«بحب اثنين سوا يا هنايا بحبهم الميه والهوا»؛ ستون عاماً خلت على هذا المقطع الذي تغنت به قيثارة الغناء العربي ليلى مراد على الصخرة المجاورة لشاطئ الغرام بمحافظة مطروح شمال غرب العاصمة المصرية، وخلال هذه السنوات تحول «شاطئ الغرام» الذي حمل اسمه الفيلم السينمائي الذي صوَّره المخرج هنري بركات العام 1950.
وقامت ببطولته ليلى مراد وحسين صدقي، إلى مزار سياحي معروف، والبعض يطلقون عليه شاطئ ليلى مراد، وتحفل الذاكرة الدرامية سينمائية كانت أم تلفزيونية بمئات الأمكنة التي كانت مطمورة بالنسيان؛ فباتت تنافس النجوم في شهرتهم، فمن يجهل النقلة التي أحدثها نجيب محفوظ لعدد من الأماكن الشعبية القاهرية مثل «السكرية»، «بين القصرين»، «زقاق المدق». ومن الذي يجهل «زيزينيا»، و«ليالي الحلمية» لأسامة أنور عكاشة، وبالتوالي أماكن أخرى مثل الغنايم في «الكومي» لخيري شلبي، وغيرها من الأماكن مثل المنيرة، الجمالية، شارع السد، شارع محمد علي، الباطنية، الكيت كات، جنينة ناميش، حارة برجوان.. (الحواس الخمس) يفتش وراء نجومية هذه الأماكن وكيف استفادت من تقديمها في السياق الدرامي.
«كثير من الأماكن التي لم يكن أحد يعرفها غير القاطنين فيها قبل أن تسلط الدراما الضوء عليها سواء في أفلام سينمائية أم مسلسلات تلفزيونية مثل منطقة «الجمالية» التي شاهدناها في فيلم «سعد اليتيم» لأحمد زكي، أو منطقة «الباطنية» التي ظهرت في فيلم ومسلسل يحملان الاسم نفسه، أو قريتي كفر الجبل ونزلة السمان اللتين جرى فيهما أحداث مسلسل «البر الغربي»؛ بهذه العبارة بدأ الروائي خيري شلبي حديثه، مضيفاً إلى هذه الأماكن أمكنة أخرى منها حي المنشية، قسم اللبان، زنقة الستات، وكالة البلح، وكذلك قرية أبو رواش التي جرى فيها تصوير مسلسل «الرحايا» بطولة الراحل يحيى شاهين.وكذلك قرى سوهاج التي جرى فيها تصوير مسلسل «الرحايا» لنور الشريف، مشيراً إلى أن الدراما نبهتنا إلى عوالم كثيرة توجد بيننا لم نشعر بها أو نكتشفها قبل مشاهدتنا لها في الأعمال الدرامية.
كما نبهتنا إلى أماكن جميلة تستحق الاهتمام والزيارة، ما يؤكد أن المكان يكتسب في الدراما أهمية كبيرة لا لأنه أحد عناصرها الفنية، أو لأنه مسرح الأحداث فحسب، بل لأنه يتحول في بعض الأعمال المتميزة إلى بطل درامي مؤثر في سياق الأحداث مثله مثل الفنانين المشاركين.مزار سياحي ويؤكد «شلبي» أن من الطبيعي أن يكون المكان بطلاً في العمل الدرامي والروائي قبلها، مشددا على أن المكان هو أبو الزمان وأبو الإنسان، فالمكان يحفظ الزمان وينتج الإنسان، كما أن الناس دائماً يشبهون أماكنهم ويشبهون بيوتهم التي نشأوا بين جدرانها. ويضيف: المكان هو صاحب السلطان الأول والأخير على الحياة في أعمالي الأدبية كافة.والتي تظهر في المسلسلات المأخوذة عنها، مثل مسلسل «الوتد» بطولة هدى سلطان ويوسف شعبان إخراج أحمد النحاس، حيث تناولت الحياة في قرية حقيقية .
وهي قريتي التي ولدت فيها «شباس عمير» مركز قلين بمحافظة كفر الشيخ، ومع أن البعض بعد قراءة القصة طلب زيارة القرية، إلا أن كثيرين جدا طلبوا زيارتها وذهبوا إليها بالفعل بعد مشاهدة المسلسل، فصارت محط أنظار كثيرين نظرا إلى التأثير الكبير الذي أحدثته الدراما في نفوسهم. وتكرر هذا الأمر في أماكن أخرى مثل مدينة «الغنايم» بمحافظة أسيوط بصعيد مصر.
