يفاخر المصريون بتاريخهم السينمائي على مدى يزيد على مئة عام من الإبداع المتواصل الذي بسط نفوذه على مختلف الرقعة الناطقة بالعربية، لكنهم في الوقت ذاته يتناسون حقيقة مريرة، وهي أن المئة عام نفسها شهدت سرقات ونهب وضياع وتلف وقرصنة آلاف الأعمال السينمائية الخالدة، لافتقاد السينما المصرية قاعدة بيانات وثائقية شاملة لرصد أعمالها ومراحل نشأتها وتطورها ونكباتها وصحوتها، إلى غير ذلك من الظروف المتلاحقة على مدى أكثر من مئة عام.

وعلى الرغم من بعض المحاولات الجادة لتوثيق هذا التاريخ الفريد، إلا أنها تبقى محاولات فردية تقف في كثير من الأحيان عاجزة لأسباب متباينة عن تحقيق الحلم، حلم توثيق تاريخ السينما المصرية، الحلم الضبابي الذي لا يزال يبحث عن مُبادر حقيقي ورسمي لتفعيله.. في السطور التالية يرصد (الحواس الخمس) الآراء والمحاولات المعنية في هذا المجال.«لا خلاف على أن الاهتمام بإنتاج أفلام سينمائية بميزانيات ضخمة تتميز بقدر كبير من الكفاءة لتنافس الأعمال العالمية في المهرجانات الدولية، خطوة مهمة وأساسية للارتقاء بصناعة السينما العربية، وفي السياق ذاته لا بد أيضاً من الاهتمام بالحفاظ على هذا التراث الفني ليبقى للأجيال قادمة باعتباره عاملاً مهماً، ينقل الجمهور العادي إلى ما يدور في هذا العالم المخملي، ويرصد هذه الأعمال ويوفر قاعدة بيانات صحيحة لها»، هذا ما يؤكده الكاتب محمود قاسم مؤلف كتاب موسوعة السينما المصرية.

موضحاً أنه لوحظ في الفترة الأخيرة أن وزارة الثقافة المصرية أبدت اهتماماً كبيراً بترميم عدد كبير من أشرطة الأفلام السينمائية القديمة، والتي تهالكت بفعل الزمن، وتسعى لإعادة تلوين بعضها باعتبارها ميراثًا فنيًا وثقافياً يصنع واجهة حضارية ليس لمصر وحدها، بل للعالم العربي بأكمله. مؤكدًا أن ذلك فتح الطريق أمام فكرة إنشاء قاعدة بيانات خاصة بالسينما المصرية على شبكة الإنترنت ترعاها وزارة الثقافة، والتي مازالت بعض الجهات التابعة لها لا تستوعب إلى الآن أهمية شبكة الإنترنت، وما تمثله من أهمية معرفية في سرعة استرجاع المعلومات من أي مكان في العالم، معتقدين أن إصدار مطبوعات تلقى في المخازن لتتهالك بفعل الزمن أجدى من ذلك على غير الحقيقة.

لم يصلني رد أضاف قاسم أنه منذ بداية العام الماضي 2008، دشنت شركة «دملج لخدمات المعلومات» موقعاً على شبكة الإنترنت يعنى بجمع وأرشفة تاريخ السينما العربية، وضم الموقع ما يقرب من 8463 فيلما، ونحو 190,39 صورة، لكن تظل هذه التجربة اجتهادًا شخصيًا من جانب الشباب المهتمين بصناعة السينما، وأوضح قاسم أن الكتاب الذي أصدره على جزئين ضم موسوعة كاملة تشمل بيانات كل الأفلام المصرية التي تم إنتاجها منذ بداية دخول السينما لمصر وحتى فترة صدور الكتاب، من خلال وثائق عدة يمتلكها الكاتب وتشمل معلومات وافية عن كل فيلم. وأضاف قائلاً: تقدمت منذ فترة إلى وزير الثقافة بطلب لمشروع بإنشاء قاعدة بيانات تخص السينما المصرية تكون متاحة للجميع على شبكة الإنترنت، لكن وإلى الآن لم يصلني من الوزارة أي رد، فتوجهت إلى وزارة الإعلام بطلب كي تدعمني للبدء في إعداد موسوعة درامية تضم مسلسلات التليفزيون على غرار موسوعة السينما بمناسبة مرور خمسين عاماً على إنشاء التليفزيون.

