يشتري الناس خروف العيد في وقت مبكر ويحرصون على رعايته وتسمينه حتى يحين موعد ذبحه فيكون الأمر محزنا للصغار الذين يرون فيه صديقا ممتعا يلعبون معه كل يوم، لذا فإن ذكريات عيد الأضحى ترتبط عندهم بخروف العيد والطرائف التي تدور حوله والحزن الطفولي الذي يصيبهم حين يفتقدونه.

والتأثر الذي يرافق ذبح الخروف قد يبقى عالقا في الذاكرة حتى مع تقدم الانسان بالعمر، فعبد القادر عبد العزيز رجل في عقده الرابع لا يزال يتذكر قصته مع خروف العيد بتأثر فيقول : كنت في الثامنة من عمري حين اشترى والدي خروفين قبل شهرين ونصف من عيد الأضحى.

وقد قررنا أنا وأخي تقاسم صداقتهما، فاختار كل منا خروفه وتحمل مسؤولية رعايته واطعامه، وكان والدي يشجعنا على هذا العمل حتى توثقت علاقتنا بالخروفين ولم نكن ندرك أنهما مخصصان للذبح صباح عيد الأضحى وأننا سنودع إلى الابد الحيوانين الوحيدين اللذين دخلا بيتنا، إذ كانت أمي ترفض أن نمتلك كلبا أو قطة أو أي حيوان آخر.

وقد كنا نعود من المدرسة راكضين نحو مكان الخروفين المخصص لهما في جانب البيت، وكان أخي أكثر تعلقا مني بخروفه، فأنا أحب لعب الكرة وكنت أخرج مع رفاقي، أما أخي الصغير فقد خصص كل وقته للعب مع الخروف ومناجاته، وكان يشفق على خروفي أحيانا فيطعمه كذلك، وما أن جاء يوم العيد حتى صدمنا بذبح الخروفين وكان الأمر قاسيا جدا على أخي الذي قضى أيام العيد كلها باكيا ورافضا كل أنواع الترضيات التي تقدمها الوالدة له، ومنذ ذلك اليوم لم يعد أبي يشتري خروف العيد إلا في ليلة العيد وكنا نتجنب حضور الذبح أو الاقتراب من الخروف.

ويتذكر جمعة بن ثالث الباحث في التراث وعضو جمعية الإمارات للغوص خروف العيد قائلا : يختلف عيد الأضحى قليلا عن عيد الفطر لأن الأهل يشترون خروف العيد قبل عدة أيام من العيد فيقوم الأولاد بإطعامه وإحضار الماء له ويأنسون باللعب معه حتى إذا جاء يوم العيد يهربون من البيت بسبب ذبحه ويحزنون بسبب فقدانه، وكنت من الأطفال الذين يهربون عند ذبح الخروف ولا أتحمل مشاهدة المنظر أو البقاء في البيت حينها.

ويتذكر الشاعر والاعلامي خالد الظنحاني خروف العيد ضاحكا ويقول: عندما كنا صغارا كانت خراف العيد تشترى قبل أكثر من شهر وتوضع في الحظيرة وكنا نحن الذين نربيه وبالتأكيد كان زعلنا كبيرا عندما يذبح لكن أخواتي البنات كن أكثر تأثر بهذا الموضوع، فلا يأكلن من لحم الخروف ويحزن عليه، وفي الحالات التي يشتري فيها والدي خروفا من السوق قبل العيد بليلة أو ليلتين ولا تكون عندي علاقة به أقف معه لمساعدته في الذبح لسببين أولهما لأحصل على الكلية فأنا أحب أكلها وثانيهما ليقول عني والدي أني رجل وشجاع وأستطيع تحمل المصاعب، وقد كنت أدرك مبكرا أن مصير الخروف هو الذبح فأحاول عدم الاهتمام به.

أما الكاتب المسرحي أحمد الماجد فله حكاية أخرى مع خروف العيد إذ يقول : في إحدى السنوات أحضر والدي خروفين صغيرين للعيد ووضعهما في زاوية حديقة البيت لكنهما أتلفا الحديقة وأكلا نباتاتها وكنا نحن الصغار مستمتعين بوجودهما نلعب ونتبارى في اطعامهما حتى كبرا وسمنا وأصبحا جاهزين للذبح ولكن المفاجأة أن أحد الخروفين قد سرق قبل العيد بليلة وكانت صدمة لنا ولأبي الذي ضحى بحديقة البيت من أجل خروف العيد، فخروفنا لم يذبح أمام أعيننا وإنما اختفى بشكل نهائي ولم نعرف السارق أو نهتدي إليه، وبالنتيجة ذبح خروف واحد وقد كنت أرغب بمشاهدته بدافع الفضول لكني حين كبرت لم أعد أحب تلك المشاهد.

الاعلامي سعيد الكعبي تحدث عن تجربة مختلفة تماما مع خروف العيد قائلا: تربية الطفل البدو تختلف عن تربية أبناء الحاضرة، فنحن متعودون على وجود المواشي في بيوتنا وذبحنا يكون في مناسبات مختلفة وفي اكرام الضيف لذا لا تنشأ علاقة صداقة مع خروف العيد في الوقت الذي يكون لدى أهلنا قطعان من الغنم، لكن عيد الأضحى يكون مختلفا بالنسبة لنا لأننا نتحمل مسؤوليات مختصة بالذبح مثل تنظيف رؤوس الغنم ونزع الجلد عنها، وتوزيع لحوم الأضاحي على بيوت المنطقة فيحمل كل صبي منا كمية من حصص اللحوم نقدمها للجيران وربما يعطوننا حصتنا من اللحم إن لم يكونوا قد ارسلوها الى أهلنا بعد، وتلك العملية من الواجبات التي ينبغي القيام بها قبل أن نستطيع المعايدة أو اللعب أو الحصول على عيدياتنا.

اليوم اختلفت العلاقة بخروف العيد الذي صار يشترى من السوق ويذبح فيه ولا يأتي إلى البيت إلا لحما مقطعا لا يعرف عنه الأطفال شيئا.

دبي - دلال جويد