من بين مئات القنوات الفضائية العربية تبث على النايل سات، يمكن القول ببساطة إن 10% من هذه القنوات تبث برامج أخبارية او وثائقية لها وزن ، أما البقية فينطبق عليها مصطلح فضائيات الفِطْر «المشروم»، وهي التي تكاثرت بسرعة وتموت أيضا بسرعة.
بهذه الكلمات بدأ الخبير الاعلامي يحيى شقير حديثه عن البرامج الصباحية في القنوات الفضائية العربية. شقير بحديثه عمد الى تعميم تجربة هذه الفضائيات وليس فقط الإشارة الى البرامج الصباحية، التي استعار لوصفها عبارة إنها: لبان «علكة العين».إن البرامج الجادة في الولايات المتحدة التي تحدث تأثيرا وتغييرا عند متخذ القرار هي البرامج الصباحية لهذا فان أي مسؤول أميركي كبير سيرحب باستضافته في الفترة الصباحية وهكذا كذلك عكس ما يحدث في العالم العربي، حيث عرفت تلك البرامج التي غالبا ما تستضيف شخصيات عامة أو اختصاصية مثل أطباء التغذية لكي تملأ ساعات البث فيها .
الإعلان الصباحي
المذيعة يسر حسان اشتكت من «تحول المجتمع لمجتمع استهلاكي، وتحديدا عندما يتعلق الموضوع بالمرأة والتركيز على قضايا الجمال والرشاقة». وقالت بعض الفضائيات تقوم ببث مواد في ظاهرها مقابلات علمية طبية او صحية، ولكن هي في حقيقتها إعلانات مدفوعة الأجر .
وتصف حسان ذلك بأنه تضليل المشاهدين وتحديدا ربات البيوت بعدم الإشارة إلى أن هذه المادة مدفوعة الأجر، ومن أجل ذلك يجب ان تخضع هذه الفضائيات لمنظومة أخلاقية تمنع حدوث ذلك.
وتقول: ما يزيد من سوء الظاهرة محليا أن سوق الإعلان محدود في الأردن، مما يقود الى تنافس الفضائيات على هذا السوق مما يدفع فعلها الإعلامي محصور أولا في فعل إعلاني محدودة الإنتاج، غير قادرة على الخروج منها الى العربية او الدولية.
وتضيف الى ما سبق الإشارة الى مشكلة عدم توفر خبرات إعدادية تراكمية للنهوض بمثل هذه البرامج، وأن من يمتلك هذه الخبرات هم إعلاميون أردنيون يعملون في الفضائيات العربية خارج الأردن.
وتميز المذيعة حسان بين الفضائيات العربية والفضائيات المحلية. وتقول: اذا كنا نتحدث عن الفضائيات العربية يجب الاعتراف بان العديد منها بدأت تهتم بالشأن العلمي وخاصة المتعلق بالصحة وذلك لاهتمام المشاهد بها.
وتقول: ان تطور التكنولوجيا حاليا بات يتيح للفضائيات تناول الشأن العلمي بصورة أكثر شمولية، كما باتت بعض الفضائيات تغطي أخبار العلم في سياق نشراتها الإخبارية، وهذا الأمر جديد في العالم العربي. أي أصبحت المادة باتت مادة إخبارية أيضا وبتنا نرى أخبار علمية وسط المادة الإخبارية السياسية والاقتصادية، ما يعني ان مضمون الخبر تغير.
صناعة الحدث
أما الخبير في الإعلام المرئي المذيع نديم الحسن فيرى ان البرامج الصباحية تشترك في كونها برامج تفاؤلية وإيقاعها ينسحب على طول النهار ، وهي عبارة عن مجلة يومية شاملة منوعة بدءا من أخبار الطقس وانتهاء بالجديد في عالم الفن والثقافة والمواهب إلخ ، أي أنها تضم أكثر من موضوع في فترة المخصصة لها، كالطقس والتغذية والأخبار الطريفة إضافة إلى الحوار الرئيسي الذي يناقش شأنا عاما يعتقد ان غالبية الناس تهتم به، ولكن هناك اختلافات متنوعة بين كل برنامج واخر وفق سياسة إدارة الفضائية وفريق الاعداد العامل في البرنامج.
