تشعر الدولة بالفخر أنها تمكنت من دمج مجتمع (البدول) في طقس سياحي يشكل اليوم أهم روافع السياحة الاردنية في المدينة الوردية (البتراء). «في البتراء البشر والشجر مشغولون بالسياحة»، يقول الخبير في الشأن السياحي ابن المنطقة حسين السلامين.

رجل الأمن، وبائع التحف البسيطة، وسايس الابل، وفارس الخيل، والطفلة الصغيرة، والشاب صاحب اللكنة الانجليزية البدوية الذي ينتظر أن يلتقي بصديقته السائحة، تلك التي تعرف عليها مساء أمس وتواعدا اللقاء اليوم.. هم جميعا من قبيلة البدول أهل البتراء، وهم جميعا من جعلتهم الدولة حراس البتراء وسياحها.في بدايات القرن العشرين، بدأ السياح بالتوافد على البتراء التي تقع على بعد 262 كيلومترا الى الجنوب من عمان، كما بدأت البعثات الأثرية منذ مطلع القرن الماضي بالعمل الجاد في المدينة، فحصل أبناء عشيرة (البدول) على مصادر دخل جديدة بتعاملهم مع الأجانب، مما عوضهم عن توقف الرحلات التجارية التى كانت تصل معان بغزة قبل ظهور الحدود.

ويرتاد المدينة الوردية أكثر من ثلاثة ملايين سائح سنويا من كل أطياف العالم، وهم جميعا تحت ضيافة قبيلة البدول.وأفرز النمط السياحي الذي تعاطت معه الدولة بوصفه نشاطا اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، شكلا مغايرا لعلاقة أهل البتراء المعاصرين بزائريهم، ولكن هذه المرة من السياح وليس من الغزاة.وعلى حسب تعبير السلامين، فإن « الأجنبيات الذين (يسيحون) في حر البتراء معجبات بشبابها، ومن هنا تكثر الزيجات بين شباب القبيلة والسائحات» مشيرا الى ان الشباب البتراء من يتعرضوا للخطبة وليس العكس.ولا أحد يعرف بالضبط لماذا ترغب السائحة بشباب البدول ، ولكن هناك مقولة سائغة لدى محيط البتراء تقول: «إنهن يعشقن خشونة الحياة البداوة العربية».

و«البدول» عشيرة أردنية تضاربت المعلومات حول أصولهم فمنهم من يقول إنها إحدى قبائل الحويطات المقيمة تاريخياً في مدينة البتراء الأثرية، الذين استعملوا أراضيها للزراعة، ولرعي ماشيتها، واستعملت كهوفها للتخزين والسكن احتماءً من برد الشتاء، إلا أن البعض يرى أن إضفاء سحر (أحفاد الانباط) على (البدول) مرده هدف سياحي، وأنهم لا ينتمون للانباط بأية صلة، وأن تاريخهم في البتراء لا يتجاوز المئة عام وأن أصلهم من وادي عربة.

ويشير أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية موسى شتيوي الى ان البدول يؤمنون أنهم الورثة الحقيقيون للأنباط، إلا أن روايتهم تلك غير مسندة على دليل علمي.

وما يؤهل شتيوي للحديث تحديدا عن عشائر البدول ليس أنه من أهم علماء الاجتماع في الاردن وحسب، بل إنه أكثر من ذلك، الرجل الذي عاش فترة دراسته الجامعية بينهم، ثم عاد إلى المدينة باحثا في أواسط التسعينات من القرن الماضي، وهو لا يزال يحتفظ في الذاكرة بكثير من ملامح حياتهم الطيبة، كما يقول.

ويسكن البدول اليوم قرية (أم صيحون) التي انشئت عام 1985، وهي قرية بدوية قررت الدولة إشراك أهلها في الاستراتيجية السياحية في البتراء، ولكن بعد ترحيلهم إلى إسكان القرية الذي بني خصيصاً لهم على تلّة أم صيحون المطلّة على البتراء، فكان الإسكان وموقعه مثاراً لجدل لم ينته حتى الآن.

وتقرر رسميا إخراج البدول من البتراء لاعتبارهم عائقاً أمام حماية وترميم الآثار ولاعتبار وضعهم واستعمالهم الكهوف للسكن.

ووفق دراسة أعدتها جامعة الحسين بن طلال في معان فيقدر متوسط عدد أفراد الأسرة في قرية أم صيحون بنحو 40, 7 افراد/أسرة، وهو رقم مرتفع مقارنة بمستوى محافظة معان التي تتبعها البتراء إداريا، حسب نتائج مسحية لدائرة الإحصاءات العامة، التي بينت أن متوسط عدد أفراد الأسرة يراوح حول 9, 6 افراد/أسرة .

كما تبلغ نسبة الأمية في القرية تعادل 2, 29 بالمائة، وهي نسبة لاتزال مرتفعة عن نظيراتها على مستوى المحافظة، والتي تبلغ 2, 15 بالمائة، وعلى الرغم من ذلك فان سكانها يجيدون الحديث دون الكتابة باكثر من ثلاث لغات على الاقل.

كما أن هناك فجوة كبيرة بين الجنسين من حيث التمكن من القراءة والكتابة، فالأمية لاتزال مرتفعة لدى الإناث، إذ تبلغ تقريباً ضعف النسبة لدى الذكور، حيث تشكل أمية الإناث 3, 37 في المائة، في حين تشكل أمية الذكور 7, 19 في المائة، وهي مرتفعة جداً مقارنة مع مثيلاتها على مستوى المحافظة والمستوى الوطني، والتي وصلت 4, 5 في المائة بين الذكور و2, 15 في المائة بين الإناث على المستوى الوطني.

ويلاحظ انعدام الدارسين بعد المرحلة الثانوية كليا، أو حتى دارسين في مرحلة التعليم العالي في القرية، ما يعكس من وجهة نظر الباحثين مدى تأثير السياحة في هذا المجال، فهي توفر دخلا سريعا للمواطنين هناك، وهو دخل يزيد كثيرا على دخل المتعلمين، الأمر الذي يؤدي إلى عدم الاهتمام بالتعليم العالي وعدم منحه الأولوية التي يستحقها.

وللمفارقة فان أكثر من 15 شابا من أهل القرية تزوجوا من سائحات شقراوات يعشن ذات النمط الذي يعيشه أهل قرية «أم صيحون» على مقربة من مدينة البتراء، إضافة الى العلاقات الاخرى التي تربط السائحات بشباب القرية.

ويقول عوض صاحب - في العقد العشرين من عمره - إنه تعلم الايطالية والاسبانية والصينية والانكليزية والفرنسية اضافة الى العربية ويجد الحديث بكل هذه اللغات بطلاقة.

عوض شاب أميّ لا يكتب ولا يقرأ حتى العربية فكيف باللغات الخمس تلك التي تعلمها وفق ما يقول من كثرة مخالطته للسياح. يقول: « تعلمي لغة السياح استثماري الاهم».

وتعد السياحة المورد الرئيس للعيش وكسب الرزق في قرية أم صيحون، لعدم وجود موارد اقتصادية أخرى تؤمن لهم العيش الكريم، إضافة إلى قلة الأراضي الزراعية.

وفيما يبدو فان الدولة تستفيد من هؤلاء حتى في طبيعة ملابسهم الرثة، ولكن سكان البتراء يعانون من النظرة الدونية التي ينظر اليها سكان القرى المجاورة لهم تلك التي تعتبرهم أقل شأنا لانفتاحهم على السياحة وتعاطي أبنائهم الكحول، ولإقامتهم علاقات مع سائحات.

عمان - لقمان اسكندر