الدراما التركية الوافدة وقبلها المكسيكية والكورية احتلت شاشاتنا العربية ودخلت بيوتنا بلا استئذان؛ فوضعت مسلسلاتنا في مأزق ولم تعد لعبة فنية، بل أصبحت لعبة تجارية بحتة تديرها شركات الإنتاج، وجرت وراءها عدد من الفضائيات العربية، وعلى الرغم من المحاولات الجادة لدحرها؛ فإنها لا تزال تلقى متابعة وحضورا جماهيريا، فأصبحت مؤشرا لمشاكل فنية تدفع بالدراما العربية إلى خانة الملل، خصوصا أن المشاهد العربي بدأ يتجاوب مع الأعمال الخارجية كلية في مقابل تراجع اهتمامه ومشاهدته للمسلسلات العربية.
وخلال الفترة الأخيرة اجتاحت الشاشات الفضائية العربية موجة المسلسلات التركية على غرار مسلسلات (نور)، (الأجنحة المنكسرة) و(سنوات الضياع) و(وادي الذئاب) بعد أن تم دبلجتها باللغة العربية، مما أسهم في زيادة نسبة المشاهدة، كما حدث مع ظواهر أخرى مشابهة لأعمال درامية ازدهرت في فترات من الزمن، لكن سرعان ما اختفت مثل الدراما المكسيكية التي انتشرت مع مطلع التسعينات والكورية والصينية، وكذلك الأفلام الهندية التي اجتاحت العالم العربي مع بداية الثمانينات من القرن الماضي، ويبقى التساؤل قائما: لماذاألاتستهوي الدراما التركية المشاهدألاالعربي، والى أي مدى يعتبر ألاهذا ألاموقفا ألاضد ما تنتجه الدراماألاالعربية ألاوإحراجا ألالها؟
توجهنا بالسؤال إلى فادي إسماعيل، المسؤول عن التسويق بشركة أوي ثري برودكشن) للإنتاج والتوزيع الفني صاحبة امتياز تسويق وتوزيع الأعمال التركية فقال: بدأت الشركة في الترويج لهذه الأعمال وتوزيعها منذ عامين، حيث حظيت بأعلى نسبة مشاهدة مثل مسلسل (نور) الذي حقق صدى جماهيريا غير مسبوق، وتزايدت عروض الشراء من المحطات التلفزيونية خاصة مع حرصنا على إجراء عملية الدبلجة للغة العربية بطريقة متقنة وبديعة ودقيقة كان لها أثر بالغ في تقبل الجمهور لهذه المسلسلات، وحاليا بدأنا في تسويق الأفلام السينمائية التركية المدبلجة بالاتقان والحرفية نفسيهما، وتقوم الشركة حاليا بالترويج ل17 مسلسلا و11 فيلما سينمائيا تركيا بعد إجراء عملية الدوبلاج لهذه الأعمال، التي تعاقدنا على بيعها للقنوات المصرية والخليجية حيث تلقى الرواج بين مشاهدي هذه القنوات.
وعن أسباب دبلجة هذه الأعمال باللهجة السورية فقط يقول حازم طه، مسؤول المشتريات البرامجية بشركة (mbc جروب) إن الاعتماد عليها يرجع إلى أنها لهجة أليفة للغاية ومحببة ويتجاوب معها المشاهد العربي من المحيط إلى الخليج، كما أن اقتراب الشبه من حيث الملامح بين الممثلين الأتراك والممثلين السوريين أضاف تأثيرا نفسيا كبيرا للعمل مما أحدث هذا الصدى الذي نراه على أرض الواقع طوال الفترة الأخيرة، وقال إن الإقبال على المسلسلات التركية مستمر، بل في تزايد يوما بعد يوم؛ وذلك لأن هذه الأعمال جاءت في وقت افتقدنا فيه الرومانسية، مع إنتاجها المتميز، نافيا في الوقت ذاته أن تكون الدراما التركية جاءت لتنافس الدراما العربية.
ظاهرة مؤقتة
عبدالسلام محمد الأحمد، مدير المشاريع الحكومية في تلفزيون أبوظبي، كان له رأي أكثر وضوحا، حيث أكد أن الدراما العربية مرت بأكثر من عاصفة أثرت في مكانتها بين الجماهير، ودورها داخل المجتمع، مما أدى إلى انجذاب المشاهد العربي إلى الأعمال الدرامية الأخرى غير العربية، وقد أسهم في تزايد هذه الظاهرة إقبال المحطات التلفزيونية الرسمية الخاصة على شراء هذه المسلسلات ما أدى إلى تزايد حالة التفاعل معها والانجذاب إليها، وكلما اختفت أعمال علقت في أذهان الجماهير تظهر أعمال أخرى تشكل ظاهرة للمشاهدة العربية، مثلما يحدث حاليا مع المسلسلات التركية التي يمثل الإقبال على مشاهدتها دليلا على الانحطاط سواء في منظومة العمل الفني أو قيمة ما يقدم من أعمال درامية عربية أو انحطاط في ذوق المشاهد بشكل عام.
انفتاح ثقافي
إلى هنا يرى ناصر سعدان، نائب مدير إدارة الرقابة بتلفزيون الكويت، ضرورة الانفتاح على الثقافات الأخرى، موضحا أن الدراما هي من أكثر الوسائل الناقلة للثقافات والعادات والتقاليد ومختلف الأنشطة الاجتماعية للدولة صاحبة هذه الأعمال الدرامية خصوصا مع انتشار المحطات التلفزيونية التي أسهمت في إزالة الفوارق الثقافية عبر تقديم أعمال درامية من هذه الدولة أو تلك للتعرف إلى خصوصيات ثقافة الدول الأخرى.
اختلاف أذواق
من جانبه يرى المخرج إسماعيل عبدالحافظ، أن الإقبال على مشاهدة المسلسلات التركية في الوطن العربي يمثل نقلة نوعية في اهتمامات المشاهد العربي واختلاف الأذواق والمدارك الثقافية مما جعل هذه المسلسلات تفرض نفسها بقوة على الشاشة العربية، بعد أن خلقت حالة تفاعلية مع المشاهد، فأصبح للدراما التركية جمهورها الخاص في العالم العربي، ومع ذلك تبقى للدراما العربية ميزتها وجمهورها حيث تنتفي مسألة التأثير أو المنافسة بين الأعمال التركية والأعمال العربية.
خاصة لعدم وجود علاقة أو ارتباط بينهما، وذلك لأن الدراما التركية يتم تصويرها بشكل يومي حلقة حلقة، حيث تتعدى حلقات المسلسل الواحد الخمسين والستين أو المائة حلقة، كما تعتمد على التصوير الداخلي والديكور بشكل أكبر من التصوير الخارجي، كذلك تتناول المسلسلات الجانب العاطفي وليس الجانب الدرامي، وهو شكل جديد على الساحة والمشاهد العربي، وهذا ما جعله يتأثر بها وينجذب إليها ويحرص على مشاهدتها.
افتقدنا الرومانسية
ويشير الفنان تيم الحسن إلى أن الإنتاج الراقي والدبلجة المتقنة جعلا المسلسلات التركية تفرض نفسها على القنوات الفضائية ومشاهديها على نحو غير مسبوق، خاصة أنها تتناول الرومانسية التي تستهوي المشاهد العربي، خصوصا الشباب من الجنسين، وذلك ناتج عن افتقادنا للأعمال الرومانسية، كذا اتساع مدارك المشاهد بشكل جعله يتذوق المسلسلات التلفزيونية أكثر مما مضى، فزادت الحالة الانتقائية لديه، وأسهمت القنوات التلفزيونية المتعددة والمتنوعة في تجاوب الذائقة العربية للأعمال الدرامية، فأصبح لدى المشاهد حالة تذوق للمسلسلات، وقد يكون سبب إقبال المشاهد العربي على المسلسلات التركية هو وسامة الممثلين الأتراك أكثر من العرب، مما خلق حالة من الانبهار بالممثلين الأتراك من قبل الشباب العربي.
ربح سريع
ويعترف المنتج السوري دريد الجرد، صاحب شركة قارة للإنتاج الفني والتوزيع بدمشق: طبعا المسلسلات التركية أثرت بشكل سلبي في الأعمال العربية، خاصة مع عملية الدوبلاج التي تجري للمسلسلات العربية مما يتسبب في زيادة إقبال المشاهد العربي عليها أكثر من الدراما العربية الأصيلة، ويرجع السبب في انتشار المسلسلات التركية على شاشتنا التلفزيونية إلى سعي بعض المسوقين أو المنتجين لتحقيق ربح سريع.
وبصورة أكبر من خلال فرض هذه النوعية من الأعمال على المجتمع العربي وتكثيف الدعاية حتى تجد الصدى والنجاح الجماهيري الكبير في وطننا العربي، والمشاهد ينساق للأعمال البراقة حتى وإن لم تناسب عاداته وتقاليده وقيمه، ومع تجاوب المشاهد العربي وانجذابه لهذه الأعمال زاد إقبال الجهات المسوقة والمنتجة على شراء المسلسلات التركية وتطويرها ودبلجتها بأحدث النظم والوسائل وإضفاء لمسات تكميلية جمالية للعمل مما يسهم في تزايد الإعجاب بالعرض، والحرص على متابعته، لكن في النهاية الفاصل في هذه المسألة هو عامل الجودة، فالعمل الجيد هو فقط القادر على الوجود والاستمرار مهما كثرت الأعمال المعروضة وتنوعت أشكالها وألوانها الدرامية.
حرفية الإبداع
أما الناقد الفني سامي عبدالحميد فيدق ناقوس الخطر أمام اجتياح المسلسلات التركية للتلفزيونيات العربية وتجاوب المشاهد العربي معها وإقباله عليها حيث يؤدي ذلك إلى منحنى خطير في مسيرة الدراما العربية، فهناك عوامل كثيرة تؤثر في جودة العمل الدرامي، ويكون الحكم فيها لصالح الأعمال التركية مثل الحرفية العالية التي تقوم عليها الدبلجة للدرجة التي تجعل المشاهد يتابع مسلسلا مدبلجا أصلا، كذا حرفية الأداء بطريقة بسيطة خالية من التكلف واختيار النصوص الرومانسية التي افتقدناها في الدراما العربية، التي أصبح يسودها العنف والقضايا الاجتماعية التي تعمل على زيادة حالة الاكتئاب لدى المشاهد، حيث يتضاعف الألم والحزن لديه من الواقع الذي يعيش فيه.
فجاءت أغلب الدراما العربية محملة بمشاهد العنف والكراهية، والباقي أعمال كوميدية يغلب عليها التسطيح، فكان ذلك سببا كبيرا في هروب المشاهد العربي إلى المسلسلات التركية الرومانسية التي سوف تستمر بل سوف يتزايد الإقبال عليها طالما واقع الدراما العربية على ما هو عليه.



