الحاج مجدي حافظ «شيخ الختامين» كما يلقبونه في مصر قد لا تصادفه يوماً في حياتك وجهاً لوجه، ولكنك بالتأكيد ستتوقف أمام أعماله الفنية البديعة، فهو ينقش ويدق الذهب والنحاس والفضة؛ فيصنع الأختام أو لافتة تضعها على باب شقتك أو لوحة تزين مكتبك.. ليس هذا فقط؛ بل يقوم بنقش صورة لحبيبتك أو خطيبتك على سلسلة أو خاتم بحرفية شديدة، وإذا أردت الاطلاع، ستجد كل هذه الإبداعات على أشكالها وألوانها لدى عم مجدي، الذي تجاوز من العمر السادسة والستين عاماً. هذا الرجل ورث هذه الهواية التي بدأت قبل 200 عام على يد جده الأكبر ليصبح الحاج مجدي «قبلة» للكثير من الأمراء العرب الذين يرسلون إليه في محله الصغير المتواضع بحي الحسين - وسط القاهرة.. طلبا لبعض النقوش الخاصة بهم.

يقول شيخ الختامين: «بدأت هوايتي بعشقي لها منذ أن تفتحت عيناي على الدنيا، ورأيت أبي وعمي يشتغلان في الحفر والدق على المعادن؛ وكطفل صغير كنت شغوفا وفضوليا كعادة الأطفال في معرفة كيف يتم صنع هذه التحف بشكل فني رائع يحتاج إلى يد قابضة على آلة من الحديد صغيرة الحجم ولكنها في الآن تشق المعدن، بالإضافة إلى قوة الأعصاب والمهارة، وهذا ما وجدته لدى أبي وعمي اللذين أعتبرهما مثلي الأعلى، وفخور بأنني تعلمت منهما الكثير؛ وما هي سنوات إلا وحصلت على شهادة الثانوية فلم أجد بداً إلا الالتحاق بكلية الفنون الجميلة؛ لكن لم يشأ لي القدر أن أكمل دراستي؛ وذلك لمرض والدي، وكان لا بد أن أكون بجواره حتى أقوم بما كان يعمله، وكان الشيء الأول الذي تعلمته بمهارة هو الدق على الأختام، وقد برعت بشدة فيه؛ خاصة بعد مساندة عمي، وقوة تمكنه من هذا العمل، إلى جانب أنه ووالدي يتقنان فن الخط، وذلك لأنهما حصلا على دبلوم تحسين الخطوط الملكية، وكانا يزاولان الحفر على المعادن، خاصة الحفر اليدوي للقصور الملكية للملك فاروق والملك فؤاد ورجال الثورة، وهو ما ساعد على شهرتهما بعد ذلك؛ فتعلمت منهما الكثير من الخط العربي والأجنبي أيضاً.

الدق على الأختام، والكلام لعم مجدي، كانت هواية ومهنة مهمة قديما في عصر الأمية، وكان يستخدمها الشعب المصري في جميع أعماله الحكومية؛ فلكل مصري ختم خاص به، حتى وصل عدد الأختام التي كنت أقوم بعملها يوميا 30 ختما عكس الآن؛ ثم تعلمت بعد ذلك كيفية الدق على الميداليات والأطباق الفضية؛ فأتذكر جيدا أن جميع الاحتفالات والمناسبات المصرية قمت بعمل هدايا بها، ومن أشهرها معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وافتتاح طابا، وكل احتفالات تحرير سيناء، ورفع العلم على طابا من ميداليات ونياشين وأطباق فضية، وأيضا الهدايا المقدمة للفرق الرياضية التي تلعب في مصر».

