الاحتفاء بفاتن حمامة، في جوهره، يعني الالتفات إلى جانب مضيء في حياتنا، واختيارها من مهرجان دبي السينمائي، كي تكون المكرمة في هذه الدورة، يثبت أن ذاكرة الضمير العربي، تنبض باليقظة والنزاهة، فالمشوار الذي قطعته فاتن حمامة، خلال ما يزيد على العقود الخمسة، وما يقرب من المئة فيلم، لا يزال، وسيبقى، حاضرا في وجداننا وعقلنا، وأن عطاياها الفنية الثمينة، محل تقدير رفيع، تستحقه عن جدارة.

تكريم فاتن حمامة، جاء على نحو يليق بها، متوافقا مع شخصيتها، بسيطا ودافئا وصادقا، حضره، في فيلتها الرقيقة، عدد قليل من أحبابها، فهي لم تعد تتحمل الزحام، و لا تتحمس للسفر، ولكنها استعاضت عن هذا وذاك بتسجيل فيلم يرصد لحظات تكريمها، يصوره الموهوب رمسيس مرزوق، المعروف بدقته، واهتمامه بالتفاصيل، الذي حضر، قبل الموعد بساعات عدة، مع رجاله ومعداته، كي يجري الاستعدادات اللازمة.قبل وصول عبد الحميد جمعة، رئيس مهرجان دبي، طالعتنا فاتن حمامة، بفستان أزرق، لونه مريح للعين، ومن دون إكسسوارات، وبماكياج خفيف، وابتسامتها النابعة من القلب، تشعرك بالألفة. لم التقيها منذ سنوات، منذ آخر حوار أجريته معها، وكما لو أن الزمن لم يمر، ذلك أن الحديث معها يتواصل في آخر جملة توقفنا عندها.

بالزي الخليجي الأبيض، وأمام عدسات ثلاث كاميرات، وقف عبد الحميد جمعة أمام فاتن حمامة، ليقدم تميمة التكريم: نموذج لبوبينة شريط سينما على قاعدة قوية وراسخة، وبعد التصوير اكتشف رمسيس مرزوق، بعينه المتمكنة، أنه إذا وضع لمبة في الزاوية اليسرى، ستكون الصورة أكثر نضارة.بعد التعديل أعيد التصوير مرة ثانية، لكن رمسيس مرزوق، رأى أن زحزحة كاميرا المنتصف إلى اليمين قليلا، ستجعل (الكادر) أفضل، عقب إجراء اللازم، أعيد التصوير مرة ثالثة، وببساطة شديدة، أعلن رمسيس مرزوق أن إبعاد المقعد من الخلفية سيؤدي إلى التركيز على كل من فاتن حمامة وعبد الحميد جمعة الذي أبدى دهشته في تكرار التصوير، وفي الوقت ذاته أعرب عن تعاطفه مع فاتن حمامة التي أرهقها حمل التميمة. التفت لي وقال: قلت لهم أن يخففوا من وزن رمز التكريم.

الوحيد الذي كان مسرورا، ومستفيدا، من هذه الإعادات، هو أنا، ذلك أن المسافات الزمنية بين هذه الإعادات، أتاحت لي فرصة استكمال المساحات التي أريد تغطيتها في الحوار، فالحديث الممتع مع فاتن حمامة، يبدو كما لو أنه بلا نهاية، أو على الأقل لا يريد المحاور أن ينتهي، فثمة دائما، جانب قد يعلوه ضباب، من الصعب أن ينفذ له أحد، سوى فاتن حمامة نفسها، خصوصا مع كبار كتابنا، الذين عرفتهم عن قرب، وشكلوا جزءا حميما من ذاكرتها الصافية، الفكرية والإنسانية، وكان مدخلنا إلي هذا الجانب هو يوسف إدريس. ولاحظت أن وجهها اكتسى بالبهجة وهي تتحدث عنه.

أحببت كتابات يوسف إدريس، فبالإضافة للغته الآسرة، التي تستدرجك معها عبر الصفحات، تجده يتمتع بنفاذ بصيرة مدهشة، فهو يتفهم دوافع أبطاله لهذا التصرف أو ذاك، مهما كان هذا التصرف يبدو غريباً أو شاذاً. إنه يفسر، بوضوح، ما قد يعصى على التفسير، والكثير من قصصه تتمتع بطاقة كوميدية كبيرة، لعلك تتذكر (أكان لابد أن تضيئي النور يا ليلى)، حين يترك الرجل الورع المصلين سجدوا ليذهب إلى البيت المقابل، بسبب غواية فتاة جميلة.

وفي (سيدة من فيينا) وصف بالغ الطرافة لرجل قاهري يحاول لفت نظر امرأة نمساوية فيلجأ إلى الطريقة المصرية، يسبقها بخطوات، يدور نصف دوره ليسير في مواجهتها، ثم يسير إلى جانبها، وهكذا مرات عدة، لكن إلى جانب قصصه ذات الطبيعة الساخرة، هناك رواياته الواقعية، المتسمة بواقع مأساوي، عميق التأثير. أتذكر جيدا يوم قرأت (الحرام) في جلسة واحدة، لم أنم طوال الليل، استولت علي (عزيزة) بطلة الرواية، وفي الصباح الباكر أرسلت الكتاب للعزيز هنري بركات، وأخطرته بأني أتمنى أداء هذه الشخصية.

