يبدو من الصعب الحديث عن أكثر من عشرين ألف قطعة نادرة، تتفاوت في عمرها التاريخي، فكل قطعة متشبعة بالحكايات التي قد تظهر بعض تفاصيلها، أو تختفي في الكثير من الأوقات. إنها القطع التي يمتلكها الإماراتي يوسف خوري، وحكايات الماضي تبدأ من أمام باب المنزل الذي يسكنه خوري في أحد مناطق أبوظبي، وقد عجز عن استيعاب ما يمتلكه من قطع أثرية، أو قطع نادرة، لهذا وضع قسما منها في الشارقة.

ومحدودية مساحة المكان أدت إلى الصعوبة في اكتشاف جمالية القطع، بشكل منفصل عن بعضها البعض، بل قد يبحث المشاهد عن القطعة من خلف قطع أخرى متراكمة فوقها، ويتخيل لو كانت هذه القطع موجودة في متحف لاستمر المتجول أكثر من أربع ساعات على الأقل وهو يتأملها، لأنه سيراها بجمالياتها الحقيقية التي تميز كل منها عن الأخرى.يقول خوري الذي لم يوفق إلى الآن في أن تكون قطعه في متحف يحفظها: عرض عليّ العديد من القطريين، والسعوديين شراء هذه القطع، لكني أعتبرها ثروة وطنية، لا يجب أن تغادر أرض الإمارات. هواية يوسف خوري تعود إلى ما قبل ستينات القرن الماضي، وبدأها بالطوابع البريدية، يقول: كنت أحتفظ بالطوابع التي كانت على الرسائل التي أتلقاها من أصدقائي من الهند. ولم يقف خوري عند الطوابع بل انتقل بعدها إلى جمع الكاميرات، خصوصا تلك التي استعملت في الإمارات قبل 120 عاما، ومنها ما كانت أفلامها من الزجاج.

ومن الزجاج تطورت الكاميرات إلى أن وصلت إلى شكلها الحالي بشريط النيكاتيف البلاستيك، وهنا تسرد كاميراته المتعددة الأحجام والأشكال تاريخها، وأماكن صناعتها في بعض الأحيان، مثل الساعات التي تشغل حيزا كبيرا من مساحات الحائط، منها الكبير الذي تشبه دقاتها دقات ساعة (بيج بن) منها الأصغر، ومنها ساعات اليد، والساعات التي كانت تعلق على الصدر، ومنها ما استلزم جهدا كبيرا في صناعتها مثل الساعات التي نحتت عليها بعض المجسمات، والوقت يمر فيها كما يجب أن يمر، لكن النظر في هيكلها يدل على أن الوقت الذي مضى عليها بعيد جدا عن أيامنا.

أما تعدد طبيعة المقتنيات؛ فهو صعب للغاية، حيث يوجد عملات نادرة قديمة يصفها خوري بقوله: لدي مجموعة من العملات القديمة التي استعملت في الإمارات، وأخرى استخدمت في السعودية، ومجموعة الروبيات التي استعملت في الهند أيام الاحتلال البريطاني لها، وهي عملات ورقية رسم عليها صور الملك جورج الخامس، والملك جورج السادس، أو العملة التي رسم عليها ماركو أنطونيو، القائد الروماني، أو (عشيق كليوباترا). كما أراد خوري أن يذكره، فقصة الحب التي جمعتهما تعد من أشهر قصص الحب في التاريخ. ومن المخطوطات يمتلك الكثير منها، بعد أن شقت طريقها إليه عن طريق أصدقاء له من مختلف أنحاء العالم، ربما لا يذكر كيف ومتى مثل تلك الوثيقة الخاصة بحرب التحرير الأميركية الصادرة عن الكونغرس بين العامين 1775 و1781، إلى جانب هذه يوجد الكثير يقول خوري: هناك العديد من المخطوطات الإسلامية الأصلية، ومصاحف قديمة، و كتاب توارة بحجم صغير للغاية، وإنجيل، رسم على إحدى صفحاته الأولى خارطة فلسطين، ربما كان يعود إلى أحد سكان مدينة القدس.

كل شيء ممكن أن يستهويه وكل شيء يمكن أن يكون عنده يقول: إذا لم أحصل على القطعة ألوم نفسي كثيرا، وربما لا أنام الليل.

والقطع التي حصل عليها كانت بأسعار مرتفعة، يقول خوري: كل الأشياء حصلت عليها بثمن غالٍ، لا استطيع أن أقدر الثمن الذي جمعتها به مطلقا، لكنها بالتأكيد كلفتني الكثير، منها الحلي القديم، خصوصا الموجود فيها العديد من الأحجار الكريمة، أو الكهرمان النادر الذي يوجد في داخله حشرة. أو غليون صنع من الكهرمان، أو اللؤلؤ النادر، والألماس الأسود، والنرجيل الهندي بأحجام متباينة إلى أن نصل إلى الصغير منها.

