بين خرائب وأبنية (أور- بيت إبراهيم الخليل) بجنوب العراق في الناصرية؛ كانت بعثة التنقيب التي يقودها العالم الأثري ليونارد وولي عام 1927م على موعد مع اكتشاف مهم سيعيد صياغة تاريخ الفن الإنساني من جديد، إنها (القيثارة السومرية) الذهبية التي عثر عليها في مقبرة الملكة شبعاد، عام 2450 قبل الميلاد.
وتتكون من 11 وتراً مربوطة إلى أعلى بمسامير ذهبية وحفر على مقدمتها رأس عجل ذهبي بينما وشيت أخشابها بأنواع الصدف والأحجار الكريمة.وهذه التحفة الفنية التي (استعارتها) بريطانيا لتحل (ضيفة) في متحفها بلندن لا تزال تسطر للزمن إسهام العراقيين الأوائل في صناعة الفن الإنساني موسيقى وغناء،ولا نريد من خلال هذا الملف الذي نفتحه أن نحلل التاريخ الموسيقي والغنائي العراقي بحيثياته الأكاديمية البحتة؛ وإنما نريد أن نسلط بعضاً من الضوء على مراحل الغناء العراقي، وما آل إليه من خراب وانحطاط بدأ منذ سنوات ورافق الدمار الذي حل بأرض الرافدين قبل وبعد الاحتلال الأميركي، فكيف سيكون حال ملكة سومر شبعاد إن هي سمعت:
البرتقالة والتفاحة وسلة الخضار والفاكهة و(يمه كرصتني العقربة) و(يا حلو يا حنطاوي طولك مدفع نمساوي)، وغيرها من أغاني هذا الزمن.. ولنبدأ الرحلة مع الغناء العراقي ليعرف العالم ما حلّ به:بعيداً عن مراحل العصور القديمة السومرية والبابلية وقمة الحضارة الفنية لأرض الرافدين أيام العباسيين، وما تلا ذلك من خراب حتى الاحتلال العثماني، يبدأ الغناء العراقي الحديث من فترة تأسيس الدولة العراقية 1921م، ويمر بمراحل عدة. ولعل التنوع الديموغرافي الذي يميز العراق وانفتاحه على ثقافات مختلفة يجعل الغناء العراقي في القمة من حيث التنوع، ففي العاصمة بغداد نجد (المقام العراقي» و«الجالغي» و«المربعات البغدادية» و«الغناء الحضري» وإلى أقصى الجنوب نجد غناء «الخشابة البصري» وأطوار من غناء البحر الذي تمتزج به الأنغام الخليجية بالهندية والأفريقية والألحان الفارسية.
وفي الجنوب أيضاً يظهر الطور الريفي بأنغامه المتعددة التي تميز غناء الأهوار، وفي مناطق الفرات الأوسط في مناطق بابل والديوانية والسماوة وبعض مناطق النجف وكربلاء ، خصوصاً منطقة طويريج- يشيع الطور الفراتي الذي يعتبر الأرق والأكثر نضجاً في ساحة الأغنية خارج بغداد، وفي المنطقة الغربية وما جاورها ينتشر الغناء البدوي والغناء المركب الذي يشمل «السويحلي» و«النايل» وألواناً أخرى، وفي الشمال ينتشر الغناء الكردي والتركماني بمقاماته المختلفة إضافة للغناء الموصلي بأدائه المتميز.
لا يعرف تاريخ حقيقي لتسجيل أول أغنية عراقية على اسطوانة، لكن بعض المصادر تشير إلى التسجيل النادر لعميد الموسيقيين العراقيين ملا عثمان الموصلي ويعيد البعض هذا التسجيل إلى عشرينات القرن الفائت، وقد برز من أسماء المطربين يومها عملاق المقام العراقي محمد القبانجي وسليمة باشا مراد ومسعود العمارتلي وزكية جورج وسلطانة يوسف ومنيرة الهوزوز؛ كانوا نجوم العشرينات والثلاثينات وما تلاها ليظهر بعدهم زهور حسين وحضيري أبو عزيز وداخل حسن وعفيفة إسكندر وسفير الغناء العراقي الراحل ناظم الغزالي.