إنه العمل الوحيد الذي قدمتيه ليوسف إدريس.لا، هل نسيت (لا وقت للحب) الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1962، أي قبل (الحرام) بثلاث سنوات. شخصية (فوزية) هنا لا علاقة لها بنموذج الفلاحة التعيسة (عزيزة) المغلوبة على أمرها. في (لا وقت للحب) تنصهر (فوزية)، المدرسة، في بوتقة النضال الوطني بتأثير حبها للفدائي (حمزة) الذي قام بدوره رشدي أباظة، وسواء في (لا وقت للحب) أو (الحرام) كان يوسف حريصا على الحضور أثناء التصوير.

ويمكن القول انه متوقد الذكاء، له نظرته الخاصة للأمور، ودائما، عنده مشروعات لاتتوقف، قصص وروايات ومعالجات سينمائية، يتحدث بحماس عن تفاصيلها، وبالطبع الكثير منها لا ينفذ، ذلك أنه بذات القدر من الحماس، ينتقل لغيرها.. في إحدى المرات، عقب احتراق دار الأوبرا المصرية، أخذ يروي عن قصة ذات مغزى سياسي، تدور حول امرأة تدخل السجن بدلا من زوجها، وبعد سنوات طويلة تخرج من وراء القضبان فتجد أن كل شيء قد تغير للأسوأ، وأن تضحيتها كانت بلا طائل.

لم يكتب يوسف إدريس هذه القصة، ولا عشرات القصص التي حكي عنها، فهو متوهج بالأفكار والخيال، يفتح أمامك آفاقا واسعة، كانت الساعات تمر معه كأنها لحظات. في قائمة أفلامك المأخوذة عن أعمال أدبية ألاحظ أنها تخلو من روايات نجيب محفوظ.

حين انتبهت السينما لروايات نجيب محفوظ، كنت في مرحلة عمرية تجاوزت أعمار بطلاته، كما لم أكن قد وصلت إلى سن الأمهات في أعماله، لذا فاتني قطار روايات نجيب محفوظ لكن علاقتي الفنية به بدأت مبكرا، من خلال السيناريوهات التي كتبها أو شارك في كتابتها، من (لك يوم يا ظالم) لصلاح أبو سيف 1950، حتى (إمبراطورية ميم) لحسين كمال 1972.

أما من الناحية الإنسانية، فإن نجيب محفوظ من أظرف وألطف من قابلتهم، يدرك المفارقات في المواقف، يفاجئك بتعليقات ساخرة، شديدة العمق، لا تخطر على بال.

وماذا عن يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس؟

يوسف السباعي إنسان دمث، مهذب وجاد، يعشق العمل، وهو رجل خدوم، لا يتردد أبدا في مساعدة من يقصده. «تجهم وجه فاتن حمامة قليلا عندما بدأت تتحدث عن دورها في فيلم (بين الأطلال) ولكني فضلت تأجيل الحديث عن هذا الفيلم كي تستكمل حديثها عن إحسان عبد القدوس». علاقاتي مع إحسان علاقة أثيرة، شفافة تماما لم تكن علاقة عمل ناجحة وحسب، بل علاقة أسرية، فيها من التآخي الشيء الكثير، نتزاور، نقضي أجمل الأوقات في بيتينا وبين أولادنا. إنه رجل صادق، نزيه، رؤيته للحياة صافية، وأفكاره وإن كانت نقدية إلا أنها صحيحة.

قدمت له أول أعماله على الشاشة، (الله معنا) الذي أخرجه أحمد بدرخان 1955، وتوالت الأفلام المعتمدة على رواياته: (لا أنام) لصلاح أبو سيف 1956، (الطريق المسدود) 1958، (لا تطفئ الشمس) 1961، والفيلمان من إخراج صلاح أبو سيف، ثم (الخيط الرفيع) لبركات 1971.

قال لي صلاح أبو سيف، ذات مرة، أنك كنت مترددة في قبول تمثيل دور نادية في (لا أنام). إحسان عبد القدوس من أرهف كتابنا في الإحساس بنبض البنت المصرية، يدرك أشواقها للحرية، وبطلاته يتمتعن بقدر لا يستهان به من الصلابة، وهذا ما جعلني أحبهن وأحترمهن، وبعضهن يتمردن، وقد يجنحن نحو الشر.

كما الحال لبطلة (لا أنام) و أنا لم أتخوف من القيام بدور نادية، ولكن المحيطين حولي هم الذين ترددوا، بإدعاء أني سأشرخ صورتي عند المشاهدين، وقد حدث أثناء عرض الفيلم، وكنت أجلس مع أسرة الفيلم في بلكون سينما ميامي، صاح أحد المتفرجين من الصالة قائلا «أهذا دور تمثيليه يا فاتن حمامة»، الجمهور تعود على صورة معينة بالنسبة لي، لذا أرقني الفيلم وكانت شخصية نادية الشريرة نوعا ما صادمة.

هل تفضلين الشخصيات المعتمدة على أعمال أدبية؟

ليس بالضرورة، ولكن الكثير من بطلات الروايات التي مثلتها كانت موفقة. الأعمال الأدبية قدمت مادة ثرية للشاشة. في المقابل، أسهمت الأفلام في ترويج الروايات وجعلتها أكثر جماهيرية.

كيف أسهمت أفلامك في لفت الأنظار إلى الأعمال الأدبية؟

لا أقصد أفلامي بالتحديد، لكن أتحدث عن السينما بوجه عام، وأيضا لا أقصد روائيين مثل إحسان عبد القدوس ويوسف إدريس ويوسف السباعي، أو غيرهم من ذوي الشعبية العريضة، لكن فيلما مثل (الباب المفتوح) المأخوذ عن الرواية الوحيدة التي كتبتها الدكتورة لطيفة الزيات، وأخرجها بركات 1963، كان لها صدى طيبا، زاد من رواج الرواية.

القاهرة ـ كمال رمزي