هناك الكثير من الكتاب ممن يرون في المكان العنصر الجذاب والأكثر أهمية بين عناصر العمل الدرامي الأخرى شريطة ارتباطه بحدث درامي، ما يجعل منه مركز الحدث.
ويرى الكاتب محمد صفاء عامر، الذي جعل من قرى قبائل الهوارة في محافظة قنا بؤرة جذب للزائرين من خلال مسلسلاته عن الحياة الصعيدية في مسلسلات «ذئاب الجبل، الضوء الشارد، حدائق إبليس» أن المكان ليس مهماً في العمل الفني، لكن الحدث هو المؤثر والمحرك الحقيقي والرئيسي. مشيرا إلى أن المكان فقط هو الحيز الذي تدور فيه الأحداث ليس إلا؛ قائلا «القرى التي تناولتها في مسلسلاتي هي نماذج للقرية المصرية بشكل عام، فليس هناك قرى محددة الأسماء، وذلك للضرورة الفنية، خصوصا أن الموضوعات والشخصيات متشابهة ومتكررة الحدوث ليس في الصعيد فقط.
لكن في قرى أخرى غير صعيدية.كما أن عدم التقيد بمكان يتيح متسعاً للكاتب في أن يعرض الموضوع بحرية شديدة، بعيدا عن القيود الاجتماعية التي يفرضها مكان معين من عادات وتقاليد وأشخاص؛ فأنا أكتب أحداثا خيالية وعندما أتناولها على أنها دارت في أماكن حقيقية فذلك خداع للجماهير، لذلك أعتمد على الشخصيات في أعمالي وليس على الأماكن».في حين يرى الفنان والمخرج طارق النهري أن السينما تحديداً لعبت دورا محوريا في إلقاء الضوء على أماكن غير معروفة لكثيرين، أو على الأقل كنا نسمع عنها دون التعرف إليها أو مشاهدتها، فأتاحت الصورة السينمائية لهذه الأماكن أن يتعرف الناس إليها، خصوصا حين تقدم بصورة جيدة. وكثيراً ما يكون للسينما عامل السبق في التعريف بالمكان من خلال استعراض عناصر تفصيلية، ما يكون دافعاً للناس أن يسعوا إلى تعرفه عن قرب، مثل منطقة الواحات التي تم التعرض لها في أكثر من فيلم سينمائي. وأصبحت الآن مزاراً سياحياً، كذا وادي الريان بمحافظة الفيوم.
والتي تعرف الناس إليها بعدما ان اتخذها بعض المخرجين مكانا لتصوير أعمالهم، فتوافد الناس عليها للصيد والتنزه. أيضا من الأماكن التي تعرفت إليها شخصياً من خلال الأعمال الفنية منطقة «شلالات أذود» بالمغرب، حينما شاركت في تصوير مسلسل «الصعود إلى الهاوية». حيث كانت محور العمل الفني، وبعد عرض المسلسل بدأ الناس يسألون عن هذه المنطقة ويتوافدون عليهاوهناك أماكن كثيرة عرفناها من خلال الأعمال الدرامية وتأثرنا بها مثل منطقة المنصورية التي دار حولها مسلسل بنفس الاسم بطولة عزت العلايلي ومحمد رياض ومحمد الشقنقيري.ويشير النهري إلى أن وزارة السياحة في مصر تتجاهل الدور المهم الذي لعبته الدراما في الترويج للأماكن السياحية، حيث أسهمت في خلق أماكن جديدة لتضاف إلى اهتمامات السائح عند زيارته إلى مصر، لذلك يحتاج الأمر إلى نظرة من قبل المسؤولين.
التفاصيل
إلى ذلك، أوضح السيناريست أحمد الشيخ أن هناك أعمالاً درامية غاصت في تفاصيل المكان مثل الحي أو الحارة أو الشارع أو القرية بتفاصيلها الدقيقة، وذلك لأنها خلفيات للصورة التي يتحرك فيها الأشخاص، مؤكدا أن إبراز المكان كعامل مؤثر يجد تأثيره لدى المشاهد راجع إلى قدرة المخرج على نقل المكان بتفاصيله وبصورة مبهرة ومؤثرة، فالمشاهد حينما تقدم إليه الدراما حيزا معينا سوف يبدأ بالانجذاب إليه، ويذهب للتعرف إلى تفاصيله.
