سيظل السؤال مستمراً وأكثر إلحاحاً.. أين عفاف راضي؟ هذا الصوت النادر وتلك الحنجرة الذهبية التي خاطبت الوجدان المصري والعربي بإرادة وعمق كبيرين، فمنذ فترة السبعينات ظلت راضي اسماً لا يتخطاه الإعلام، وصوتاً رائعاً احتل كل القلوب بلا استثناء، ولكن منذ نهاية الثمانينات اختفت عفاف راضي وأصبح ظهورها في أوقات متباعدة يثير الانتباه ويشعل الفرح والخوف في آن واحد.. الفرح لتلك الطلة الجميلة والخوف من أن تغيب مرة أخرى.
وبالرغم من أن الكثير من الاجتهادات والإشاعات التي تحدثت عن اعتزالها الفن أو تلك التي تتحدث عن عدم رغبتها في الاستمرار في الوسط الفني مع هذا الجيل، فإن الفنانة الكبيرة نفت ما تردد حول الأمر بالرغم من عدم رضائها عن الممارسات التي تدور في الوسط الفني وشكل التعامل فيه ومعه. حول حقيقة اعتزالها الفن، تقول عفاف: بالطبع لم أعتزل، فأنا عندما أرى نفسي غير قادرة على الاستمرار ليس هناك ما يمنعني من التصريح مباشرة بالاعتزال، ولكن أنا موجودة وأقيم عدداً من الحفلات كل عام، في دار الأوبرا أو المسارح الكبيرة. * لكن هناك اجتهادات كثيرة حول اختفائك عن الوجود الطبيعي كمطربة؟ ـ ليس هناك شيء يشغلني عن فني، وعدم ظهوري تفرضه عوامل أخرى طبيعية؛ لأنني عندما أقدم حفلاً يكون لأسباب معلومة وأستعد له، وليس بالضرورة أن أسعى للإعلام حتى أقول أنا موجودة.
* غيابك عن الساحة لابد أن تكون له مبررات مقنعة لأن جمهورك يسأل كل يوم عنك؟ ـ حقيقة إن الساحة الغنائية حالياً في حالة سيئة، خاصة بعد رحيل العمالقة من المطربين والملحنين الذين رحلت معهم الأغاني الجميلة والهادفة والنادرة لتحل محلها أغنيات تشبه المنولوجات وتعتمد على الصورة والرقص والفيديو كليب، وليس على الكلمة الرصينة والهادفة، وعندما رأيت أن الأغنية اليوم غير مرتبة وتسير بشكل عشوائي.. معتمدة على شكل المغني، دون مؤهلاته الفنية فكان عليّ أن أبتعد؛ لأن ما هو مطروح لا يعجبني ولن أخوض فيه. * كلامك هذا يؤكد وجود خلل فعلي على الساحة الغنائية. ـ نعم هناك خلل في بناء الأغنية وتناسقها، فهي أغنيات لا ترتبط بأي مناسبة أو موقف، وبالتالي أصبحت ضعيفة جداً، وعمالقة الفن الذين رحلوا أو اعتزلوا كانوا يدركون قيمة الكلمة مثل عبدالحليم حافظ وأم كلثوم وعبدالوهاب، وغيرهم من الشعراء الكبار، والدليل على ذلك أننا مازلنا نتذكر أغنياتهم ويحفظها حتى الذين لم يعاصروها من الأجيال الجديدة، وما يحدث اليوم ظهور آلاف المطربين والمطربات بأغنيات غير هادفة لا تترك أي أثر في وجدان هذا الشعب بل الشعب العربي كله.
* لماذا لم تفكري في العودة عبر منتجين تثقين بهم للمساهمة في ظهور أعمال جيدة؟ ـ لا يمكن ولا أستطيع لأنني أدرك أن المناخ الذي نعيشه حالياً أصبح يعطي الأولوية للأغاني التي تحدث فرقعة في السوق؛ لأنها تجارية لا تحمل أي قيمة فنية، ولذلك من الصعب جدا أن يقتنع منتج بعمل فني محترم باستثناء البعض. كنا نأمل أن تتواجدي على الأقل بين جمهورك في المناسبات الفنية أو الوطنية والأعياد وغيرها. حقيقة رغم كل ما طرحته من مشاكل تعانى منها الساحة الفنية اليوم، فأنا أيضا بيتوتية وغير اجتماعية وعلاقاتي محدودة جدا، ولكن أحاول دائما الظهور في المناسبات وإقامة حفلات في أوقات معينة. * هل لك رأي في أغنية الفيديو كليب؟ ـ أنا لست ضد أغنية الفيديو كليب؛ لأن الفيديو كليب خرج بالأغنية من بين 4 جدران إلى عالم أرحب وأوسع، بالإضافة إلى أن الصورة أصبحت ميزة تساعد على نجاح الأغنية، ولكن لدي رأي في نوعيات خاصة من الفيديو كليب التي ليس لها سيناريو جيد ومجرد رقص و«تنطيط»، فالعيب ليس في أغنية الفيديو كليب ولكن في كيفية الاستفادة منه جيداً.
