تمنيناها، بكينا الى ان امتلكناها... لعبنا بها ثم بثورة غضب طفولية حطمناها أو ببساطة مارسنا طفولتنا فتخلينا عنها لصالح لعبة اخرى وذكرى أخرى. ولو علمنا حينها، ان هذه الألعاب ستشكل جزءاً من حنينا وانها ستختفي كسنوات طفولتنا وتستبدل لاحتفظنا بها بصندوق عملاق ليس فقط بالذاكرة وانما في غرفة قد تصبح يوماً متحفاً كتحف Mint في سنغافورة.

متحف Mint ليس متحفا للنعنع. انه متحف من خمسة طوابق يحتوي في اربعة منها على خمسين الف لعبة جمعها صاحب هذا المتحف شانغ يانغ فا من اكثر من خمسة وعشرين بلداً كألمانيا واليابان وبريطانيا وبلغاريا والولايات المتحدة وغيرها وعلى مدار ثلاثين عاما.وتعود هذه الألعاب لفترة منتصف عشرينات القرن التاسع عشر الى منتصف عشرينات القرن العشرين. وكلمة mint هي اختصار ل` moment of imagination and nostalgia with toys.®. لحظة تخيل وحنين مع الألعاب هو فعلا ما ستشعر به في هذا المتحف.

شغف طفولة شانغ كبر معه، فلاحق الألعاب التي لا يملكها الى ان اصبحت ألعابه وان دفع ثمنها غالياً. بوباي حاضر على رفوف المتحف مع زوجته وبعينه المغلقة، فبوباي ليس بحاراً لكي يخفي عينه برقعة سوداء انما هو رجل مسن لذلك لا يقوى على فتح عينيه تماما... تعلم هذا التفصيل بعد ان تزور بوباي في mint. العاب شانغ يانغ فا مهندس الكهرباء، مقدّرة بمبالغ عالية وان كانت ليست للبيع، انما وجودها يدل الفضوليين على قيمتها. فالقيمة المرتفعة مرتبطة بندرة اللعبة، وندرتها مرتبطة بعمرها. الألعاب لا تعمر طويلا لأن الأولاد سرعان ما يحطمونها او يتخلون عنها. وهنا تكمن صعوبة تجميع هذه الألعاب لأنها لم تعد موجودة.

فما كان موجود تحطم ولم يعاد انتاجه من جديد فاستبدل بألعاب مختلفة وحديثة. ولكن الجديد لا يهم شانغ. فالجديد متوفر وبكثرة. هو يهتم بالنادر، والنادر عليك ان تبحث جيدا عنه لتجده.

وللبحث عن هذه الألعاب، يساعد شانغ امين متحفه ريتشارد تان لإيجاد ما هو نادر وليس موجود بعد في المتحف. اكتشف ريتشارد حبه للألعاب بعد ان كان مصمما للمجوهرات، رأى انه حين تستيقظ صباحاً ولا تشعر برغبة في الذهاب الى عملك يكون الوقت قد حان لتغير مهنتك.. وهكذا فعل.

يتشارك ريتشارد شغف تجميع الألعاب مع رب عمله وهو امر يصعب ألا تراه في حركاته وألا تسمعه في صوته حين يتحدث عن قصة لعبة ما. وتعرف من خلال جولة مع ريتشارد في المتحف ان ابشع الألعاب اغلاها.

فاللعبة البشعة لا يود صاحبها ان يبقيها لديه، ويدرك المصنعون لهذه اللعبة عدم شعبيتها فيتوقفون عن صنعها، فتصبح مع الوقت لعبة نادرة ومن يملكها يملك ثروة صغيرة تماما كلعبة ميكي ماوس بإحدى صيغه القديمة والتي بالطبع لم تعد متوفرة الا في mint.

قصص كثيرة يخبرك عنها ريتشارد، وهو بالإضافة الى كونه امين متحف mint، يدفعه شغفه للالعاب الى انشاء مجموعته الخاصة والتي كما يقول ليست ابدا بحجم مجموعة مرؤوسه، وانه في بعض الأحيان امتلك لعباً لا يملكها شانغ فأعطاه منها بعد ان طلبها الآخر... «فهو رب عملي».

يقول ريتشارد: ان هناك الكثير من الألعاب المخبأة في البلدان التي كانت مقفلة على نفسها اقتصاديا، بحيث انها تمنع دخول وخروج اي بضائع منها واليها ومن ضمن هذه البضائع الألعاب. وبما أنها مقفلة على نفسها فمن المحتمل ان ألعابها القديمة لا تزال داخلها وفرصة الحصول عليها الآن عالية.. اذن فما علينا الا ان نبحث هناك وشغفنا بالتأكيد سيدلنا عليها.

الألعاب بنسخها الكثيرة وتعديلاتها البسيطة كلها موجودة في المتحف. الشخصيات الفضائية والرجال الآليون، الدب تيدي.. ألعاب من القماش والمعدن والشمع والبلاستيك... كلها على الرفوف الى جانب صناديقها. فصندوق اللعبة يكمل قصتها ويخبرك عن اسمها وسنة صنعها والبلد المصنع وعرضها بجانب اللعبة يزيد من قيمة اللعبة ويدل على ان اهمية الصندوق لا تقل عن اهمية اللعبة.

ومن خلال الرسومات والألوان المنقوشة على العلبة ان تميز ايضا البلد المصنع. ففي السابق كان المجهود الشخصي واضحاً لأن الرسمات كانت تتم بشكل يدوي فتستطيع ان تميز من الألوان القوية او الهادئة البلد التي اتت منه اللعبة الآن بعكس الآن تماما، فكل الرسومات تتم بواسطة الكمبيوتر ولا يمكنك ان تلاحظ الفرق.. والحنين للألعاب الجديدة ورسومات علبها لن يكون ابدا كالحنين الى اللعب المعروضة في mint . تنظر إليها فتشعر فجأة بأنك طفل من جديد، او ان الطفل في داخلك ما زال يرغب باللعب. وتتساءل متى توقفت عن اللعب؟ ولماذا؟

تنظر حولك لتتأكد ان احداً لا ينظر اليك فتمد يدك على عضلات بوباي لتتأكد انه مازال يأكل السبانخ كما عهدته... تعود منزلك، وتبحث جيدا في خزانتك القديمة.. علك تجد ذكرى ما تغذي الحنين الذي حضر والذي تود لو تبقيه قدر الإمكان... ذكرى قد تحتل احدى رفوف mint فيفرح بها ريتشارد وشونغ... والطفل الذي مازال يلعب في ذاكرتك.

سنغافورة - رولا علي