جديد
بدورها أكدت مي كساب أن الأغنية الخليجية جميلة ورائعة، وعندما قدمتها كنت أسعى إلى دخول تجربة جديدة ومحك جديد وشعرت بتجاوب كبير معها من الجمهورين الخليجي والمصري، مشيرة إلى أن هذا لم يكن تحولاً عن تقديم الأغنية المصرية التي نعشقها لأنها تعبر عنا وعن واقعنا.
مي طلبت من النقاد والمهتمين ألا يعطوا هذا الأمر أكثر مما يحتمل، خصوصا أن العالم أصبح مفتوحا، ونفت تماما أن يكون غناء بعض المطربين أغنيات خليجية يعني أن هذا يرتبط بالعامل المادي، وقالت: ربما يكون هذا فهم البعض، ولكن ليس كل الذين قدموا هذه التجارب.
خانة التوحد والتواصل
الرأي نفسه تبناه المطرب خالد سليم رافضا تصنيف المطربين المصريين الذين قدموا أغنيات خليجية على أنهم يسعون إلى المادة، مشيرا إلى أنه شخصيا قدم أغنية خليجية «قالت أحبك»، وكانت تجربة مفيدة بالنسبة له، وقال: أتمنى أن أغني بلهجات دول عربية أخرى لأنها تصب في خانة التوحد والتواصل وليس أكثر من ذلك، واختتم حديثه بأنه مطرب مصري قدم وسيقدم أعماله المصرية من دون توقف، ولن تكون أي تجربة أخرى له على حساب الأغنية المصرية.
أما المطربة السورية أصالة فأكدت في حوار صحافي أجريناه معها في وقت سابق أنها كانت تسعى إلى الوصول إلى الجمهور الخليجي، الذي يتميز بإحساس كبير، وقدمت التجربة من خلال اللهجة الخليجية المتميزة، نافية تماما أن يكون الأمر مرتبطا في المقام الأول بالمال؛ لأن الفنان عندما يصل إلى أي جمهور جديد يكون قد حقق مكسبا كبيرا.
وأشارت إلى أن التحدث عن أجر العمل الذي تقدمه أمر منطقي، ولا يعني أنني قدمت الأغنيات الخليجية من أجل المال، وأكدت أنها عندما قدمت الغناء باللهجة المصرية غنت في مصر بأجر كامل، وفي لبنان تنال أجر حفلاتها، ولذلك لا يمكن أن نعتبر الغناء الخليجي وحده الذي يحقق مكاسب للفنان خصوصا أن في الخليج جمهورا كبيرا للأغنية، وهذا في ذاته يحقق لي جماهيرية عربية إضافية.
ثقافة مختلفة
إلى هنا يؤكد الفنان هاني شاكر أن غناء أي مطرب عربي لأغنيات من دولة عربية أخرى ليس مشكلة، ولكن يصبح مشكلة، عندما تصبح هذه التجارب وهذه المجاملات وسيلة لجمع المال واستغلال اسم فنان كبير له اسمه لتقديم أغنية خليجية أو أغنيات خليجية من أجل كسب مادي للشركات أو المطرب الذي له ثقافته وفنه وتراثه الخاص به وبوطنه.
وتابع قائلا: عبدالحليم حافظ قدم أغنيات غير مصرية، لكن هذا الوضع فرضته طبيعة المرحلة السياسية وقتها، وكان المقصود مخاطبة وجدان الشعوب العربية بخطاب يعبر عن ضرورة التوحد، أو كما كان يسمى وقتها «الوحدة العربية» دعما للمشروع الناصري وليس من أجل مكاسب مادية بل من أجل التركيز على شعارات قومية وحدوية كانت تمثل ضرورة في ذلك الوقت.