وأيضاً لم أتلق أي رد، فوزارتا الإعلام والثقافة تحصران اهتمامهما في إقامة المهرجانات الفخمة التي تزيد ميزانياتها على ملايين الجنيهات أكثر من اهتمامها من إقامة مثل هذه المشروعات القيمة، التي تقدم تراثًا ثقافيًا وفنيًا يبقى لعشرات السنين.

لماذا لا تبادر؟

في الاتجاه ذاته، قالت الناقدة السينمائية ماجدة موريس: أشكر مؤسسي هذا الموقع الذي يحافظ على تراث السينما المصرية وتحمله مسؤولية من المفترض أن تتحملها جهات صناعة السينما في مصر، خصوصًا المركز القومي للسينما، باعتباره أكثر الجهات التي يفترض أن تعمل على إيجاد قاعدة بيانات صحيحة ومؤكدة عن هذه الأفلام وتاريخها؛ فهو مشروع ضخم يتعلق بتاريخ معلوماتي يحتاج إلى توثيق ومراجعة من جهات متعددة.

ويتطلب التأكد من صحة البيانات المعروضة عن كل عمل، لكن مع تقديرنا للجهد الذي قام به هؤلاء الشباب بإصدار هذا الموقع إلا أنه جهد شخص قد يفتقد في بعض الأحيان إلى الدقة حيث لا تدون بناء على وثائق موجودة بالفعل، ليطرح السؤال نفسه: لماذا لا تبادر وزارة الثقافة بإنشاء هذا الموقع حتى ولو بالتعاون والتنسيق مع أصحاب هذه المبادرة، ليقدموا لنا معلومات صحيحة مائة في المائة لا نتشكك في صحتها، خاصة أن مصر تعتبر أهم دولة منتجة لصناعة السينما في الوطن العربي، ولها تاريخ طويل يحق لنا أن نفتخر به ونؤرخ له.

وأضافت: على الرغم من الانتقادات للأجهزة المعنية واتهامها بالتقصير في القيام بدورها لخلق قاعدة بيانات تحفظ التراث السينمائي المصري، إلا أن جهات عدة منها المركز القومي للسينما في مصر وشركة مصر للصوت والضوء واستوديوهات السينما بدأوا ـ فعلياً ـ في اتخاذ موقف حاسم تجاه هذه الأزمة، ومن خلالها سيتحقق حلم صُناع الفيلم السينمائي ومحبيه في وجود متحف يضم أرشيف السينما المصرية، وهو الحلم الذي ظل لسنوات طويلة مجرد أفكار مقترحة، والآن أصبح واقعاً حيث تم اختيار دار الأوبرا المصرية مقرًا للمشروع لينشأ من خلالها أول متحف سينمائي قريباً.

معاناة كبيرة

بدوره، أكد المخرج علي بدرخان، الذي يعتبر أحد أهم صناع السينما المصرية والذي شغلته فكرة إقامة متحف يضم التراث المصري السينمائي، أنه عاصر الفترة التي شهدت إنتاج أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية، خاصة من خلال والده المخرج الراحل أحمد بدرخان، موضحًا أن العديد من صُناع السينما الكبار وجدوا معاناة كبيرة في دفع الدولة لاتخاذ خطوة تجاه هذا المشروع، حتى بدأ العمل فيه فعليا، مشيراً إلى أنه يتمنى أن يخرج هذا المشروع للنور قريباً.

وإن كان يرى أنه قد تأخر كثيرًا، وكان من المفترض أن تتم هذه الخطوة منذ سنوات طويلة، حماية لتراث مصر السينمائي، وحفاظاً على الهوية الثقافية، مشيرًا إلى أنه «تعب» كثيراً في مناداة الجميع بهذا المشروع حتى أصابه اليأس تماماً، فلجأ إلى إنشاء جمعية لإحياء التراث السينمائي والحفاظ على الأفلام السينمائية مع بعض أصدقائه المهتمين بالقضية، خوفاً من اندثار هذه الأعمال أو سرقتها، لدرجة أنه خصص مساحة داخل فيلته لتكون مقراً مؤقتاً للجمعية حتى يتم دعم المشروع من الدولة، ليتحول بيته إلى متحف صغير حباً في هذا الفن، خاصة أن مكتبته تضم قدرًا كبيرًا من أرشيف السينما المصرية، ومنها بالطبع أعماله السينمائية وأعمال والده الراحل أحمد بدرخان، وقال إنه ينتظر ـ حاليا ـ حلم تحقيق المتحف الذي يضم تاريخ السينما المصرية في دار الأوبرا المصرية.

