صاحب الثقافة الواسعة، السينمائي أحمد كامل مرسي، الذي أخرج فيلم (ست البيت) 1949، وعرف فاتن حمامة عن قرب، كتب عنها مقالة بديعة، يبين فيها، تكوينها النفسي، بعد أن رسم لها «بورتريه» أو صورة شخصية، حيث قال عنها: دقيقة الملامح، صغيرة الحجم، ذات جاذبية وذكاء فطري، معتدلة المزاج، سريعة البديهة، حاضرة الذهن، رقيقة المشاعر، لماحة الحس، بسيطة وطبيعية، وتعتبر بحق سيدة الفن الرفيع.

يستكمل أحمد كامل مرسي رؤيته التحليلية: إن فاتن حمامة، في حياتها، ليست تلك الفتاة الضعيفة المسكينة المظلومة التي ظهرت بها في بعض أفلامها، وليست الفتاة المهضومة الحق، المسلوبة الإرادة، التي تترك الظروف المحيطة بها تقسو عليها وتسلبها حقها في الحياة الكريمة.. إنها فتاة عاقلة في الحقيقة والواقع، لا تندفع في تصرف، فتاة تملك إرادة من حديد، ونظرة ثاقبة، إذا أرادت شيئا حققته دون حساب الصعاب والأقاويل، مادامت مؤمنة بصحته. وفي مواصلة للحوار مع سيدة الشاشة العربية أسألها:

هذا ما قاله أحمد كامل مرسي، فأين بطلاتك من هذه الملامح؟

القوة شرط من الشروط التي لا أتنازل عنها في الشخصيات التي أعيشها، وقوة المرأة لا تعني أن تكون مسترجلة، أو أن تتجنى على غيرها، أو أن تكون متسلطة، القوة عندي تعني الصمود في وجه عواصف الحياة، والمطالبة الجادة بالحقوق العادلة، والعمل على جمع شتات الأسرة وزيادة تماسكها، وفعلا، قمت بأدوار تتوافر فيها هذه السمات مثل (إمبراطورية ميم)، (أريد حلا)، (لا عزاء للسيدات)، (يوم مر .. يوم حلو)، (أرض الأحلام).. وقبل هذه المجموعة قدمت ..

«قاطعتها»، لكن، فيما قبل، قمت بأدوار البنت المغلوبة على أمرها، المنكسرة، واهنة الإرادة، كما في (ظلموني الناس) و(أنا بنت ناس) و(كاس العذاب).

لم تستجب فاتن حمامة لمحاولة استفزازها.. ياه، إنها أفلام الخمسينات، لقد مر عليها ستة عقود. لن أدافع عن هذه الأفلام، ولكن أريدك أن تضعها في سياقها التاريخي.. فأولا، لم تكن المرأة قد تحررت بعد، فأبواب المدارس والجامعات لم تفتح أمامها، على نطاق واسع، إلا في الخمسينيات.

وثانيا لم تسنح لها فرصة للعمل، إلا في مرحلة لاحقة، الوضع الذي عبرت عنه في أفلام الستينات، مثل (لا وقت للحب) الذي قمت فيه بدور مدرسة تنخرط في العمل الوطني، ضد الاحتلال، وتراهن بحياتها، في سبيل حرية بلادها، وهناك أيضا، المدرسة في (الطريق المسدود) التي تواجه بجرأة، رياء مجتمع منافق، وهذه المدرسة هي التي أصبحت، لاحقا الناظرة أو مديرة المدرسة في «ضمير أبلة حكمت».

عشرات المهن لم تكن متوافرة للبنت المصرية في الأربعينات، وبالتالي كان من المنطقي أن أكون بائعة اليانصيب في فيلم عائشة لجمال مدكور 1953، أو مجرد يتيمة في «اليتيمتين» لحسن الإمام 1948. ثم لا تنسى أن أفلام الخمسينات «بميلودراميتها» توافقت مع مزاج الجمهور حينذاك.