وللأمانة التاريخية فإن معظم ملحني وعازفي التراث الغنائي العراقي كانوا من اليهود العراقيين الذين جرى تسفيرهم عام 1951م في عملية من أبشع عمليات التهجير لمواطني بلد ما، ومن أبرز تلك الأسماء واضع أسس وقواعد الغناء العراقي صالح الكويتي الذي لحن ما يقارب 700 لحن لأشهر مطربي العراق.
وقد أخذ عنه الموسيقار محمد عبد الوهاب بعض الألحان التي تؤدى على مقام اللامي واستخدمها فيما بعد في أغانيه، بينما غنت له كوكب الشرق أم كلثوم أغنية باللهجة العراقية عندما زارت بغداد عام 1932م «قلبك صخر جلمود» التي غنتها آنذاك سليمة باشا مراد زوجة الفنان الراحل ناظم الغزالي، واستمر ذلك الجيل بقوته في الأداء والطرب حتى وصول نظام الحكم العراقي السابق وتشويهه لمفهوم الغناء فانتشرت الأغاني ذات النفس المبتذل والكلمات التافهة.
بعد أن كان الجمهور يستمع «أي شيء في العيد، فوق النخل، ميحانه، غريبة الروح، سلم بعيونك الحلوة، ليلة ويوم، رائعة الشاعر مظفر النواب حن وآنه أحن والريل وحمد، ويالجمالك سومري ونظراتك عينك بابلية، ومشكورة، نخل السماوة يقول طرتني سمرة، سهلة عندك يا حبيبي... وعشرات من الأغاني العراقية الأصلية» .
وبعد تاريخ فني حافل بالصور الشعرية والموسيقية المبتكرة، تعرف الجمهور إلى أصوات نشاز قدمها تلفزيون الشباب الذي كان يديره عدي صدام على أنها أصوات طربية، وانطلقت منذ الثمانينات موجة من تدمير الذائقة العراقية وثقافة الشعب وتاريخه الفني، فظهرت موجة الأغاني الهابطة «يمه كرصتني العقربة» وغيرها من أغاني النشاز التي لا تمت بصلة لتاريخ الفن العراقي الأصيل.
لقد أسهم انتقال غناء «الملاهي الليلية» و«الغجر- الكاولية» إلى المحطات الفضائية بظهور جيل من الفن العراقي المشوه وسط دمار المؤسسات الفنية العراقية بعد 2003م، وقد اتهم عدد غير قليل من نقاد الفن بعض المحطات الفضائية العراقية والعربية أنها تحاول تشويه سمعة الشعب العراقي وتاريخه من خلال بث أغاني الرقص التي تبثها وتركيزها على هذا النوع من الأغاني دون سواه، ومنها الأغنية الشهيرة لعلاء سعد «البرتقالة» التي باتت مصدر عارٍ لتاريخ الفن في العراق، وما تبعها من أغانٍ رخيصة كالتفاحة والرمانة وغيرها من الأغاني الهابطة.
ومن المطربين الجدد الذين يحافظون على أصالة ومعاصرة الأغنية العراقية الفنانان كاظم الساهر وماجد المهندس.
عميد الغناء
يقول عميد الغناء العربي الموسيقار محمد عبد الوهاب: إن الغناء العربي بعمومه يدور في فلك الغناء المصري؛ إلا الغناء العراقي فإنه يدور في فلك نفسه.
زنود الست
انتقد الكاتب والشاعر العراقي رحيم العراقي الأداء والصورة السيئة التي ظهرت بها الشخصيات الفنية العراقية في تاريخ الفن في البرنامج الذي كتبه (زنود الست) الذي بثته قناة الشرقية، وأدت دور البطولة فيه الفنانة دالي، وأن المخرج لم يكن أميناً على النص الذي كتبه العراقي.
ثقافة العنف
ترسم كلمات الأغاني التي تظهر حديثاً؛ صورة جديدة لثقافة العنف التي يحاول البعض إظهارها عن الشعب العراقي، فكلمات مثل (أذبحك)، (والله أدمرك)، (أدوس عليك)، و(مدفع نمساوي) باتت قاموساً للأغاني العراقية الهابطة.
أبو ظبي- محمد الأنصاري


