«لا أستطيع أن أبتعد عن أحفادي، فهم حياتي كلها، فعلى الرغم مما يفعلونه معي من مواقف كثيرة، فإنني أضحك من داخلي على أفعالهم؛ لأنهم أطفال، ويريدون أن يلهوا ويلعبوا، هم يعتبرونني صديقة لهم.

لقد عاد شبابي مع أحفادي، وشعرت بأن لي دورا وقيمة بعد زواج أبنائي»؛ هذه كانت كلمات جدة عبرت عن سعادتها بوجودها في بيت واحد يجمعها مع أبنائها و أحفادها، و لكن في الجانب المقابل لا ننكر أبدا الطفرة الاقتصادية التي حلت على مجتمعنا، الأمر الذي شجع الأبناء على الاستقلال في منازلهم الخاصة، بعيدا عن آبائهم وأمهاتهم، متناسين أن وجود هؤلاء بينهم رحمة، وبركة.. (الحواس الخمس) سلط الضوء على هذا الموضوع ضمن السطور التالية: ماجد محسن الملا يقول: الجدة امرأة ذات خبرة في الحياة تقدم المشورة والنصيحة، وأحيانا كثيرة يمكن أن تقدم حلولاً لكثير من المشكلات التي تواجه الأزواج في حياتهم نظرا إلى خبرتها في الحياة، ويمكن أن تكون قد مرت بهذه المشكلة في حياتها من قبل، وبالتالي فوجودها يمكن أن يكون ذا قيمة.

ويضيف: كما أن الجدة تلعب دورا كبيرا مع الأحفاد، فالمربي دائما يأمر وينهي، ويعاقب، لكن الجدة يحبها الطفل؛ لأنها تعطي، وتوجه، وتنصح بحب أكثر مما تعاقب، وتلبي رغباته، فالجدة هنا تستعيد مشاعر الأمومة مع الأحفاد، وكثيرا ما يفرح الأبناء بوجودها معهم؛ لأنها تعطيهم الحنان الذي قد يكون مفتقدا من الوالدين، فهي تغدق عليهم بحنانها، ولهذا يكون للحفيد استعداد لأن يتقبل منها أي شيء، ويقبل منها النصيحة ويسمع كلامها. وألاحظ أن بعض الآباء والأمهات عندما يريدون توصيل شيء معين للطفل، فإنهم يلجأون للجدة، وهى بدورها توصله للطفل دون نهي أو أمر، ولكن بالحب والحنان. ويشير علي المازم إلى أنه ليس مستحباً ترك الجد والجدة، خصوصاً إذا لم يكن هناك من يرعاهم، ويعيشان لوحدهما، والسبب أن قيمنا الأخلاقية وديننا قبل كل شيء يحثنا على احترام والدينا، ومنهم الجد والجدة؛ فالشخص الذي لديه وازع ديني قوي لا يمكن أن يترك والديه بمفردهما سواء أكان هذا الوالد أباً أو أماً أو جداً أو جدة، ولكن قد يوجد في المجتمع من هم ضعيفو الوازع الديني الذين لا يهتمون بوالديهم، والذين أخذوا الجانب السلبي من الحضارة والتمدن، ولكن مجتمعنا لا يزال بخير، وهناك الكثير الذين يقدرون الكبير ويحترمون الصغير.

وتوضح عبير أحمد علي أنه لا شك أن تآلف ثلاثة أجيال في بيت واحد يؤدي إلى بث روح الترابط والتماسك الأسري بين الأفراد، وغرس الكثير من القيم الأخلاقية التي يتعلمها الجيل الأصغر من الجيل الأكبر ولكن هذه الأجيال الثلاثة كانت تعيش بالأمس معاً عندما كانت الحياة متواضعة والمستوى الاقتصادي ضعيفاً والسكن يسع من يسكن فيه. أما اليوم وفي هذه الرفاهية التي يعيشها المجتمع بسبب ضيق المساكن بما فيها من أفراد وحب الاستقلالية والنزعة الفردية وبسبب التغير في السلوك والاستهلاك وشروط أهل الزوجة! نادراً ما تجد هذه الأجيال الثلاثة تعيش في سكن واحد... منى عبدالله المهيري، موظفة تقول: تعيش جدتي وجدي في منزل قريب منا، ونتجمع نحن الأحفاد والأسرة عندها يوم الجمعة، فهو يوم جميل وسعيد بالنسبة لنا جميعا، حيث يرى كل الأبناء والأحفاد بعضهم، ويجلسون معاً، ويعرفون أخبار بعضهم، وتصنع لنا جدتنا ما نحبه من الطعام، وتصر على ذلك على الرغم من وجود زوجات أبنائها وبناتها، وتجلس معنا نحن الحفيدات، وتعطينا ثمار خبراتها وتجاربها.

وقد نصحتني كثيرا عند زواجي، واستفدت من نصائحها، فجدتي حكيمة، وواعية في فض أي اشتباك بين أبنائها أو زوجاتهم.

وتحكي العنود جاسم آل علي قصتها الحميمية مع جدتها قائلة : جدتي كان لها فضل كبير عليّ بعد الله تعالى؛ فقد ضمتني إليها منذ السنوات الأولى من عمري وعشت معها سنوات طويلة، كانت لي فيها المربية والموجهة والحانية والراعية. منها تعلمت المواظبة على صلاة الفجر، والتزام الدعاء، والكرم، فعلى الرغم من أنها بسيطة وغير متعلمة؛ فقد كانت تتعامل بفطرة سليمة تلتقي مع مبادئ الإسلام وتوجيهاته الحكيمة.

ولم تكن يوما عالة على أحد، فقد كانت تساعد في أعمال البيت، وتغضب إذا منعها أحد من ذلك؛ لأن لديها طاقة لا تريد تعطيلها.وحتى عندما وصلت إلى مرحلة الجامعة ظلت ترعاني حتى أنها كانت تقدم لي وصاياها كل صباح، وعندما توفاها الله فقدنا نبعا للخير والبركة، وعقدا لصلة الرحم انفرط.

ويؤكد أحمد عبيد الظاهري، موظف، أن الجد والجدة في الغالب أكثر حباً وعطفاً من بعض الآباء والأمهات تجاه الأبناء، خصوصاً في هذا العصر، حيث إن الآباء أصبحوا أكثر عملاً وانشغالاً عن ذي قبل، أيضاً الأمهات.

خاصة جيل المعلمات والموظفات حيث تقل درجة العطف والحنان عند البعض وقد يصل ببعضهم إلى ترك الأبناء مع العاملات المنزليات فترة طويلة، وهذه مشكلة تحتاج إلى وقفة، حيث أصبحن في الفترة الأخيرة عاملات ومربيات في الوقت نفسه، مما أدى إلى إلغاء دور الأم في بعض الأسر أحياناً.

ولذا فإن الآباء والأمهات هم الأصل والأساس في وجود الأسرة بعد عناية الله، عز وجل، فإذا كانت القاعدة على أساس قوي ومتين كان الأبناء ثمرة التربية اليانعة، وإذا كانت خلاف ذلك؛ فإنه يشوبها التصدع والتباعد.

دبي ـ جميلة إسماعيل