هذه الطفلة التي تدوّر الألوان حولها، تفتح نافذة صغيرة على الحلم. تلج من عصاها الصغيرة المشعة الى حكايات بلاد العجائب وأساطير الصغار الذين يلتقطون الورود من على سطح القمر. هذا الشاب الذي لا يزال يطيّر كرته، في المساحة الصغيرة الخضراء، في أقصى الممشى، لا يلحظ غياب الشمس، التي غمرت مرايا مباني الضفة الأخرى من الخور بأحمر قان يخالطه برتقال النار المتوهج، قبل الانطفاء.
الشمس الى غيابها، وثمة قمر يعلن عن حضوره، مناجيا شجرته الأثيرة. نخلة باسقة عملاقة. الكرة تصطدم بالجذع. الشاب يركض لالتقاطها قبل مداهمة البحر. (يا الله، انها ليست نخلة حقيقية. انظر الى الأسلاك الكهربائية التي تخرج منها الى تلك الحجرة الاسمنتية الضيقة. لعل فيها محولات الكهرباء. لعل النخلة تخفي أسلاكا في داخلها)، يقول لرفاقه، فيما يتحلقون جميعا حول الشجرة، كاسرين أعناقهم الى الخلف: (لكنها رائعة، والقمر أجمل). قمر للنخلة، وحلم للطفلة، ومرآة للشمس. هذا شارع (السيف)، في منطقة برد دبي، خلف البستكية العريقة. شارع الفرح. أعيش هنا منذ 5 سنوات. في الشارع الموازي المطل على السفارة البريطانية. أحب السيف. هذا شارع بوسعه أن يفتح ذراعيه للجميع. ترى العامل هنا وترى السفير.
السائح من قرية صغيرة في أقاصي شمال الصين، وآخر من مدينة صاخبة، من شيكاغو أو نيويورك. ترى المؤمن يحث الخطى في الفجر الى الجامع القريب، يسبّح ويشكر الله على النعمة. وترى مؤمنا آخر، تأخذه قدماه الى المعبد القريب.
يرتل ويدعو أيضا على طريقته، يقول طليع عبد الله، اللبناني الذي يسكن مع عائلته على بعد أمتار من الممشى. ولرنا، تلك التي تأتي من قرية صافيتا السورية، قصة أخرى مع (السيف): أسميه الشارع الذي يركض. كلما هبت النسائم، عاد الراكضون اليه. هناك، قرب المكان الذي ترسو فيه (باتو دبي)، اقف وأتأملهم، اراقب حركة الركض والهرولة، مع مرور الأيام اكتشفت أن لكل جنس وجنسية طريقة مختلفة في الركض، تقول، هي المتخصصة بعلم (الاثنولوجيا)،.
وتضيف: الراكضون على السيف، يختزلون ثقافات متعددة، بوسعك أن تراقب وتتعرف إلى الاختلاف: هذا يركض كأنه يمارس اليوغا، نظرته تحلق بعيدا مع النوارس، وذاك مهموم بتأمل الأرض، نظرته منكسرة، قد يكون وجلا أو خجلا، أو ربما يخفي دمعا في عينيه. هذه المرأة تحتضن صدرها وتركض، كأم حنون تلوذ فرارا بأبنائها من الخطر.
( السيف.. ماذا أقول عنه؟ كيف أصفه؟ ربما الشارع الذي يرقص؟)، يقول ستيفان ألكس، الذي يعمل في شركة لتنظيم الفعاليات، ويقطن في شارع المصارف (خالد بن الوليد). يضيف: هذا الشارع عرفني إلى ثقافات المنطقة. شاهدت هنا عروضات موسيقية لفرق شعبية من مصر وسوريا ولبنان واليمن. أيضا فرق السيرك المتجولة التي تأتي من أوروبا الشرقية وروسيا.
هنا، أصابني الخوف وأنا أنظر الى تلك الرغوة البيضاء التي تغرق الشارع، وتخرج من بطن سفينة، تركبها كائنات غرائبية. كان ذلك عرضا من عروضات احدى دورات مهرجان التسوق. رقصت الدبكة عند تلك النقطة، تحت الخيمة الكبيرة، مع فرقة رقص من لبنان، وتنططت مع فرقة افريقية، يضحك محاولا لفظ كلمة (دبكة) بشكل ملائم، فإذا بها تخرج منه (دبشة).
تكثر الحكايات. الناس لديهم الكلمات. القدرة عن التعبير عن الفرح. بهجة العلاقة مع المكان. الفرحة بهذا الشارع الذي صنع غلافا جويا من ضحات مرتاديه، وطاقتهم الايجابية. هنا يبوحون بأسرارهم للموج، ينقرون على خشب القوارب الراسية حروفا من أسماء أحبائهم، ورموزا من قاموس الحياة المبهم. يصالحون طفلا تذمر من أجل لعبة، فيشترون له السكر الزهري أو يركبونه عجلة دوارة.
يحتضنون أبا زائرا وأما مشتاقة، جاءا من بلاد قريبة مع حفنة زعتر بري وقارورة زيت زيتون نضر. هنا، في شارع السيف، يركن متأنقون سياراتهم، ويهرعون الى حفلات السفارات: لاتس كام باري.. آي كان هير ذا ميوزيك، تقول جودي البريطانية لزوجها أن (هيا، لقد بدأوا، بوسعي أن أستمع الى صوت الموسيقى من هنا). وتحذر أم طفلتها، فيما تتوجهان الى القنصلية اللبنانية لحضور أمسية احتفائية بعيد الاستقلال اللبناني: أعرف أنك تحبين التبولة، فقط احرصي ألا يسقط البقدونس على ياقتك، كما في المرة السابقة.
منتصف الليل. شارع السيف يبدأ مهمته السرية. الشارع يلملم حكايات الفرح ويكنسها الى الماء. الخور يصنع منها ألوانا تطفو الى الأبد.
قبة الأفراح
كأنها خيمة سيرك. أم قبة استراحة متجوّل. أم هي سطح القارب. هنا جلسوا، سهروا، ضحكوا، وتسللت النوارس الى أسرارهم. تحت هذه القبة، التي تذكرنا بالاحتفاءات الشعبية، بالموالد و(الأفراح) نثرت حكايات سواح جاؤوا من أقاصي العالم الى المدينة التي ما فتأت تشغل العالم.
خروج لائق
هذا خروج لائق. مخرج (ايكزت) مزيّن بالبالونات. زوار الشارع يتكرونه متكدرين. الأوقات الحلوة تمضية مسرعة، متهرولة. البالونات تزيّن الخروج، كما الدخول.
النفاذ الى البستكية
عند نهاية الشارع، بوسع المتجوّل أن يلج الى احد أكثر الأحياء جاذبية في المنطقة: البستكية القديمة. عند مدخل أحد المطاعم، يقف جمل صغير، تمثال، ينظر صوب آخر حقيقي. الصغير، الجماد، يراقب الكبير، الحي. الجماد لا يشعر، لكن الصورة تقول شيئا آخر. هل تخدعنا الصورة؟
دبي- إبراهيم توتونجي