ويقول: لكن ما يؤخذ على هذه البرامج تكرارها للمواضيع والضيوف حتى الملل، ذلك أن فريق الاعداد الصباحي سيفقد قدرته الابداع إن لم يكن لديه القدرة على الانتاج والابداع، وبالتالي الوقوع في التكرار.
ويضيف، كما تجهد البرامج الصباحية ان تكون مختلفة بعد ان احتكرت السياسة وهمومها الساخنة هويتها المسائية. ولكن في كثير من الاحيان نجد ان هذه البرامج مجهولة الهوية لا لون ولا رائحة ولا طعم.
من هنا يجب البحث عن زواية جديدة أو مواضيع يصنع منها شيئا مهما. وهو ما تفتقده الكثير من الفضائيات. اي القدرة على صناعة الحدث وليس الحديث عنه وهو ما يجب على البرامج الصباحية الانتباه له.
ومن المطبات التي في العادة تقع فيها بعض البرامج يقول الحسن - أن ما تطرحه من المواضيع لا يهم شريحة واسعة من الناس، وهي بذلك تضيع وقتها عبر تقطيعه دون جدوى علمية مهمة، سواء من حيث المضمون أو الشكل، إضافة إلى كون العديد من هذه البرامج يمكن أن تصنف على أنها برامج مأساوية تتناول هموم الناس وهو ما لا يجوز فعله في البرامج الصباحية، فأبرز ما يجب رعايته هذه البرامج هو التفاؤلية، بمعنى عدم طرح هموم الناس صباحا.
يقول الحسن: صحيح أن من حق هذه الحالات المؤلمة أن تغطى إعلاميا، ولكن ليس في فترة الصباح.وإضافة الى ذلك يتناول الحسن قضية الحميمية بين المذيع والجمهور. فيقول: ما نفتقده هو المستوى الحميمي بين المذيع في هذه الفترة والجمهور، اضافة الى التفاعل بشتى الصور معهم.
وأضاف الجمهور بحاجة الى هذا التفاعل وتلك العلاقة الحميمية مع المذيع، مشيرا الى ان غالبية الجمهور لا يعرف من هو المذيع وبعض تفاصيل حياته التي يمكن ان يعرفها محيط عمله.
صباح الخير في أميركا
يؤكد يحي شقير أنه إذا ما أتيح للقارئ التعرض إلى بعض الفضائيات الأميركية أو الأوروبية فسيجد إن أفضل البرامج الإخبارية تقدم لفترتين الأولى الصباحية تلك التي تمتد من السادسة وحتى التاسعة صباحا والأخرى المسائية من السادسة وحتى التاسعة مساء. وهذا عكس البرامج الإخبارية في العالم العربي الذي يعتبر الفترة المهم هي المسائية فقط.
التلفزيونات العربية من عباءة الكسل الى الاستفاقة مبكرا
برامج الصباح تكاد تكون القاسم المشترك الأكبر في معظم شاشات البث الفضائية في كل أنحاء العالم وبالتالي فإن ثمة تصورات تكاد تكون متشابهة بين الآلية أو صيغة التنفيذ لتلك البرامج التي يجب ان تحقق تواصلا ما مع شريحة موجودة في بيوتات المجتمع العربي تهتم بالجاني العائلي إلى حد كبير في تعاطيها مع المادة الإعلامية والاجتماعية .
وبهذا تشير الأكاديمية والإعلامية الأردنية والمذيعة في الفترة الصباحية في التلفزيون الأردني د. لانا مامكغ فتقول إن هذه البرامج ظاهرة عالمية في كل فضائيات العالم، وليست مقتصرة على مجتمع من دون المجتمعات الأخرى، خاصة بعد أن تحول التلفزيون إلى كائن لا ينام. ففي السابق كانت التلفزيونات المحلية الرسمية كسولة وتصحو متأخرة.