طوال حياتك الفنية، تمتعت بشعبية هائلة.. فلو أن أفلامك، في أواخر الأربعينات، تضمنت مواقف لشخصياتك، أكثر حسما وقوة، لكان دورها، في التنوير والتحرر، أوسع وأعمق، الست معي في هذا؟

لست صانعة أفلامي، صمتت فاتن قليلا، وبدا وجهها قد ازداد جدية، وبلا تردد قالت ان وعيي وإدراكي أيامها لم يكن كما هو فيما بعد. وأدواري، في أفلام مثل «ملاك الرحمة» و«ملائكة في جهنم» و«الملاك الأبيض» وكلها من إنتاج العام 1947، كانت ترضي طموحي كفتاة في العشرينات، تعشق التمثيل، وتتيح لها هذه الشخصيات فرصة الانطلاق والتحقق، إلى آخر مدى، حسب مفاهيم ذلك الزمان.

بماذا تشعرين عندما تشاهدين فاتن حمامة في أفلام الخمسينيات؟

لقد بدأت التمثيل بفيلم «يوم سعيد» الذي أخرجه محمد كريم عام 1940 وحينها كنت طفلة في التاسعة من عمرها، واستمر عملي حتى سنوات قليلة قبل الآن، قدمت الفتاة العربية في مراحلها المختلفة، المراهقة، الشابة، المرأة الناضجة، ثم الأم.. والمرحلة الأخيرة هي الأقرب إلى نفسي، والتي تمثلني تماما.. إن المسافة بين الآن من ناحية، وأفلامي القديمة من ناحية، هي جد بعيدة.. وعندما أشاهدها أحس وكأني أشاهد بطلة أخرى، وممثلة مختلفة عني.

هل تنزعجين من مشاهدة بعض أفلامك؟

لا أنزعج، ولكن أنظر لها بعين نقدية.

مثل ماذا ؟

لن أهاجم أفلامي.

ليس هجوما، ولكن أريد أن أعرف ما هي معايير عينك النقدية، والأفلام التي لا تفضلينها تنتمي لأي مرحلة، وهل يتعلق الأمر بتلك التي لم تحقق نجاحا؟

لا يتعلق الأمر بمرحلة أو مجرد نجاح أو فشل، ولكن يرتبط بروح الفيلم، ولكي أوضح فكرتي، سأعطي مثلا: «بين الأطلال» لعز الدين ذو الفقار 1959، يعتبر فيلما قويا، متكامل العناصر من الناحية الفنية، ويتجلى فيه أسلوب عز الدين ذو الفقار الرومانسي، الشاعري.

وقد أديت دوري على نحو مرضٍ، ونجح الفيلم نجاحا كبيرا، سواء على المستوى النقدي أو الجماهيري، ومع هذا فإن الفيلم، بالنسبة لي، الآن، مقبض وقاتم .. بطلته تعيش مكبلة في الماضي، بين أطلال متداعية. إن حمولته من الحزن بالغة الثقل.

لفت نظري أنها عندما تتحدث عن أدائها تستخدم جملة «الأدوار التي عشتها» وليس «الأدوار التي مثلتها»، وتعليقا على هذه الملاحظة، قالت:

فعلا.. لا أمثل أدواري، ولكني أعيشها.. أمتلئ بمكوناتها وأحاسيسها وأفكارها، لذلك فإني أعيشها تماما، منذ سنوات طويلة، ربطتني صداقة جميلة مع «جيرالدين شابلن»، ابنة الفنان العظيم «شارلي شابلن». حكت لي حكاية خاصة بها، أرضتني كثيرا، فعندما قررت الاشتغال بالسينما، عارضت والدتها بشدة، وأرسلت بخطاب إلى شارلي تطلب منه أن يمنع ابنته من التمثيل.

لكن شارلي، بعث برسالة إلى جبرالدين يشجعها فيها على العمل في الحقل الذي اختارته. فقط ينصحها بأنها، إذا أرادت أن تصبح ممثلة كبيرة، عليها أن تستوعب الشخصية التي ستؤديها، وأن تحس بها احساسا كاملا، ولا تحاول أن تمثل، فيكفي أن تتصرف وتعبر، بعفوية، وبلا تخطيطات صارمة.. عندئذ ستمثل جيدا.. قلت لجبرالدين وأنا سعيدة بهذا التنوير أنها عين طريقتي في العمل.

