فاتن حمامة نجمة القرن العشرين، تكاد تكون الوحيدة التي لم تندلع أي خصومات أو مشكلات بينها وبين أحد، لا على المستوى الإنساني، ولا في مجال الفن، ربما يرجع السبب إلى ذلك الصفاء، والسلام الداخلي الذي تتمتع به، وربما لرسوخ قدميها في عالم الأطياف، وربما لرقتها وحرصها على مشاعر الآخرين.
أيا كان السبب، فإن التاريخ السينمائي يشير بوضوح إلى أن فاتن حمامة، طوال حياتها، لم تهاجم فنانا أو فيلما، وإن كان عندها تحفظات هنا وهناك، فإنها تعبر عن رأيها على نحو متحضر، لا يخدش إحساس أحد.. حاولت أن أتلمس رأيها خلال الحوار التالي في النجوم الذين عملوا معها، ولكنها بحسم مغلف بلطف قالت:لا تحاول أن تجعلني أرتب أفضليات زملائي، فهذا التقييم هو دور النقد ومسؤولية النقاد. كل ما يمكن أن أقوله، بصدق، أني، حين أشاهد أفلامي، أحس بحنين جارف لزملاء وأساتذة الأيام الخوالي: حسين رياض، زكي رستم، فردوس محمد، زينات صدقي، إستيفان روستي، إسماعيل ياسين، وغيرهم، لكن لأمينة رزق مكانة خاصة عندي، حيث أفتقدها.
بعيدا عن الممثلين، والتقييمات، ألاحظ أنك تعاملتي مع أجيال متوالية من المخرجين، هل هناك فروق بين جيل وجيل؟ لا أميل إلى تصنيف المخرجين تبعا لأجيالهم، فلكل مخرج أسلوبه الذي يميزه عن زملاء جيله. وكلهم يمثلون السينما المصرية.. ألوان تتناغم أكثر مما تتنافر. محمد كريم: أفلام أنيقة في عصر مزدهر بالطموح، صلاح أبو سيف: المحلية الصحيحة والنزعة الواقعية الواضحة، عز الدين ذو الفقار: قوة الأسلوب وخصوصيته، كمال الشيخ: الاهتمام بالتفاصيل والمستوى الفني المرتفع، بركات: الرقة و الجمال وعمق العواطف.
«دعاء الكروان» مثل مصر في مهرجان برلين الدولي عام 1960، وعن دورك في هذا الفيلم حصلت على جائزة أحسن ممثلة، وعندما عرض (الحرام) في مهرجان كان عام 1965، كتب المؤرخ والناقد الفرنسي، جورج سادول، مقالة جاء فيها «خشيت أن يكون إعجابي بالفيلم لتأثري الشديد حينما شاهدته في مصر ولقائي بالمخرج هنري بركات.
إلا أنني بعد أن شاهدت الفيلم ثانية في المهرجان تأكدت من صحة رأيي، ويشاركني في ذلك نقاد كثيرون»، وذكر الناقد أحمد الحضري أن «تمثيل فاتن حمامة لدور عزيزة يبلغ حد الكمال.
لقد بلغت فاتن القمة في التعبير بملامح الوجه عن شتى المشاعر المختلفة. عندما رفض رئيس الأنفار اصطحاب الرجل المسن ضمن الترحيلة الأولى.. وعند محاولتها تغطية الموقف عندما لم يتمكن زوجها المريض من صعود العربة في المرة الثانية» وأكثر من مرة، صرح هنري بركات أن فاتن حمامة ممثلة عظيمة، وإلى جانب هذا فنحن نتفاهم بسرعة، وعمق، وهي أيضا النجمة الأولى بلا منازع.
طريقة حديثك عن هنري بركات، يا أستاذة، يتباين عن طريقة حديثك عن بقية المخرجين، فالمرء لا يحتاج لجهد كي يدرك أن بركات يحظى بمنزلة رفيعة عندك. أليس كذلك؟
من دون تردد، أجابت فاتن «ذوقه يتطابق مع ذوقي، إنه يحترم عين المشاهد وأذنه ومشاعره. الدمامة والألفاظ السوقية يرفضها كما أرفضها، فالفن لا ينقل الواقع بقبحه وفجاجته، ولكن يعبر عنه بطريقة جمالية».
كيف.. ألا يعني هذا تجميل الواقع وتزييفه؟
لا.. فمثلا، في (أفواه وأرانب) مشهد لعدد كبير من أبناء شقيقتي، يأكلون بسرعة من طبق فول.. ولأن بركات يتمتع بدرجة عالية من الإنسانية، فإنه تحاشى جرح عين المشاهد بمنظر الأطفال الجوعى وهم يلتهمون الطعام، واكتفى بأن ينتقل بالكاميرا من الأصابع بداخل الطبق، إلى وأنا أدخل من الباب لأضرب بكفي على صدري وأقول «ناقص تكلوني كمان» ثم يعود بالكاميرا إلى الطبق الذي أصبح خاويا.. هنا، يصل المعنى من دون أن يشعر المشاهد بالضيق أو الاشمئزاز من أطفال يستحقون الشفقة لا الازدراء..