وتضيف، مع بدء استيقاظ التلفزيون باكرا، ومن ثم إعلانه بأنه لن ينام لاحقا، بتدشين حقبة الفضائيات صار على هذه الفضائيات ان تفعل شيئا في الصباح الباكر. وفي البدايات كانت الكلمة للبرامج ذات الصبغة الرياضية التي تهتم بصحة البدن، وتنوعت هذه البرامج واختلفت في أشكالها، كما ظهرت برامج المطبخ، ولكنها اليوم ذات أساليب متعددة رغم افتقارها إلى العلمية.
ورغم إشادة مامكغ بالنموذج الأميركي إلا أنها تؤكد «لكل مجتمع خصوصيته، والبرنامج الأكثر نجاحا هو البرنامج الذي يستند أساسا على خصوصية المجتمع الموجه إليه مع الاستناد إلى ديناميكيات وحركة سريعة وقدرة مالية على التحرك.وتؤكد ما ينقص الاعلام العربي بصورة عامة الدراسات العلمية الاكثر عمقا، والتي تهدف الى رسم خريطة واضحة للمجتمع المتلقي لمعرفة مزاجه بصورة عامة.وتقول: لكل فضائية هدف أوسع تسير في فلكه ومن هنا تختلف الأساليب لاختلاف الأهداف الكبيرة.
وتتابع، هل نريد تعديل السلوك اليومي للمتلقي المواطن أو إعطائه المعلومة، أم نريد توجيهه فيما يتعلق بالسياسات الحكومية الرسمية كما تجري عليه الأمور في التلفزيونات الرسمية ام الارتقاء بالثقافة العامة لدى الملتقي ؟سؤال قد تتجاوز الإجابة عليه برامج الصباح التي يريدها المتلقي رشيقة وخفيفة وذات إيقاع سريع ومعلومات جاهزة .
حاجة إلى معلومة أدق واحتراف أعلى
ثمة من يقول أن برامج الصباح يجب أن تشتمل على معلومات دقيقة وواضحة في تعاطيها مع الشأن العام وبالتالي فإن بعض الخبراء يأملون ان يتم تحميل تلك المادة بمعلومات وتفاصيل إضافية ، وقال أستاذ الإعلام في جامعة اليرموك الدكتور تيسير أبو عرجة أن الإعلام العربي بصورة عامة يفتقر الى الدراسات والأبحاث التي تقاس خلالها درجة المشاهدة والمزاج العام للمتلقي، مشيرا إلى أن هذه الدراسات إذا ما أجريت في الوطن العربي ينقصها في العادة الكثير من الإجراءات العلمية المتبعة في مثل هذه الدراسات والاستطلاعات.
كما عاب د. أبو عرجة على الإعلام العربي بأنه لا يمتلك صناعة إعلامية، وقال: ما يوجد لدينا فضائية هنا وفضائية هناك، ومحطة هنا ومحطة هناك دون، في صيغ لا يمكن القول بأنها آلة إعلامية حقيقية.
اما الصناعة الإعلامية( والقول لخبير الإعلام العربي ) فهي أمر مختلف تستند إلى أسس إعلامية وإعلانية وسياسات مهنية لا تخضع إلى الفردية والمزاجية والتجريب.
وتابع: من ابرز العناصر الإعلامية الجادة هي إدارة حركة إنتاج بشكل فعال، ولكن ذلك غير موجود إلا باستثناءات هنا وهناك، أما المعظم فهو غياب الإنتاج الإعلامي العربي كصناعة راسخة.
ولكن لا يبدو على د. أبو عرجة التشاؤم فهو يقول ان العديد من الفضائيات العربية هي على الطريق من صناعة إعلام حقيقي، ولكن هذه الصناعة يجب ان تستند في تطورها على الديمومة والاستمرارية والخبرة الإعلامية العلمية.
عمان- لقمان اسكندر

