تتحفنا هوليوود بين فترة وأخرى بفيلم مختلف ومغاير للنمط السائد، فيلم (الصندوق) للنجمة كاميرون دياز الذي يشاهده جمهور الإمارات في صالات السينما المحلية ابتداء من هذا الأسبوع، ويطرح موضوعاً من النادر أن تتعرض له السينما، لكن الملاحظ فيه باعتباره العمل الثاني هذا العام لكاميرون بعد فيلم «حارس أختي»، أنه نوعية مختلفة بعيدة عن أفلامها السابقة التي قدمتها معتمدة فيها على الاغراء والأكشن.

وهو توجه يؤكد مقدرتها كممثلة على الرغم من موقف بعض النقاد منه واعتباره أسوأ فيلم قدم في العام 2009.أحداث الفيلم التي كتبها وأخرجها ريتشارد كيلي، مأخوذة عن قصة قصيرة للكاتب ريتشارد ماثيسون صدرت عام 1970 تحت عنوان (الزر)، وجزء من فكرته قريبة الشبه مع اختلاف التفاصيل من المسرحية العالمية للكاتب الإسباني إليخاندرو كاسونا (مركب بلا صياد) التي تلخص فكرة منح الشيطان الشهرة والمال لشخص يعاني الفشل مقابل موافقته على موت شخص آخر في مكان ما من العالم، والفيلم الجديد تدور أحداثه عام 1976 .ويتناول حياة نورما وآرثر لويس (كاميرون دياز وجيمس مارسدن)، زوجان يعيشان في ريتشموند بولاية فيرجينيا مع طفل صغير، يتلقيان صندوق فيلامربع خشبيلالا بسيط كهدية.

والذي يحمل عواقب مميتة وغير قابلة للتراجع، رجل غريب وغامض (فرانك لانجيلا) ذو وجه فظيعة مشوهة من الناحية اليسرى، يسلم الزوجة رسالة مفادها أن الصندوق سيمنح مالكه مليون دولار مع الضغط على زر بداخله، لكن الضغط على هذا الزر في وقت واحد سيتسبب في وفاة إنسان آخر في أي مكان من العالم، شخص لا يعرفونه، ومع إعطاءهم مفتاح الصندوق ومهلة 24 ساعة فقط، تصبح مسؤولية القرار صعبة وأخلاقية ولا تتوافق مع الحقيقة والمشاعر الإنسانية.تبدأ ظروف الحياة المادية في ممارسة لعبة اتخاذ قرار الضغط على الزر، الزوجة التي تستند على منحة تعليم ابنها مجانا لكونها مدرسة تنتهي، الزوج الذي يعمل في وكالة ناسا ويأمل في أن يكون رائد فضاء يفشل.

ويدفع الخوف من فقدان الوطن بسبب الافتقار إلي المال دوره في أن تضغط الزوجة على الزر، مبررة لنفسها لا فرق سيحدث طالما أنها لا تعرف من سيموت، ومثلما أخرجت حواء آدم من الجنة، دفعت نورما زوجها آرثر إلى نار المعاناة مع اختيارات متعددة خلال بحثه عن وسيلة لإنقاذ الموقف، حيث يرفض المال الذي يفقده الزوجة المفضلة تضحيتها بنفسها في مقابل بقاء حياة ابنها الوحيد بلا عاهات.

فكرة الفيلم تبدو بسيطة، لكنها واحدة من أكثر المسائل العميقة، والتي تركز على مقدرة الإنسان في تحديد اختيارات مصيرية قد تدفعه إلى النجاح أو الفشل، وما أكثر الخيارات التي نتخذها على مدار اليوم الواحد دون وعى أو إحساس بوخزه ضمير إذا كانت على حساب الآخرين.

كاميرون دياز في دور الزوجة (نورما) مقنعة إلى حد كبير، ومصدر قوة للفيلم خصوصا في مشاهد ظهورها بإعاقة جسدية مفتقدة 4 أصابع من قدم رجلها، كما كانت مشاهدها أمام العملاق (فرانك لانجيلا) مؤثرة تماما وداعمة لمضمون ورسالة العمل إلى أقصى درجة، وجاء أداء لانجيلا السهل الممتنع مؤكدا افتتان الجمهور به وكذلك النقاد الذين رشحوه العام الماضي لجائزة أوسكار أفضل ممثل عن دوره في فيلم (فروست نيكسون)، وبراعة لانجيلا في هذا الفيلم تأتي من مقدرته الفائقة على الولوج إلي عالم خاص يجمع بين كونه من البشر وتعرضه لحادثة حولته إلي شخص خارق.

وعلى الرغم من أن مخرج الفيلم ريتشارد كيلي يعتبر أحد المبدعين من أبناء جيله، لكنه قد يكون أسوأ حكاواتي للأحداث في هذا العمل، لغرابة سرده وتناوله للخيال المرعب في النصف الخلفي للحكاية، دون رسالة واضحة ومؤثرة في مضمون ما يعرضه، فلا تفسير لنزيف الدم من الأنف، ودوامات الماء الخالية من الهواء، وضربات البرق التي أكسبت (لانجيلا) قوى خارقة.

كما أن قيادته لمجموعات العمل التي رفضت أو وافقت على ضغط زر الصندوق، ظهرت في مشاهد من الفيلم وكأنها تحت تأثير مخدر شديد لم تثر العواطف، وتحتاج إلي رد علمي مقنع.

عموما الفيلم ـ وهذه ميزته الجوهرية ـ يتغنى بإحساس الإنسان بالمسؤولية، ويؤكد أن بقاء الحياة واستمرارها يعتمد على هذه القيمة الإيجابية، وهذه الرؤية البناءة لا تأتي في فيلم «الصندوق» كشعارات، أو تقال بطريقة نظرية، ولكنها تتجسد في مواقف وسلوك ومشاعر كل أبطاله.

دبي ـ أسامة عسل