الإيطالي «ماركو بللوكيو» أحد المخرجين المُخضرمين الذين نجحوا في أن يحققوا مكانة متميزة في السينما الإيطالية، من خلال أول أفلامه «الأيدي في الجيوب»، والذي انتزع من خلاله جائزته الأولى في مهرجان «لوكارنو» العام 1965، وهو الأمر الذي أثار اندهاش الجميع آنذاك، حيث اعتبروا حصول شاب في مقتبل عمره على مثل هذه الجائزة بمثابة المعجزة.
وتواصلت رحلة عطاء « بللوكيو» ليقدم على مدار مشواره أعمالا سينمائية كان لها تأثيرها في السينما الإيطالية، ومن أهمها فيلم «الانتصار» الذي حصد من خلاله على إحدى الجوائز في مهرجان «كان»، بخلاف جوائز أخرى حصل عليها من مهرجانات عالمية أخرى مثل «فينيسيا، وبرلين»، فيما كرمه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الأخيرة كواحد من المخرجين المتميزين على الساحة العالمية، وهو نفس المهرجان الذي اشترك فيه «بللوكيو» بفيلمين هما «المربية» و«ابتسامة أمي».
تسلط وعنف
يمتلك «ماركو بللوكيو» إحساسا إنسانيا ممزوجا بالتسلط والعنف، وذلك نتيجة الحراك السياسي الذي عاشته إيطاليا قبيل حقبة الحرب العالمية الثانية ليمثل تيارا جديدا في السينما الإيطالية، كما يصفه النقاد بالمتمرد لجرأة الموضوعات التي يقتحمها، ويكسر من خلالها العديد من التابوهات الثابتة، حيث يهتم بكل التفاصيل الصغيرة في أعماله، والتي يتقن استغلالها، كما تلعب الصورة والإضاءة والموسيقى بالإضافة إلى شخصياته دورا كبيرا في أعماله، والتي يحاول من خلالها أن يقترب بها جميعاً إلى الواقع.
وعن تكريم «ماركو» ومشاركته في المهرجان وزيارته لمصر أخيرا يقول: أشعر بسعادة غامرة بتكريمي هذا العام، وعلى الرغم من أنني لا أعرف الكثير عن السينما المصرية، لكنني أعتقد أنني سأحاول أن أتعرف عليها كثيرا، كما أنني ما أزال أتعرف على حضارتها والمجتمع المسلم، وقد قمت بزيارة قصيرة لمصر خلال المهرجان زرت من خلالها بعض المعالم السياحية، وأتمنى أن أعرف الكثير خلال الفترة القادمة.
المتمرد
وحول فيلميه «المربية» و«ابتسامة أمي» اللذين أثارا جدلا واسعا عند عرضهما، قال: فيلم «المربية» مأخوذ عن رواية لكاتب إيطالي شهير تحدث تفاصيلها في أوائل القرن الماضي، فالطبيب النفسي بطل العمل نائب للحزب الاشتراكي، وقد استخدم لانتقاد هذا الحزب في هذه الحقبة، لأن الدولة كانت تمر بمرحلة انحدار البرجوازية الرأسمالية وبدايات المد الشيوعي، كما قدمت في الفيلم دور المربية التي تعمل لدى إحدى الأسر، ولكنها في الوقت نفسه لا تنسى كونها أما، وتسعى للتقدم.
وهي رمز آخر للاشتراكية، وأكدت هذا من خلال رغبتها الملحة للتعليم، وكلمتها الدائمة عندما تنجح في شيء أنه ليس كافياً؛ فهي ليست مرضعة، بل إنسانة ترغب في التقدم، وهذا يعتبر جزءًا من التيار اليساري، فهي لا تعطي الطفل اللبن فقط، بل الحب والعطف والأمومة والحنان.
وأضاف: أما عن جماليات التصوير والموسيقى في الفيلم فبالرغم مما قدمته من تعبيرات سيكولوجية تظهر على وجوه الشخصيات إلا أنها لم تربط بين الطبيب النفسي وزوجته وأسرته، وذلك كان متعمدًا ونابعًا من سيكولوجية الشخصية وتركيبتها المعقدة، فبالرغم من أنه طبيب نفسي إلا أنه عاجز عن التواصل والتعبير مع زوجته وابنه، وهذا ما لعبت دوره بجدارة الموسيقى التصويرية، على عكس المرضعة المليئة بالأحاسيس؛ وهي الصورة التي قصدت أن أعبر عنها، وأشير بها إلى حال إيطاليا في هذه الفترة التي كانت مقهورة، والاشتراكية جاءت كنوع من الانفتاح.
ابتسامة أمي
أما بالنسبة لعمله الثاني فيلم «ابتسامة أمي» والذي أثار أيضاً جدلا كبيرا، يقول ماركو: ألقيت الضوء فيه على العديد من الجوانب الدينية، وقد اعترض عليه بشدة الفاتيكان خاصة مشهد صرخة المجنون واعتراضه على الرب والسيدة العذراء، ولكنني لم أكن أقصد هذا، فهو من شدة الألم وما مر به صرخ وتفوه بكلمات تخرج عن الإطار الديني المعروف، وهذه المرة لم تكن الأولى في صدامي مع الفاتيكان فهناك فيلم «باسم الأب» الذي أحدث صداما هو الآخر معه .
