ظل الغناء العراقي بعيداً عن الأدلجة السياسية والاحتواء والإقصاء الحزبي منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة عام 1921م، فكانت الملكية بمنأى عن الهيمنة على الاتجاه الفني للغناء؛ بل إن رجالات الفترة الملكية كانوا من محبي وعشاق الغناء العراقي الأصيل من «مقام» إلى «جالغي» و«سويحلي» و«ريفي» وقد عرف ذلك عن داهية السياسة العراقية الراحل نوري السعيد، فكان يهوى الأغاني العراقية بأنواعها الطربية الأصيلة.

واستمر الوضع كما هو حتى بعد صعود نجم الزعيم عبد الكريم قاسم 1958م وظهور الجمهورية؛ على الرغم من محاولة بعض الأحزاب اليسارية التزلف له من أجل أجندتها الحزبية من خلال بعض القصائد المغناة، وما أن حلّ عام 1968 ومجيء حزب البعث بانقلابه الشهير؛ حتى باتت ملامح التقريب والإقصاء والتهميش تطال هذا الفنان أو ذاك تبعاً لقربه أو بعده من (الحزب القائد)، وبات ذلك جلياً في فترة حكم صدام (1979-2003م) وتحديداً أثناء الحرب العراقية- الإيرانية. وقد غنى المطربون العراقيون بغالبيتهم وأسماء مشهورة في عالم الغناء العربي لبطل التحرير القومي أيام كانت اللافتات السوداء تلف معظم أرجاء العراق حزناً على خيرة شبابه الذين قاربوا المليون والذين راحوا ضحية تلك المعارك العبثية.

لقد ظلت العقدة التي رافقت حزب البعث منذ مجيئه للسلطة مسيطرة على عقلية القائمين عليه؛ وتتمثل بأمية وجهل معظم منتسبيه - على الرغم من محاولات البعث شراء بعض الأقلام المأجورة ليبدو حزباً مفكراً ويحمل مبادئ عقائدية قائمة على الثقافة- فقد كان أغلب الأصوات السابقة لسيطرة الحزب على السلطة إما يساريا- شيوعياً أو مستقلاً لا شأن له بالسياسة، ومن الأصوات اليسارية المعروفة فؤاد سالم، قحطان العطار، جعفر حسن وأنوار عبد الوهاب، ومن الأصوات التي كانت مستقلة: مطربو الريف داخل حسن، ناصر حكيم، سعدي الحلي والمطربون عفيفة إسكندر وسعدي البياتي وسعدي توفيق وفاضل عواد وياس خضر، فلم يشأ الحزب بسياسته المخابراتية أن يترك الفن على حاله.

فصدرت الأوامر من قيادته بتشكيل لجان فنية تقوم على إقصاء الأصوات الغنائية التي لا تتوافق والعهد الجديد، فتشكلت لجنة تابعة للإذاعة والتلفزيون يديرها الاسم الشهير محمد سعيد الصحاف لتظهر بعدها مجموعة من رموز الفن البعثي أمثال فاروق هلال وداود القيسي وطالب القره غولي.

وعمد الحزب إلى نشر ثقافة فنية للغناء تقول فيلايجب أن تظهر أغاني فرحة وتدعو للتفاؤل والغناء لمستقبل العراق المشرق تحت راية حزب البعث؛ ومن جميل الطرف أن الشاعر الغنائي الراحل جبار الغزي الذي لقي حتفه جوعاً وتشرداً في شوارع بغداد رد على تلك الدعوة بكتابة أغنية «يكولون غني بفرح وآنه الهموم غناي» التي غناها بتألق الفنان المعتزل قحطان العطار.

كما ظهرت في تلك الآونة أغنية الفنانة العراقية أنوار عبد الوهاب «عد وآني أعد ونشوف ياهو أكثر هموم» وهذه الفنانة هي بنت القيادي الشيوعي عبد الجبار وهبي الذي قتله البعثيون في انقلابهم الأول عام 1963، وتعتبر أنوار إحدى أجمل الأصوات العراقية ويعتبر صوتها «سبرانو» من طراز خاص لم تعرفه الساحة الفنية العراقية، فكانت رسالة واضحة لتلك الدعوات البعثية الفنية.

كما أسلفنا فقد سيطر حزب البعث على عالم الفن -إلا فيما ندر- منذ مطلع السبعينيات وتحديداً بعد القضاء على ما يعرف «الجبهة الوطنية» التي شارك بها الحزب الشيوعي العراقي وأحزاب أخرى، وقد توضح ذلك بعد صعود صدام للحكم بعد إقصاءه لأحمد حسن البكر عام 1979م.

