كان من المقدر أن يبقى الفنان زهير رمضان أسير أدوار الشر التي التصقت به في أعمال تلفزيونية عدة؛ منها شجرة النارنج، الشريد، ودمشق يا بسمة الحزن، إلا أن الرجل سرعان ما كان يحمل تلك الأدوار إلى مساحة طريفة تثير الضحك أكثر ما تثير الغضب من شر الشخصية.
وخلال الأعوام السابقة نجح الفنان رمضان بتكريس صورة جديدة له بوصفه فناناً كوميدياً من الطراز الرفيع؛ فإذا كان ركناً أساسياً في فريق مسلسل (ضيعة ضايعة) من خلال شخصية المختار (بيسة)؛ فالكثيرون اعتبروه نكهة مسلسل باب الحارة ومحرك الضحك الأساسي فيه. ولم يكن مسلسل (باب الحارة) نقطة تحول في حياة الفنان زهير رمضان بقدر ما كان الفنان رمضان يحدث نقطة تحول بطبيعة شخصية رئيس مخفر كما اعتدناها في مسلسلات البيئة الشامية شخصية نمطية، حين قدم شخصية أبو جودت رئيس المخفر في (باب الحارة) بصورة مغايرة تماماً للصورة التي ظهرت فيها شخصية رئيس مخفر سواء في ليالي الصالحية وأيام شامية والخوالي، وغيرها.
* ولكن كيف استطاع الفنان رمضان الانقلاب على تلك الصورة النمطية لرئيس المخفر؟! ـ يقول الفنان زهير رمضان: بداية أعدت نص مسلسل (باب الحارة) للمخرج بسام الملا أربع مرات، فشخصية رئيس المخفر في كل أعمال المخرج الملا كانت عبارة عن جسر ومعبر للشخصيات الأخرى، ولم تكن تعجبني، ولكن المخرج الملا كان مصراً أن أقدم دور رئيس المخفر (أبو جودت). وعندها طلبت أجراً مرتفعاً، عسى أن أتخلص من أداء الشخصية، فأعطوني الأجر الذي طلبته، ولكن المخرج بل طلبني إلى بروفة قراءة، وكأنه آنذاك كان يريد اختبار زهير رمضان على صعيد الممثل وربما اللهجة الشامية. وكنت أتساءل لماذا يخصني المخرج الملا بالتحديد بالقراءة دوناً عن الموجودين جميعاً في بروفة الطاولة؟ حتى إنني شعرت بأنني مستهدف، وكنت أقول له في قرارة نفسي: افعل ما بدا لك، فأنا في آخر الأمر سأنتهي من القراءة وألقي بالنص جانباً وأعود إلى بيتي.
إلا أنه في النهاية أجرى تقييماً للمسوغات والنتائج وقال: إن الشخصية تناسبك وما يهمني هو اللهجة، لأن (أبو جودت) في هذا العمل شخصية شامية خلافاً لكل رؤساء المخافر في الأعمال السابقة فهم ليسوا بالضرورة أن يكونوا من الشام أما في باب الحارة فأبو جودت هو ابن الشام، لذا يجب الاهتمام بموضوع اللهجة، وبالمقابل يمكنك أن تفعل بالشخصية ما يحلو لك.
وبذلك كان المخرج بسام الملا ينحو باتجاه اللهجة في شخصية أبو جودت وتركني لأنحو بدوري باتجاه استخراج حالة جديدة من الشخصية لا تكون عند غيري.
وهل هذا تفسيرك لزيادة عدد مشاهدك في المسلسل آنذاك من 20 مشهداً إلى 140 مشهداً؟
الوسط الفني يضم ثلاثة أنواع من المخرجين؛ النوع الأول صار مخرجاً بالاسم وقدراته محددة وملكاته متواضعة لا يسمح لك أن ترتجل وتبدع، لذا يريد تقييدك بالنص وبحركتك من خلال وجهة نظره، وهذا النوع لا أتعاطى معه نهائياً، أما النوع الثاني فملكاته متواضعة أو هي بدرجة وسط يعطيك مساحات من الحرية كي تشتغل ويؤمن بما لديك، هذا النوع اشتغل معه، والنوع الثالث هو مخرج مبدع يملك فكراً خلاقاً متمكنا من أدواته ويثق بالآخر ويعطيك المساحة لإطلاق القليل من التفاصيل على الشخصية المسندة إليك كفنان، هذا النوع من المخرجين هو من أحبه، وهو يخلق لدي حالة الاستمرارية للعمل معه.
ومع هذا المخرج قد أبدأ بشخصية صغيرة جداً وبسيطة لكنها مع الزمن تتطور فأبدأ بعشرة مشاهد لتصبح 140 مشهداً.