ولكنني في النهاية أعبر عن وجهة نظر القضية التي أطرحها، ولكن يبدو أنني أصبحت مغرماً بالمشاكل، لدرجة أن معظم النقاد وصفوني بالمتمرد لجرأة القضايا التي أناقشها، وأنا سعيد بهذا اللقب، وبالفعل أجده بداخلي حيث أتمرد على كل الأوضاع التي أجد فيها أخطاء، وأعشق تقديم الواقع والتعبير عنه بكل جرأة دون خوف، واعتقد أن السينما والفن هكذا، فلابد أن يعبران عن الواقع وربطه بالحس الإنساني، مع التركيز على السلبيات.
وذلك ما حققته من خلال كسر التابوهات الثابتة في أعمالي لتخترق بذلك جميع الجوانب حتى القضايا والمناطق الشائكة التي يبتعد عنها الجميع في أعمالهم، فأربط بين السياسة والعلاقات الإنسانية والدين وغيرها من الجوانب، وبجرأة تستطيع أن تقترب من الواقع، بل لا أخجل من مهاجمته أيضا.
حضور قوي
وعن وجهة نظره حول مشاركات الأفلام الإيطالية في المهرجانات العالمية يقول المخرج الإيطالي «ماركو»: أرى أن المشاركة الإيطالية إلى حد ما جيدة، وأعتقد أنني كمخرج قدمت العديد من الأعمال التي شاركت بمعظمها في مهرجانات عالمية، وحصلت على العديد من الجوائز فهناك مهرجان «لوكارنو» العام 1998، ومهرجان «سالونيك» باليونان العام 2002 وغيرهما من المهرجانات العالمية التي شاركت فيها وحصدت الكثير من جوائزها، هذا بخلاف مشاركات بعض الفنانين الإيطاليين بأعمالهم في تلك المهرجانات، وهذا خير دليل على أن السينما الإيطالية لها حضور قوي على الساحة السينمائية في العالم وتشارك بقوة أيضاً.
المخرج الإيطالي يرجع بذاكرته أيضا إلى الوراء متذكرًا أول جائزة حصل عليها وذلك عن فيلمه الروائي «الأيدي في الجيوب» العام 1965 من مهرجان «لوكارنو»، والتي أثارت ردود أفعال قوية حيث كان ماركو آنذاك شابا صغيرا، وفي مقتبل العمر، واعتبرها البعض بمثابة المعجزة في أن يحصل شاب في ريعان شبابه على مثل هذه الجائزة بمهرجان كبير.
ولكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن دراسته الفلسفية هي المعول الأول لنشأته الفنية وتأثيرها أيضا في أعماله السينمائية، وتطوير فكره، فإنه يرى أن هناك رابطا قويا بين الفلسفة والفنون الجميلة جعله يهتم بجماليات الأعمال التي يقدمها.
حفاوة جماهيرية وإشادة نقدية بالفيلم العراقي «فجر العالم»
لاقى الفيلم العراقي «فجر العالم» الذي أنتج عام 2008 حفاوة كبيرة من النقاد والمهتمين الذين أشادوا كثيرا به عند عرضه بمهرجان القاهرة السينمائي في دورته الأخيرة، كما وجد العمل إقبالا كبيرا من المشاهدين الذين تجاوبوا مع قصته من البداية وحتى النهاية.
«فجر العالم» فيلم للمخرج عباس فاضل وقام ببطولته النجمة الفرنسية الصاعدة حفيظة حرزى المولوده من أب تونسي و أم جزائرية وقد سبق أن نالت جوائز التمثيل في مهرجانات دولية مثل فينسيا و برلين، و الفنانة الفلسطينية هيام عباس و الممثل اللبناني كريم صالح و معهم عدد من الممثلين العراقيين و المصريين.
تم تصوير الفيلم في مصر وفى أماكن مختلفة في القاهرة و بحيرة المنزلة بالقرب من بورسعيد وقرية النسايمة وواحة الفرافرة والصحراء البيضاء وذلك لاستحالة إمكانية تصويره في العراق بسب تردى الأوضاع الأمنية، ولكن الإطار الجغرافي والتاريخي لأحداث الفيلم تجرى في منطقة الأهوار الواقعة في دلتا نهر دجلة والفرات والتي يعيش سكانها في بيوت من القصب منذ ألاف السنين من العراقيين الهاربين في زمن الحرب العراقية الإيرانية والانتفاضة الشعبية عام 1991 ما دفع صدام حسين إلى الأمر بتجفيفها مما تسبب في وقوع كارثة بيئية كبرى ستبقى في ذاكرة الإنسانية كواحدة من أسوأ الكوارث البيئية .
يروى الفيلم قصة مستور ـ وليد أبو المجد ـ و زهرة ـ حفيصة حرزى ـ وهما قريبان يسكنان أهوار بالجنوب العراقي وبعد إقامة حفل زفافهما السعيد تتفجر الأوضاع في العراق إيذانا بانطلاق حرب الخليج، و يتم إرسال «مستور» مع الجيش إلى خط النار حيث يلتقى برياض ـ كريم صالح ـ و هو مجند من بغداد و هناك تنشأ بينهما علاقة صداقة قوية.
يصاب مستور في أرض المعركة، و قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة يطلب من رياض أن يعده بالبحث عن زهرة و العناية بها. ومن ناحيتها فإن مصاعب زهرة أكبر من أن تسمح لنفسها بمبادلة رياض مشاعر الإعجاب، أما هو فيحاول الفوز بقلبها مما يحول هذا الوضع المتأزم إلى مأساة حقيقية تضعه أمام موقف صعب للغاية.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