وعلى الرغم من قسوة بعض الوقائع التاريخية إلا أنها يجب أن تذكر؛ فقد كانت أغنية «العزيز إنت» التي أداها الفنان حسين نعمة من كلمات الشاعر الغنائي زهير الدجيلي الذي انخرط لاحقاً بالمعارضة العراقية، وكانت من أقوى الأغنيات التي تمجد شخص «القائد الضرورة- صدام»، ليتبعها طوفان من الأغاني التي تتعبد بشخص الحاكم المطلق لجمهورية الخوف.

ولم يبق مطرب في العراق -إلا بعض الأسماء التي سنوردها- لم يغني لصدام ومعاركه الدموية، بدأً من داود القيسي -اغتيل بعد احتلال أميركا للعراق 2003م- ومروراً بفاضل عواد وياس خضر وسعدون جابر ومائدة نزهت ومي ووحيد عشرات غيرهم، حتى ظهور الجيل الثاني بعد سيطرة حزب البعث، حيث ظهر النجم كاظم الساهر .

وهيثم يوسف ومهند محسن وجلال خورشيد وقاسم السلطان وباسل العزيز وباسم العلي آخرون، وكانت الأغاني التي تمجد صدام وقادسيته المجيدة و«أم المهالك» ترافق صور المعارك الدموية على جبهات القتال مع إيران والحرب الجنونية مع أميركا، ولم يكن الفنانون العرب بمنأى عن ذلك الطوفان، فغنت كل من وردة الجزائرية وسميرة توفيق وسوزان عطية وسعاد محمد وعبد الله الرويشد ورباب ولطفي بوشناق وعشرات غيرهم.

بلغ عدد الأغاني التي غناها المطربون العراقيون والعرب- للقائد الضرورة حجماً قياسياً يزيد على أرشيف الغناء العراقي -منذ تسجيل أول أسطوانة وحتى السقوط 2003م- بحوالي 10 مرات، وكان النظام يغدق بملايين الدولارات على مهرجانات «بابل» و«المربد» بينما كان الشعب يقتل ويتضور جوعاً.

ولعل الفنان الأكثر احتراماً وتقديراً بين الأسماء التي غنت لصدام ومعاركه هو النجم كاظم الساهر الذي نفى أن يكون أي فنان قد تعرض للإجبار أو التهديد في حال لم يغني لصدام وأن الأمر كان اختيارياً، وهذا ما تؤكده وقائع وشواهد يعرفها من كان يحضر جلسات التسجيل في تلفزيون العراق وتلفزيون الشباب التابع لعدي صدام حسين والذي كان يديره عباس الجنابي، بل يذهب حكمت، صاحب الاستديو الشهير بمنطقة الشعب في بغداد إلى أبعد من ذلك في تصريحات شخصية قالها قبل سنوات:

بأن العديد من الفنانين كانوا يتنافسون ويتوسلون لتسجيل أغانيهم التي تمجد القائد لديهلا، ولعل من المخجل هي تلك التصريحات التي أدلى بها الفنان سعدون جابر الذي كان أحد مدللي النظام وأحد رموزه الفنية لإحدى وسائل الإعلام العربية مؤخراً بأنه كان مجبوراً للغناء للنظام وأنه غنى تحت تهديد السلاح.

على الرغم من الفترة العصيبة التي مر بها الفن العراقي آنذاك واعتزال وهجرة بعض الأصوات اللامعة؛ فإن الفن العراقي أنجب مجموعة من أجمل الأصوات التي ظهرت آنذاك: فؤاد سالم، قحطان العطار، ياس خضر، حميد منصور، حسين نعمة، فاضل عواد، كريم منصور، رياض أحمد، أنوار عبد الوهاب، فريدة، وعشرات غيرهم.

وقد هاجر الفنان فؤاد سالم الذي ناهض النظام إلى سوريا حيث سجل أغنيات تحرض للثورة على النظام، قحطان العطار الذي يعتبر من أجمل الأصوات التي ظهرت في السبعينيات الذي هاجر إلى الكويت ومن ثم إلى الدانمارك، المطربة العراقية أنوار عبد الوهاب التي هربت خارج العراق وناهضت النظام، الفنان جعفر حسن الذي هاجر إلى اليمن.

ورفض الانخراط في صفوف الفنانين البعثيين، ولعل أسوأ مصير انتظر فناناً على يد حزب البعث هو مصير الفنان الجنوبي صباح السهل الذي جرى إعدامه على يد المخابرات العراقية في عام 1993م بعد مكيدة تعرض لها على يد زوجته التي أرسلت بتسجيل يتحدث فيه فيلاالسهللالا عن انتهاك الرئيس وولديه لشرف بعض الفنانات العربيات اللواتي يزرن العراق بمباركة وتسهيل من أحد الملحنين العراقيين المعروفين وزميله الذي كان يشرف على تنظيم الحفلات الفنية داخل العراق.