قبيل عقد من الزمن، في تلك اللحظة التي فكر فيها المنتج الموسيقي بيل هوجوس في برنامج تلفزيوني يجمع 12 مغنيا على خشبة المسرح، دفعة واحدة.. لم يخطر في باله أن فكرته - الحلم - ستصل الى ذلك المسرح الأسطوري في شارع الشيخ زايد في مدينة دبي.

آنذاك، لم يكن هوجس، يعرف شيئا، على الأرجح، عن هذا الشارع ولا عن مسرح «باليديوم»، لكنه قبل أيام، وهو يتابع جدول حفلات هذه الفرقة، التي يدهش رجالها المتأنقون الجمهور من أميركا الى ايرلندا الى شنغهاي.. صار أكثر دراية بالمدينة والشارع. أنتجت اللحظة حلما، وانتج الحلم واقعا من 12 مغنيا، يصدحون بنبض واحد، بايقاع واحد وحركة واحدة، تكاد تحمل صبغة عروضات «برودواي».. على خشبة مسرح واحد. السيدة الخمسينية التي لم تتمالك نفسها، فوقفت ورقصت وغنت مع أحد الشبان، حين ترجلوا من الخشبة الى الصالة بين الجمهور الغفير، كانت غارقة في فضاء من السحر.

سحر وانتشاء وإثارة خيمت على أجواء المسرح الذي يتسع للمئات، ويعتبر الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط. «التينور»، وهو أحد أنماط الغناء الأوبرالي، ربما يكون وصفا مبالغا به، قياسا الى الصوت الذي خرج من حناجر الشبان. فإذا حقّ لنا فعلا أن نسميهم ال«تينور»، فماذا يكون، والحال، وصف بافاروتي وكاريراس ودومنغو؟ لكنهم لم يقدموا أداء ضعيفا، أولئك الشبان الذين يحملون هوياتهم من الولايات المتحدة وبريطانيا وايرلندا، ويصهرونها في بوتقة واحدة من الموسيقى الفولكولورية وموسيقى البوب والجاز وحتى الهيب هوب، تمكنوا في الدقائق الأولى من جرّ الجمهور الى فضاء الإثارة ذلك. الناس تحب المجاميع. نحن نتضايق وعدد كبير منا لا يحبذ فكرة عروض الـ«وان مان شو». نشعر بالضجر أحيانا، وتستهوينا أفكار برودواي المسلية.

حين يمتزج الغناء بالتمثيل، وحين يتدخل الجسد ليحكي مع الموسيقى شيئا عن المشاعر ومكنونات القلب، وحين تأتي «فرقة» بكاملها لكي تواسينا وحدتنا، قلقنا وتوقنا الى الحنين والذكريات. هكذا توغل الشبان ال12 عبر مجموعة من أغنيات عتيقة، الى وجداننا، فتحركت أقدام المشاهدين وهم على كراسيهم، ورقصت السيدة الخمسينية.. من دون خجل. «انها من انجح الحفلات التي قدمناها في حياتنا».. صرخة صدرت عن أحد المغنين، الذين غمرهم ذلك الشعور المفعم بالافتخار، وهم يحيون الجمهور بعد كل أغنية من الأغاني التي تجاوزت العشر في برنامج مدته أكثر من ساعتين. «السلام عليكم»، قال أحدهم بلهجة بريطانية «مكسّرة» فصفق له الجمهور ولسان حاله: هؤلاء الشبان أنيقون ويعرفون الأتيكيت ايضا.

البداية في العشرينات

بدأت فكرة الـ «12 تينورا» قبل سنوات بعيدة. في تاريخ الموسيقى الايرلندية، وبدءا من عشرينيات القرن المنصرم، بوسعنا أن نتذكر فرقة تحمل الاسم ذاته، وأغانيها مثل « ماي وايلد آيريش روز» و« وذا غالوي شول» وغيرها.. لا تزال عالقة في الذاكرة، وأصبحت من كلاسيكيات الموسيقى الغربية.

لكن بيل هوجوس أعاد احياء هذه الفكرة في التسيعينات، عبر برنامج تلفزيوني تم بثه على القناة الأميركية المستقلة PBS. الفرقة تجول اليوم، بنسخ مختلفة، في المدن العالمية وتقدم عروضها وأغانيها. كان لدبي محطة لن تنسى معها مؤخرا.

دبي- إبراهيم توتونجي