وذلك راجع إلى المصداقية في التناول، لافتاً إلى أن الدراما المصرية عامرة بالأماكن التي أحدثت تجاوبا مع الناس مثل القرية التي تم تصوير فيلم «البوسطجي» فيها وهي «النخيلة» بمدينة أبوتيج بمحافظة أسيوط.. وفيلم «الحرام» للفنانة فاتن حمامة، وشوارع ومقاهي وسط القاهرة، التي كانت الدراما عاملاً كبيرا في الانجذاب إليها وارتيادها مثل مقهى ريش والبستان بوسط البلد.
ويضيف الشيخ أن الجمهور تجاوب مع مسلسلي «كفر عسكر»، «المدندش» وهما من تأليفه، حيث بدأ كثيرون في السؤال عن قرية كفر عسكر وهي قرية في مركز تلا محافظة المنوفية وكانت الدراما سبباً في أن كثيرين بدأوا يسألون عنها ويزورونها باستمرار.
رواج
بينما يؤكد السيناريست فيصل ندا أن الناس حفظت خريطة مصر بشوارعها وميادينها من خلال الأعمال السينمائية والتلفزيونية، ويرى أن الدراما المصرية مقصرة في تعريف الناس بالأماكن في شكلها الجديد، حيث لاتزال الصورة التقليدية عن الشوارع كما هي منذ أن ظهرت في أعمال ماضية، وهذا ما تسبب في تراجع الدراما المصرية أمام الدراما السورية والتركية، حيث الاهتمام بالأماكن العصرية، ما أسهم في الرواج السياحي خاصة لتركيا.
ويضيف: أنا ضد أن تُظهر الدراما الأماكن التي تشوه حضارتي وبلدي، فالمفترض الاهتمام بالأماكن التي تبرز تقدمها وجمالها، وقد تناولتُ منطقة «الفجالة» في مسلسل بالاسم نفسه بطولة كمال الشناوي وتعرض للتغيرات التي حدثت في هذه المنطقة التي كانت مركزاً للثقافة ثم تحولت إلى مركز لبيع السيراميك والأدوات الصحية.
وحاليا يتم تصوير مسلسل لي بعنوان «الأزبكية»، واستعد لتقديم مسلسل بعنوان «ناس هاي وناس باي» أتعرض من خلاله للتطوير الذي حدث في حي مصر القديمة، فأنا أهتم بالأماكن التي لها بُعد ثقافي وتاريخي، وما طرأ عليها من تغيرات، لأن المكان يوحي للكاتب بإبداعاته، هكذا تعلمنا من نجيب محفوظ الذي عرفنا من خلاله «قصر الشوق»، «السكرية»، «بين القصرين»، «زقاق المدق»، «الجمالية»، «سوق السلاح»، «الدرب الأحمر» وغيرها من الأماكن التي ساهمت الدراما في انتشارها والتعريف بها.
في حين يرى السيناريست د. بهاء الدين إبراهيم أن الدراما أحدثت دوياً كبيراً للأماكن التي رصدتها، فمثلاً الشوارع التي ذكرها نجيب محفوظ في كتاباته كانت معروفة، لكن بشكل محدود فهو ليس أول من تعرض لها في الكتابة الأدبية، ولكنه أول من نشرها على نطاق واسع بعدما تحولت أعماله الأدبية إلى أعمال درامية.
ويشير بهاء الدين إلى أن للدراما دورا بارزا في تقديم الأماكن السياحية للعالم والتعريف بأماكن جديدة لم يكن أحد يسمع عنها أو يعرفها، خصوصا للجمهور المحلي عند تقديم هذه الأماكن بصورة مؤثرة وغير مقحمة على العمل الفني.
بهاء الدين إبراهيم، مؤلف مسلسلات «إمام الدعاة» و«الشافعي» «أبو حنيفة»، يؤكد أن اقتصاره على الكتابة التاريخية يجعله غير معني بمسألة المكان حيث يلعب الديكور دورا رئيسيا في هذه الأعمال، ولكن أهم الأماكن التي أبرزتها أعماله هي «الصحراء المتاخمة لمصر»، ولكن من دون تحديدها، وحاليا يحضر لمسلسل «أسماء بنت أبي بكر» وفيه يلعب المكان دورا مهما حيث يتم التصوير في مدن مكة والمدينة والكوفة ودمشق وسوف يتم بناء ديكورات لهذه المدن للتصوير.
القاهرة- «دار الإعلام العربية»