والتي دار فيها جانب كبير من أحداث قصة ومسلسل «الكومي» الذي جسده الفنان ممدوح عبدالعليم، وكذلك «وكالة عطية» بطولة حسين فهمي إخراج محمد راضي، والذي عرض في رمضان الماضي، حيث ذهب كثيرون إلى مدينة دمنهور للبحث عن وكالة عطية، وهكذا في كل أعمالي تجد المكان هو البطل.. أيضا مثل رواية «صالح هيصة» التي تدور أحداثها في وسط البلد بمنطقة معروف وشامبليون، ويرجع خيري التأثر بالأماكن بعد مشاهدتها في أعمال درامية إلى نجاح المخرج في إبراز جماليات المكان، ما يكون له وقع السحر على المشاهد.
مزار سياحي
بينما يرى المخرج د.هاني إسماعيل أن للمكان أهمية كبرى في الأحداث، موضحاً أن هناك أعمالاً فنية يأخذ المكان فيها أهمية أكبر من الحدث نفسه، وكذلك من الشخصيات، ما يؤكد أن للمكان تأثيرا كبيرا في الحدث الدرامي، حيث يلعب دورا حيويا في السياق الفني بصورة تتساوى مع الفنانين، حيث يكون نجماً كما الفنانين والمخرج.
وذلك يرجع إلى قيمة الحدث نفسه وإبراز جماليات المكان، أو ارتباطه بحدث معين للدرجة التي تجعله مؤثرا في المشاهدين بشكل يدفعهم إلى زيارته والتعرف إليه والتعمق في تفاصيله، وهو ما يحدث على مدى ستين عاما متواصلة في «شاطئ الغرام» الذي مثلت عنده ليلى مراد فيلمها الذي يحمل الاسم نفسه، وباتت الصخرة التي جلست فوقها مزارا سياحيا يتنافس الجميع على زيارته والتقاط الصور التذكارية، وكأن كل حبيبين يأتيان إلى الصخرة والشاطئ هما ليلى مراد وحسين صدقي.
ويضيف: هناك أعمال فنية كانت سببا في معرفتي بأماكن لم أكن أعرفها من قبل، كتلك القرية البسيطة «قلما» بمحافظة القليوبية التي جرى فيها تصوير أحداث فيلم «الزوجة الثانية» لسعاد حسني وشكري سرحان وصلاح منصور.
كما أن أعمالي تعتبر فرصة حقيقية لي لمشاهدة أماكن لم أسمع عنها، ولم أرها من قبل، لحرصي على التصوير في الأماكن الطبيعية للأحداث، لإعطائه بعدا إضافيا من التأثير البصري المبهر بالمكان خصوصا مع التركيز على تفاصيله، مشيراً إلى أن الأماكن لديه لا تقتصر على الداخل المصري إنما تعداها إلى أماكن أخرى في بلدان عربية، كعدد من القرى التونسية التي صور فيها أحداث الجزء الثالث من مسلسل «السيرة الهلالية».
قصر الشوق
لعبت السينما المصرية دورا فاعلا في نشر أسماء الأمكنة كعناوين للمسلسلات والأفلام السينمائية التي قدمت والتي جعلت من معظمها أماكن سياحية، وتحديدا تلك التي تكتسب طابعا استثنائيا وسط القاهرة.
نجيب بطل المكان
حتى الآن لا يزال خان الخليلي المكان الأثير على قلوب المصريين والعرب بعد ان روج الروائي الكبير نجيب محفوظ لهذا المكان في روايته التي أشبعت برائحة الأماكن المصرية الشعبية.
هنا وقفت ليلى مراد
شاطئ الغرام هو مكان في الإسكندرية تحول اسمه الى ذلك بعد أن صورت فيه ليلى مراد فيلمها المعروف ولعل أحدا لم يكن يتوقع أن يحظى هذا الشاطئ بهذا الاسم الا ان ليلى مراد آنذاك كان لها حضورا فاعلا كي تشهر مكانا وتجعل الجميع يقولون «هنا وقفت ليلى مراد».