أكيد هناك بعض الأصوات الجديدة لفتت نظرك؟
بالتأكيد هناك أصوات جديرة بالاحترام، ولها صدى طيب في نفسي، ومن هؤلاء المطربين شيرين عبدالوهاب وخالد سليم ونادية مصطفى وأنغام ومحمد الحلو.
أين أنت في السينما؟
لم أجد عملاً يناسبني.. وإذا توفر فوقتها سيكون لي رأيي.
الغناء الأوبرالي
ما رأيك اليوم في الفيلم الغنائي أو الاستعراضي؟
أولاً الفيلم الغنائي أو الاستعراضي مكلف جدا، وهذا جعل المنتجين يهربون منه، وبذلك تحطم مشروع فيلم «أحلام وردية»، الذي كنت سوف أظهر فيه وظل بعد ذلك مجرد فكرة.
في جيلكم كانت للأغنية الوطنية مكانة.. كيف ترينها اليوم؟
هي الآن غائبة تماما، ولكن قد أبرر ذلك بأنه قديماً كانت هناك أسباب تلهب الحماس مثل الحروب والانتصارات وذكريات لمواقف بطولية ووطنية وتاريخية.
تجربتك في الغناء الأوبرالي ماذا عنها؟
والدي كان السبب في ذلك، وأن أصبح مغنية أوبرالية جيدة، ولهذا كان منذ الصغر يحثني على الاهتمام بالغناء الشرقي، وعندما التحقت بالمعهد تمكنت من إجادة الأغنية الأوبرالية، فجمعت بين اللونين.
الموسيقار بليغ حمدي قدمك للجمهور ورعاك .. كيف ترين ذلك؟
بليغ حمدي شاركني نجوميتي، ودفعني للأمام وكان ورائي في قيادة فرقتي الموسيقية، وكانت قناعته بي هي التي جعلته يساعدني ويأخذ بيدي؛ حتى ينضج عودي وكان انتشاري.
أسرتك كان لها دور أيضاً في حياتك الفنية؟
بالتأكيد، خاصة أنني من أسرة فنية شجعتني ووقفت بجانبي، فنحن عائلة فنية كبيرة مسرحياً وسينمائياً وغنائياً، منها ماهر راضي مدير تصوير وسيد راضي المعروف على الملأ كفنان وقيادي كبير، وكان كل واحد يسلك طريقه بنجاح ونهنئ بعضنا في أي عمل ننجح فيه، والأجمل أن كلا منا اعتمد على نفسه.
نعود إلى العملاق بليغ حمدي، حدثينا عن بعض مواقفه؟
كنت طالبة متميزة في معهد الكونسرفتوار في مجال الغناء الأوبرالي، وفي هذا التوقيت كان بليغ حمدي يبحث عن أصوات مصرية جيدة ليتبناها، فأرسل لي، فذهبت له وغنيت له كثيراً من الموشحات والأغنيات القديمة، فأعجب بصوتي، وقرر أن يتبناني، وأذكر أن أول حفل غنائي لي قدمته على أحد المسارح ساعدني فيه كثيراً عندما قام بقيادة الفرقة الموسيقية بنفسه فهذا كان سر نجاحي كمغنية.
لك ذكريات أيضاً مع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.
كان دائماً يأمر التلفزيون المصري بعرض أغنياتي، وكان إعجابه بفني إعجاب الإنسان العادي ليس له أي ارتباط بالسياسة، والرئيس عبدالناصر كان عاشقاً للفن، ويعلم الجميع ذلك، حيث كان معجباً بصوتي منذ ظهوري، وأوصى الأجهزة الإعلامية بالاهتمام بموهبتي ورعايتها.
وماذا عن الفنان عبدالحليم حافظ الذى ربطتك به علاقة جيدة؟
كنت القاسم المشترك معه في كل حفلاته؛ لأن عبدالحليم يحب صوتي، وكان مقتنعاً به، وكان يعلق على صوتي قائلاً «أراه يحلق في السماء والأرض»، وبعد تعاقدي مع شركة صوت الفن التي كان يمتلكها هو وعبدالوهاب ظل يعرف كل أخباري ومتابعاً جيداً لي، وكان يتمنى لي النجاح وهذه كانت شهادة قوية وعظيمة لي من فنان عظيم في تلك الفترة، وأنا بين عمالقة مثل شادية وأم كلثوم ووردة وصباح ونجاة وغيرهن.