عملة

من العملات النادرة التي يمتلكها خوري، العملة التي رسم عليها وجه الإسكندر المقدوني، ويرجح أنها كانت تستخدم في عصره، وتتميز بأنها كبيرة وثقيلة الوزن.

أرجوحة

من المقتنيات الغريبة التي يمتلكها خوري أراجيح أطفال صغار، منها ما كان يستخدمه البدو، ويطلق عليه ال(مانس)، وهي أرجوحة مصنوعة من جلود الحيوانات.

أخطاء

دقة الملاحظة عند يوسف خوري تجعله يكتشف الأخطاء التي ترتكب سهوا، ولهذا أصبح اكتشاف الأخطاء هوايته المفضلة التي يمارسها ومنها اكتشاف الخطأ في طوابع صدرت عن دبي قديما. منزل خوري «مغارة» تفتح أبوابها على التاريخ

يبدو يوسف خوري أنه سعيد بوصف إحدى الإعلاميات لمنزله بأنه (مغارة علي بابا) لما يمتلكه من قطع ساحرة بجمالها وقيمتها، فهو لم يقف لدقيقة واحدة عن مطالعتنا بالأشياء الغريبة التي يمتلكها، عندها بكل تأكيد سيقف المشاهد حائرا يكرر في نفسه أجوبة كثيرة ليرد فيها على خوري الذي يسأل هل تعرف ما هذا، مثل الخيوط الرفيعة الشفافة الملفوفة على قطعة إسطوانية، ربما يكون التخمين أنها خيوط لصنارة سمك، أو خيوط عادية، لكنه يكشف عن سره حين يقول: إنه شريط تسجيل، ومن خلاله كانوا يستمعون إلى الأغاني.

الحديث عن الأشياء الغريبة كثيرا لا يمكن للمرء أن يخمن بشكل تقريبي كم كان ثقيلا ذلك اللباس الحربي المصنوع من السلاسل، أو أن الدرع المستخدم في الماضي لرد السهام والسيوف عن المقاتل كانت مصنوعة من جلد الفيلة، أو أن البيانو القديم كانوا يعزفون عليه ولمدة طويلة في إحدى الكنائس، أو أن تلك الآلة الكبيرة التي وجد منها أكثر من حجم أمام منزل خوري، هي مطحنة قهوة كانت تستخدم في بريطانيا، بعكس المطاحن الصغيرة التي استخدمت في بلداننا العربية والتي يمتلك منها أكثر من واحدة.

أو أسطوانات لأغاني لبنانية قديمة، أو خليجية بصوت الفنان عبد الله فضالة. أو مترجم صغير الحجم يمكن رؤيته بواسطة المكبر الذي وضع عليه، وتستمر القطع التي لا تخطر على البال، منها صندوق الموسيقى، والصابون الذي استخدم في عهد الزعيم النازي أودولف هتلر، حيث رسم عليه شعار النازية، و العديد من جوازات السفر التي استخدمت في عهد هتلر أيضا.

والأدوات كثيرة لا يستغني خوري عنها أبدا، منها أدوات الحلاقة القديمة، أو أدوات الكتابة بما فيها المحابر الفخمة، أو المسابح، بما فيها تلك المسبحة التي صنعت على شكل ثعبان. أو أعداد أولى من صحيفة (لندن نيوز) من العام 1872، والتي كانت تسحب على الستانسل، أو تقويم سنوي يعود للعام 1927.

واللافت حين يشرح يوسف خوري عن قطعه لابد أن يتحدث عنها بإعجاب شديد لأنها كما يصف: قد صنعت بدقة وفن عكس هذه القطع الاستهلاكية التي تصنع بسرعة في زمننا الحالي.

إنها رحلة مع الزمن تبدأ من مدخل منزله وما عرضه أمامه، ولا تنتهي في أبوظبي بل في الشارقة حيث وضع قطعه الأخرى، التي استخدم معظمها كبار الشخصيات في الإمارات وفي العالم كله، مما يكسبها في الكثير من الأحيان قيمة مضاعفة، لم يسأل خوري عن تفاصيل كثيرة تميزها بقدر رغبتهفي أن يمتلكها، وطوال الوقت لا يمكن للمشاهد إلا أن يتخيلها وهي معروضة في فاترينة متحف يستمع بجمالها منفصلة عن غيرها من القطع الأخرى.

أبوظبي- عبير يونس