مشروع قائم

ويرى عصام عبد الهادي رئيس مجلس إدارة شركة «مصر للصوت والضوء والسينما» أن مشروع إقامة متحف يضم تراث السينما المصرية مشروع قائم بالفعل منذ نحو عامين، وتعكف الشركة مع بعض أجهزة الدولة للانتهاء من المشروع قريباً.

وأضاف أن مسألة إقامة المتحف كانت أمرًا صعباً في البداية، ابتداء من تجميع وترميم الأفلام والمقتنيات الخاصة منذ أن بدأت السينما، وهو أمر يحتاج إلى مجهود كبير وأموال طائلة، غير أنه سيأخذ فترة طويلة، لكن رغم ذلك كان الأمر الأصعب على الإطلاق هو عدم تواجد المكان الذي يليق بأن يكون «سينماتك»، ويصبح متحفاً يتردد عليه الجمهور حيث كان الأمر يمثل عائقا كبيرا، حتى اتجهت الأفكار إلى أن يكون هذا المكان هو دار الأوبرا المصرية.

وأشار إلى أن فكرة إقامة متحف ظهرت في فترة رئيس مجلس الإدارة السابق للشركة، ويتم حالياً استكمال المشروع.. موضحاً أن المتحف لازال في مرحلة الإعداد، ولم ينته ليخرج بشكله النهائي، لكن يتم تكريس جميع الجهود على ضم كل الأجهزة والمعدات والأفلام القديمة والملابس وغيرها منذ بداية السينما قبل مائة عام.

وأشار إلى أن المتحف يحتوي أيضاً على مجموعة من كاميرات التصوير السينمائي القديمة التي يبلغ عمر الواحدة منها مائة عام، ومن بين هذه الكاميرات كاميرا فرنسية الصنع «ديبريه» استخدمت في تصوير أكثر من 1350 فيلماً العام 1935، وتوضح هذه المجموعة من الكاميرات تطور صناعة السينما في مصر، كما سيحتوي المتحف السينمائي على مجموعة من أهم المقتنيات والملابس التي تم استخدامها في الأفلام التاريخية منها «عنترة بن شداد»، «وإسلاماه»، «الناصر صلاح الدين».

وأيضا يضم أزياء ارتدتها بعض الفنانات في أفلامهن منهن أم كلثوم في فيلم «وداد»، شادية في فيلم «أضواء المدينة»، وملابس لفنانات كثيرات مثل نعيمة عاكف وهند رستم وفاتن حمامة، ومن الفنانين أحمد مظهر وعمر الشريف وغيرهما؛ وجارٍ حاليا ترميم هذه المقتنيات؛ كما يضم المتحف أيضا أكثر من 500 أفيش لأفلام عديدة، وجارٍ أيضا ترميم نجاتيف العديد من الأفلام في أحدث المعامل على يد خبراء كبار في المجال.

الحلم يتحقق

أخيراً، أكد د.خالد عبد الجليل رئيس المركز القومي للسينما أن المشروع يعمل عليه جهات متعددة للانتهاء منه قريباً، بجانب ترميم العديد من الأفلام السينمائية منذ أن بدأت السينما وفحصها من خلال لجان خاصة، وأضاف أنه يتم الاستعداد إنشاء مراحل «السينماتك» والأرشيف السينمائي وهو في مرحلة التجهيز والإعداد، أيضاً يتم العمل على عودة نسخ من النيجاتيف الذي تم بيعه لبعض القنوات الخاصة.

وأضاف أنه سيتم تجهيز هذا المتحف على أعلى مستوى، كما سيتم نسخ هذه الأفلام على أسطواناتض .. مؤكدًا أنه لن يقتصر المتحف فقط على المعدات والملابس الخاصة بتلك الأعمال، لكن أيضاً إعداد أرشيف متكامل للسينما المصرية حتى يكون مرجعاً قوياً لمحبي هذا الفن للتعرف إليه بشكل أوسع.

وأضاف أن المركز القومي كان قد ساهم في ذلك بتقديم أرشيف كامل للسينما من خلال جريدة «مصر السينمائية»، والموجودة في الهيئة العامة للاستعلامات، والتي تسجل كثيرًا من الوقائع المصرية السينمائية منذ بداية السينما، وغيرها من المجهودات لإنجاز مشروع إنشاء متحف تاريخ مصر السينمائي.. الحلم الذي وجد أخيرًا مُبادر يحفظ هويتها وتراثها السينمائي.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية