عند مدخل الجناح التايلندي في القرية العالمية استوقفني رجل تايلندي يداعب ريشته بأنامله، لترسم له أبهى وأجمل الأسماء والعبارات والكلمات بشتى أنواع الخطوط العربية، وذلك باستخدام الريشة وأقلام متنوعة، وبدردشة سريعة معه تبين أنه يعتمد على موهبته كمصدر للرزق؛ فليس له في تايلند غير هذه المهنة التي تجتذب السياح العرب إليه هناك، وجاء إلى دبي ليُعرف الناس أكثر بموهبته، ويرسم لهم عبارات تبقى كذكرى على قلم أو ميدالية، أو يهدونها لمن يُحبون. (الحواس الخمس) التقاه؛ فكان هذا الحوار:

* كيف تعلمت كتابة الخط العربي؟ ـ لي في تايلند الكثير من الأصدقاء العرب، وحينما نجتمع معا أجدهم يتفنون في رسم الخط العربي ويتنافسون فيما بينهم؛ فشدني الخط العربي لجماله، وطلبت منهم أن يعلموني كيفية الكتابة، سخروا مني في البداية لجهلي أصلاً بالقراءة العربية، فكيف لي أن أكتبها؟!، ولكني اعتبرت أن الخط العربي نوع من أنواع الرسم، يجب أن أجيده، وهذا ما حدث فعلا. * هل وجدت صعوبة في تعلم الخط العربي؟ ـ وجدت صعوبة كبيرة في رسم أغلب الحروف، ولكن إصراري على إجادة هذا الأمر سهل العواقب، ولا أبالغ إن قلت إني نافست أصدقائي العرب بعد ذلك بأن خطي العربي أصبح أجمل من خطوطهم. * ألا ترى غرابة بأنك تكتب العربية ولا تقرأها؟ ـ الجميع يستغرب من هذا الأمر، ولكني من البداية اعتبرت ممارستي الخط العربي نوعا من أنواع الرسم، وتفننت في رسمه فعلا. وقد أجد صعوبة أكبر في تعلم قراءة اللغة العربية. لذا أعتبر نفسي رساما وليس خطاطا.

* وماذا تفعل إن طلب منك عميل كتابة ما يشاء على ميدالية مثلا؟ ـ أطلب منه أن يكتب ما يريده على ورقة بيضاء، ثم أرسم ذلك على القطعة الخشبية التي يختارها. * وهل تدر عليك هذه المهنة دخلا جيدا؟ ـ نعم، تدر عليّ دخلا لا بأس به، وصراحة أسعد كثيرا حينما يشكرني الشخص على ما كتبته له، لأن هذا يؤكد نجاحي وإبداعي في رسم الخط العربي. * ما هي الخطوط العربية التي تكتبها؟ ـ جميع أنواع الخطوط العربية، بما فيها النسخ، والرقعة، والكوفي، والديواني، وحتى الفارسي. * وما أحب الخطوط العربية المحببة إلى نفسك؟ ـ أحب الخط الديواني؛ فجماليته تكون في صعوبة رسمه، وإن رأيتُ الخط الديواني مكتوبا على أي شيء، أبتهج كثيرا، لأني أراه عبارة عن لوحة تشكيلية مرسومة بالخط العربي لاسيما الديواني.

* هل وجدت استحساناً وإعجاباً من أصدقائك التايلنديين على مهنتك هذه؟ ـ نعم كثيرا، وبعضهم طلب مني أن أعلمه الكتابة العربية، ولكنهم سرعان ما ينسحبون لصعوبة الأمر بالنسبة إليهم، والبعض الآخر وجدني مبدعا وطالبوني بعدم التوقف، وكثيرا ما يطلب مني أصدقائي أن أكتب لهم أسماء أحبابهم بالعربية، ويسعدون بذلك كثيرا. * وكيف تجد اقبال زوار القرية على ركنك في الجناح التايلندي؟ ـ يضحك قائلا: أرى إقبال العرب كثيراً على زيارة بلدي، لذا لا أستغرب أبدا من إقبالهم الكبير على الجناح التايلندي الجميل. وصراحة هناك إقبال على ركني في الجناح، ويطلب مني الزوار كتابة أسماء من يحبون ليهدونهم كهدية تبقى ذكرى لهم، ويدعمونني بالكلمة الطيبة والشكر الدائم.

المشاهد الغربي يتلقى فن الخط العربي بافتتان ش

يؤكد الخطاط التايلندي بوب بونجات أن المشاهد الغربي يتلقى فن الخط العربي بافتتان اكبر وحماس أشد من المشاهد العربي. إنه السحر اللامتناهي بالنسبة لديه، وهو النافذة المطلة على فهم الثقافة العربية والإسلامية والتعايش معها. وغالبا تكون معارض الخط في هذا المجال أكثر نجاحا من معارض الرسم والنحت لأن فيها من الخصوصية الثقافية ما يصرخ بالاختلاف والتعددية الحضارية.

إنها فرصة أثمن وأندر بالنسبة للمشاهد الغربي أن يذهب لزيارة معرض عن الفنون الإسلامية من أن يزور معرضا في الفن التجريدي الموجود في كل زاوية من الرواق الثقافي، فلقد كانت معارض الخط ولاتزال في الخارج تمثل تظاهرات ثقافية كبيرة، وتعمل كملتقى للمفكرين والمهتمين بتراث الشعوب الأخرى وثقافاتها وفنونها.

ولدى سؤالي: كيف تعرض لوحاتك على الجمهور، وهل لديك معرض خاص في تايلند، وهل شاركت في معارض للخط العربي؟ أجاب قائلاً: ليس لدي معرض، ولا محل لعرض لوحاتي على الجمهور، وإنما أختار أي مكان في أحد أسواق تايلند، حيث يكتظ الناس والسياح ويطلبون مني كتابة ما يريدونه بالعربية، وأحيانا يتصل بي كل عشاق الخط العربي في منزلي ويقولون نريد لوحة بمواصفات معينة. وأتمنى أن تكون لي مشاركات مستقبلية في معارض أعرض فيها لوحاتي؛ فالغرابة أني أرسم الخط الخطوط العربية في مقابل جهلي لقراءة ما أكتبه.

أمر صعب

يوضح بوب بونجات أن الخط أياً كان شكله يعتمد على إحساس خطاطه، فالخطوط التي تكتب وترسم بإحساس بشري لها تأثير أكبر وأعمق من تلك الالكترونية الجاهزة، ولذلك من الصعب أن ينقرض أو يختفي الخط العربي وأدواته مهما تطور العصر.

دبي ـ جميلة إسماعيل