وجه فاتن حمامة بدأ مفعما بالحيوية أثناء حديثها عن أسلوبها في الأداء. أكملت «إني لا ألجأ إلى الصنعة، فالأداء عندي يختلف من دور لآخر. أتحاشى الكليشيهات، ولا أذكر أني قمت بالتدريب على انفعالات معينة مثل الخوف أو الضيق أو التوتر أو الألم.. فقط أعيش الشخصية، وأترك حرية التعبير عن الموقف لنفسي».

ألا تستوحي شخصيات من الحياة عندما تقدمين دور فلاحة أو سيدة متواضعة من شبرا؟

لا استوحى شخصيات في الحركة أو طريقة نطق الكلام، ولا أستحضر مواقف رأيتها أو قمت بها في أفلام سابقة.

إذا كيف تستلهمين التعبير عن مشاعرك.. ما الذي ـ على الأقل ـ يساعدك في الإبداع؟

لا أدري.. وأحيانا، عندما أشاهد نفسي على الشاشة، من الممكن أن أعجب بحسن التصرف، ودقة التعبير في هذا الموقف أو ذلك المشهد.. وأقول: كيف فعلت هذا.. ولا أجد إجابة محددة، لكن ثمة بعض الأشياء تساعدني بقوة على معايشة الشخصية التي أؤديها، مثل الملابس، وبعض التفاصيل الصغيرة، ومدى حضور بقية الشخصيات أو الممثلين..

المسألة، منذ البداية، تتوقف على إدراكي وامتلائي بالشخصية.. فإذا كانت متطورة، مثل آمنة في دعاء الكروان أو ثابتة مثل عيشة في يوم حلو.. يوم مر فإن الملابس، وطريقة المشي، والكلام، تتغير في الأولى، وتتأكد وتتعمق في الثانية.. في الكروان أبدأ مغطاة الجسم تماما، حتى وجهي أخفيه بالطرحة، كما لو أني أخاف حتى من الضوء..

وخطواتي مترددة، حائرة. لكن مع الاندماج في الحياة، وبعدما تعلمت القراءة، نزعت الطرحة وأصبحت عيناي أكثر قدرة على النظر إلى الناس، والأشياء، وغدت الخطوات أوضح ثقة، بل تغير الجلباب الأسود الطويل الذي يصل إلى الأرض ليمسي فستانا قصيرا إلى حد ما. ومع هذه التطورات الخارجية، تتم تطورات داخلية أيضا، تعبر عنها طريقة نطق الكلمات، ففي البداية تخرج الكلمات بصعوبة، وعلى استحياء، ثم، لاحقا، تخرج بوضوح، وبلا تردد.

لكن في يوم حلو..يوم مر أقوم بدور سيدة كاملة النضج، وبالتالي فإن معالمها وطباعها لا تتطور، فقط تزداد وضوحا، فالملابس، عندما أخرج، تبدو بسيطة، واسعة، تلائم سيدة بدينة نوعا ما، من شبرا.. وفي البيت ثمة إهمال للأناقة، فضلا عن منديل الرأس الذي أخلعه قبل النزول إلى الشارع.

في أفواه وأرانب، لا أمشي بقدر ما أهرول، مثل أي فلاحة شاطرة ونشيطة. لقد كنت أحس دائما أني أنزلت «البلاص» من فوق رأسي حالا، وأتحرك بهذا الإحساس.

يبدو أني سرحت قليلا مع صور فاتن حمامة على الشاشة التي تتراءى لي أثناء حديثها الممتع، الأقرب إلى الدرس الأخاذ.. وقبل أن أطرح سؤالي التالي، استكملت:

نقطة أخرى مهمة.. تتمثل في ضرورة حضور بقية الشخصيات أثناء تصوير اللقطات الفردية. بمعنى أنه إذا كان التصوير مركزا علي وأنا أكلم شخصا لا يظهر في الكادر، لابد أن يكون هذا الشخص موجودا بالفعل، والعكس صحيح، أن أكون موجودة إذا كان التركيز على هذا الشخص، الأمر الذي يساعد الجميع، ويحقق مستوى رفيعا.

هل تغيرت طريقتك في الأداء؟

لا أظن أو إن شئت الدقة، لا أعرف بالضبط. ولكن منذ سنوات طويلة، لم أعد أحب البكاء، و إن كان ـ كما قلت لك ـ يأتي أحيانا كضرورة.