أيضا في مشهد قتل هنادي في (دعاء الكروان)، لم نر نافورة دم مندفعة من جسمها إثر الطعنة، بل لم نر قطرة دم واحدة.. فقط رصدت الكاميرا علامات الرعب الممتزج بالألم والمفاجأة والذهول، على وجهي ووجه والدتنا، أمينة رزق، فملامحنا كانت تعبر عن الإحساس بالظلم والفجيعة والضعف، بطريقة أعمق من تصوير الدم المراق. هذا ما أقصده بالجمالية.. إنه ليس تزييف الواقع، ولكن تقديمه، مهما كانت قسوته، على نحو لا يخدش إحساس المشاهد.. ولا تجعله لاحقا، يأتلف مع الدمامة و الدم.
ألم تحدث أي خلافات مع بركات؟
كنا نتناقش، ونتفاهم، وكنت أثق فيه وأطمئن له، يوم رشح لي رواية (دعاء الكروان) للدكتور طه حسين، قرأتها وترددت، فالوصف يغلب عليها، ولكنه وعدني بسيناريو يكثف الوصف ويركز على الأحداث وينمي المواقف، وفعلا، هذا ما تحقق في السيناريو المحكم الذي كتبه بركات مع يوسف جوهر.. وبدوره، كان بركات يشعر بالراحة في التعامل معي.
هل شعر خيري بشارة أو داوود عبد السيد ببعض التوتر عند بداية العمل معك؟
ضحكت فاتن ضحكتها المقتصدة، من دون صوت طبعا، والواضح أنها استرجعت مواقف طريفة قبل أن تجيب: أنا التي أحسست بالتوتر، بل بالخوف، وأظن، أنهما في البداية، شعرا بنوع من التوتر.. في أول اجتماع مع خيري بشارة، فوجئت أنه جاء ومعه فايز غالي، كاتب السيناريو، والمصور طارق التلمساني، ومساعده في الإخراج، ومصمم الديكور، وواضع الموسيقى التصويرية..
ولاحقا، قلت له بود: هل جئت للعمل أم للدخول في معركة؟.. عموما، مع تدفق العمل، سرعان ما تذوب الثلوج وتزال الحواجز، خيري بشارة، يضفي جوا مرحا، لطيفا، أثناء العمل.. ويلجأ أحيانا إلى حيل بالغة الذكاء. في أحد المشاهد، كان علي، أن أعبر شارع رمسيس المزدحم بالعربات، مع أبنائي..
وترددت في تنفيذ المشهد، لكن، بإيعاز منه، أمسكوا الأولاد بيدي، وانطلقوا بي، من دون رحمة، عبر الشارع. ومع اقتراب السيارات وضجيج الأتوبيسات التي كادت تدهمنا، انزعجت بحق، فأخذت أشتمهم وأنا مندفعة معهم، وفي غاية الارتباك، إلى أن عبرنا الشارع. بعدها، ضحكنا كثيرا، وجاء المشهد على درجة كبيرة من الواقعية والصدق..
أما داوود عبد السيد، فقد عرفته وأعجبت به، عندما قرأت له سيناريو (الكيت كات)، فوجدت أنه يدرك الأمور بعمق، وأن بطله الضرير، المبهج، بأشواقه الإنسانية، من النماذج الموجودة فعلا في الحياة، ولم تقدمها الشاشة من قبل.. وعندما شاهدت (البحث عن سيد مرزوق) اقتنعت به تماما، فهو يتمتع بلغة سينمائية رفيعة من ناحية، و يقول جملة مفيدة في حياتنا من ناحية أخرى.. لذا تحمست للعمل معه في (أرض الأحلام)، الأقرب إلى الكوميديا الناعمة، الرقيقة.
كنت أظن أن إجابة فاتن حمامة عن آخر سؤال في جعبتي ستكون كلمة واحدة هي: لا.. لكني فوجئت بإجابة مختلفة، السؤال هو: هل هناك شخصية تمنيت أن تقدميها، ولا تزال تطمحين لأدائها؟
«فورا أجابت»: نعم.
ما هي ملامحها؟
إنها ليست روائية، ولكن إنسانية حقيقية. إنها، صفية زغلول، النموذج الرائع للمرأة العربية، رائدة الحركة النسائية، زوجة الزعيم سعد زغلول، التي أصبحت صلبة وأقوى بعد القبض عليها، وقامت بدور كبير في نشر الوعي بين أبناء الشعب، ونزعت الحجاب عن عقلها فعرفت الطريق نحو العمل البناء، والتي لقيت ما تستحقه من توقير، عندما سميت (أم المصريين).. لا أزال أحلم بها.
لملمت أوراقي وغادرت، في الطريق، تراءى لي عشرات النماذج الإنسانية التي أغدقتنا بها، فاتن حمامة، سيدة الشاشة العربية، عن جدارة.