فن الحفر

ولكن شيخ الختامين يشعر بأسى على هذا الزمن الجميل؛ ويقول بصوت خافت: مع العصر الحديث تغيرت المتطلبات وأصبحت الأختام الخاصة بالأفراد وكذلك النياشين والأطباق الفضية شيئا من الماضي البعيد، في حين تقدم فن الحفر والكتابة على الحلي والمجوهرات والخواتم ودبل الخطوبة، وهناك أنواع خطوط معروفة يهتم بها كل من يأتي إلي، منها خط الطرة القديم أو «طغراء» وهما كلمتان معناهما واحد، والطغراء كتابة جميلة صغيرة بخط الثلث على شكل مخصوص، وأصلها علامة سلطانية مستحدثة تكتب في الأوامر السلطانية أو على النقود الإسلامية أو غيرها، و«الطغراء» غالباً لا تطبع بل ترسم أو تكتب، وهي كتابة اسم السلطان واسم أبيه، وألقابه على شكل مخصوص، يحب اقتناءه القضاة السعوديون فكل قاض منهم كان لا بد أن يكون لديه ختم؛ وكانوا يفضلون العملة بهذا الخط، ويليه خط الرقعة والنسخ والفارسي والديواني والكوفي.

أعمال شهيرة

أما بالنسبة للخطوط الأجنبية الشهيرة التي تعلمتها فكانت «الكابتل البلوك» و«الريشة» الفرنساوي، ومع تطور الزمن ظهرت الخطوط الحديثة التي تعتمد على الجمال، ومن أشهر الأعمال التي قمت بها وأبي وعمي كانت أختام «البوستة» المصرية، وهي عبارة عن حفر يدوي، وكنا متعاقدين - آنذاك - مع هيئة البريد بأن نقوم كل عام بعمل الأختام الخاصة بها أو افتتاح أي مكتب، بالإضافة إلى أختام السكة الحديد التي كانت مصنعة من الصلب وتحفر يدويا، إلى جانب أننا ساهمنا في عمل بعض العملات الجديدة بناء على طلب من مصلحة صك النقود، ومن أشهرها أبو الهول والسد العالي والخمسة قروش؛ وقد اشتركت في دق عمل «نموذج» مصلحة صك النقود لصورة السادات، والتي حازت إعجابه.

هدايا كثيرة قام بحفرها شيخ الختامين للملوك والأمراء والرؤساء وعن ذلك يقول: كانت آية الكرسي التي قدمتها للرئيس الراحل محمد أنور السادات على بعض المشغولات المعدنية، كما حفرت اسمه على مسدسه الذي أهداه له الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، كما صنعت له طبقا من الفضة كبير الحجم رسمت فيه كوبري الجلاء وقت افتتاحه وأهداه لأحد الشخصيات المهمة، كما قمت بصنع الكثير من الهدايا الفضية والدروع والأوسمة والأطباق التي يقدمها الرئيس مبارك إلى أي زائر من الخارج سواء كانوا رؤساء دول أخرى أم شخصيات مسؤولة منها هدايا قدمت لملوك وأمراء السعودية وقطر والأردن.

عشق خاص

حول الصعوبات التي تواجهه أثناء الحفر على المعادن؛ يقول شيخ الختامين: الحمد لله لم أجد أي معاناة أثناء الحفر على أي معدن، وتكمن مهمتك في أن تعرف المدخل الأساسي لنوعية المعدن فكل واحد له طريقة معينة في التعامل.

على الرغم من أن ساعات العمل التي يقضيها بين جدران محله الصغير والتي تتعدى ال12 ساعة مع تقدم سنه، وفقده لقوة بصره نتيجة مزاولة تلك المهنة أعواماً عضالاً، إلا أنه لم يشعر بالملل أو التعب؛ نظراً لما يحمله بين أضلعه من عشق لتلك المهنة النادرة.

عن أغرب المواقف التي واجهته في مهنته طوال هذه السنوات يقول: جاء إلي في أحد الليالي أحد طلاب الجامعة الأميركية يطلب مني عمل الخاتم الخاص بالتخرج، ولم تمر فترة وجيزة إلا وجاء إلي بعض الأشخاص يسألوني عن النسخة التي قمت بتصنيعها، وأنه من المحظور تقليد مثل تلك الأختام.

يضيف شيخ الختامين إن من الأشياء الغريبة التي كتبها وقام بحفرها على قطعة من الذهب هي قصيدة الأطلال لأم كلثوم، وهي من المقتنيات التي يعتز بصنعها حتى الآن، وحول ما يتمنى تحقيقه بعد تلك السنوات ويظل حلماً يراوده هو عمل آية قرآنية تعلق على أبواب الكعبة الشريفة.