بدأ المخرج كمال مرة بكتابة الجزء الخامس لمسلسل (باب الحارة) فهل سيكون الجزء الأخير للمسلسل؟
نعم تقرر استمرار المسلسل لجزء خامس، ولكن لا أعرف إن كان جزءاً أخيراً أم لا، لكن ما أعرفه أن المسلسل سينتهي بموت (أبو جودت) حسب ما قاله المخرج بعد نقاش بيني وبينه فقد كان يريد أن يتوب أبو جودت في نهاية المسلسل، لكن رأيي كان أن أبو جودت يجب أن يموت، لأن هذا هو مصير كل خائن، والخائن يجب أن يعاقب ويدفع ثمن خيانته.
في رأيك، هل يمكن أن يعود أبو عصام إلى الجزء الخامس من (باب الحارة)؟
في رأيي لن يعود، وهذا هو الأفضل من وجهة نظري بالنسبة لعباس النوري وبسام الملا. ولاسيما بعد الضجة التي حدثت من الجزء الثاني وحتى الآن، وأخشى ما أخشاه ألا تلبي الشخصية في الجزء الجديد ما يتأمله المشاهد وهذا ما قد ينعكس سلباً على الشخصية والعمل والمخرج على حد سواء، فنحن لا نستطيع أن نخمن برد فعل الشارع العربي.
ألا تعتقد أن من أكثر المستفيدين من عودة (أبو عصام) هو أبو جودت باعتبار أن (أبو عصام) يمثل الضمير المعاكس ل(أبو جودت)؟
أعتقد أن من أكثر المستفيدين من (أبو جودت) هي الـ «ام بي سي»، وبالنسبة ل(أبو جودت) لامشكلة لديه لأن هناك الكثير من الخيارات أمامه غير (أبو عصام)، فأي إنسان في حارة الضبع خيار. وبالمقابل فإن شخصية أبو جودت هي شخصية فاعلة لا يمكن تمويتها لأنها تحقق حضوراً مهماً في المسلسل على صعيد الدراما والصعيد الجماهيري.
يُقال إن باب الحارة أعطى النجومية لفنانين لا يستحقونها، وأن المسلسل يضم ممثلين قلائل ومؤدين كثراً؟
لا أريد الدخول في تعريف النجومية، لكن أتذكر هنا قول المخرج (ستانسلافسكي) حين أشار إلى أنه لا توجد أدوار كبيرة، ولكنّ هناك ممثلين كبارا وليست هناك أدوار صغيرة، ولكنّ هناك ممثلين صغارا، وهذا يصح في مسلسل باب الحارة، ودليل ذلك الممثل مصطفى الخاني الذي حصد اهتماماً كبيراً منذ أولى مشاهده في الجزء الرابع من المسلسل.
وأخيراً بدأ تم تصوير الجزء الثاني من مسلسل (ضيعة ضايعة)، على الرغم من أنه سبق وقيل إن ما من جزء ثان للمسلسل فما الذي استجد في هذا الأمر؟
هذا الأمر مرتبط بجهة الإنتاج، ومع أنها كانت طلبت منذ البداية 60 حلقة إلا أن التخوف من المخاطرة وعدم وجود أفكار جديدة هو ما جعل المسلسل يقتصر على 30 حلقة، حتى في الجزء الأول لو كانت هناك حلقات مكتوبة لأكملنا التصوير.
كيف هي استعداداتكم الآن للجزء الثاني من المسلسل؟
مقبلون بخوف واهتمام أكثر، لأن النجاح يشكل حالة هاجس وقلق، ولأنه يجب أن ننجز عملاً أفضل من العمل السابق، فإذا صورنا جزءاً بمستوى الجزء الأول فإننا نكون قد تراجعنا، وهذا يعتمد على النص والأفكار التي يمكن أن تفتح لنا آفاقاً أوسع.
إلى ما ترد نجاح الجزء الأول من (ضيعة ضايعة) وتضعونه الآن نصب عيونكم في تنفيذ الجزء الثاني؟
العمل كان جماعياً ومتكاملاً؛ بدءاً من الكاتب، مروراً بالممثلين وانتهاء بالمخرج. وهذا هو السبب الأساسي لنجاح ضيعة ضايعة، فالممثلون أبناء هذه البيئة ومتفاهمون وأمزجتهم متقاربة، وكل فرد في المجموعة بمن فيهم المنتج اعتبر هذا المشروع مشروعاً مشتركاً، حتى إن الأمر وصل إلى حالة من التحدي من قبلنا جميعاً، هل من الممكن أن ننجز شيئاً مهماً جداً من خلال شيء بسيط؟!، والكثيرون تفاجأوا بالنتيجة الضخمة لضيعة ضايعة.
هل سيكون في الجزء الثاني الفريق نفسه؟
نعم نفسه، سواء الطاقم الفني أو التمثيلي. لكن مع تبديل بسيط هو تغيير بيت أسعد وجودة.
دمشق ـ ماهر منصور


