لندن مدينة حميمة يمكن لزائرها أن يشعر بعراقتها وبالألفة معها؛ فالشوارع المكتظة بالعابرين والأبنية التي تفوح من حيطانها رائحة العتق والأشجار الباسقة والشرفات المزينة بالزهور كلها يمكن أن تحيلنا إلى العراقة التي تتمسك بها المدينة حتى لتبدو كسيدة كلاسيكية أنيقة تحاول أن تبدو عصرية، لكنها لا تتخلى عن مظهرها الملتزم، وحليها الراقية وقبعتها الموروثة من زمن سابق.
لندن مدينة لا تشي بسهولة في كل ما بها، فقد تبدو للوهلة الأولى مثلها مثل أية مدينة أوروبية يمكن لزائر عربي أن يكتشفها أو يتعرف إليها، لكن تلك المدينة التي تتحدث الإنجليزية بفصاحة مفهومة ومريحة تقدم نفسها على مهل حتى ليستطيع القادم إليها أن يرتشف معالمها رشفة رشفة، والرحلة التي نظمتها هيئة السياحة البريطانية للتعرف إلى لندن قدمت صورة سريعة لكنها وافية عن تلك المدينة المكتظة، وهي ترتدي حلة الشتاء، وتحتفي بسطوع الشمس على نهارها في أيامها الباردة الممطرة. بدأت الرحلة من مطار دبي إلى مطار هيثرو على متن طائرة الخطوط الجوية البريطانية ليشعر المرء أنه دخل في أجواء المدينة، وأهلها قبل أن يصلها، وكان الصباح اللندني دافئا بالقياسات الأوربية حتى إن حديقة الهايد بارك الشهيرة كانت محتشدة بالناس ممن وجدوا فرصة للتنزه أو الرياضة بين أرجائها، غير أن الوقت لم يسعفنا للتعرف إلى زاوية الخطباء وحرية الرأي، لكن منظر الأشجار الباسقة وبقايا الخريف وأوراقه التي تغطي المكان يوحي بأننا على أعتاب غابة شذبت لتناسب سكان المدينة وتمنحهم مساحة باذخة للتمتع بالطبيعة وسعة المكان.
والاطلالة من فندق الدورشستر توحي بجمالية خاصة، إذ إنها تجمع بين منظر الاشجار الضخمة، وهي تظلل جانبي الشارع العام، وبين حركة مرور السيارات التي تبدأ منذ ساعات مبكرة في الصباح، ويستطيع سكان الفندق الذهاب سيرا على الأقدام إلى شوارع المدينة التي تعج بالأسواق والبضائع والصناعات العريقة التي يفخر بها اللندنيون مثلما يفخرون بمقاهيهم ومطاعمهم التي تزورها الأسرة المالكة بين حين وآخر. التنقل في لندن يختلف باختلاف وسائل النقل، حيث يستخدم معظم السكان المترو أو الباصات بينما تأتي سيارات الأجرة في آخر المطاف بسبب ارتفاع أسعارها، واللافت في المدينة أن معظم الناس يحملون صحفهم بأيديهم؛ فما أن يستقروا في الباص أو المترو حتى يخصص هذا الوقت للقراءة، ولا تكاد ترى أحدا يحمل هاتفا متحركا بيده؛ فهو يخفيه ولا يستخدمه إلا للضرورة، ومترو الأنفاق يصل بين مدن لندن المختلفة ويسهل حركة المرور ويخفف الاختناقات المرورية، لكنه لا يوفر للمسافر فيه متعة المشاهدة لأنه يسير بين أنفاق المدينة التي خصصت بشكل عام للإعلانات وأحيانا للوحات تعرف بتاريخ المملكة المتحدة وماضيها.
ولندن التي تمتد على ضفتي نهر التايمز تشتهر بمعالم عريقة لها حكايات تعد نموذجا يفخر به الإنجليز ولعل من ابرز وأشهر تلك المعالم جسر لندن الذي بقي لمدة طويلة الجسر الوحيد الذي يربط جانبي المدينة، وتشير الروايات إلى أن جسر لندن الأول بني عام 1097 بتبرعات أهل المدينة وهو يشكل قصة نجاح مميزة للتعاون بين السكان وحرصهم على بناء المدينة بأفضل الطرق حتى أصبح الجسر معلما مهما لابد لزائر لندن من الوصول إليه. ومعالم لندن كثيرة ومعظمها يمتلك بعدا تاريخيا مميزا منها قصر باكنغهام الذي يقع في قلب المدينة قريبا من ساحة (الطرف الأغر) وتسمية الساحة مأخوذة من اللغة العربية وهي ساحة احتفالات رئيسية تعد من أشهر ساحات لندن حيث يجتمع الناس للاحتفال برأس السنة والمناسبات الرسمية، وتقيم الملكة في قصر بنكهام وتستقبل فيه زوارها من الملوك والرؤساء.
وترفع الراية الملكية في القصير حين تكون الملكة موجودة فيه ثم تنزل الراية حين مغادرتها القصر، وفي الاحتفالات الملكية والأعياد تصعد الملكة مع أسرتها إلى الشرفة لتحيي المحتفلين وفق مراسم ملكية خاصة، الامر الذي يستقطب اهتمام السياح والسكان على حد سواء، وفي عطل نهاية الاسبوع نجد أن الأسر تحرص على اصطحاب أبنائها إلى مختلف معالم المدينة رغبة في الجمع بين المتعة والتعلم وربط الطفل بتاريخ بلاده بشكل ممتع ومفيد.
ومع تنوع الساحات والمعالم نجد أن التجول في لندن يمكن أن يعرف الزائر بمعالم المدينة بطريقة أكثر قربا والتصاقا من التنقل بوسائط النقل، حيث يميل معظم سكان المدينة إلى الانتقال بين شوارعها المختلفة سيرا على الأقدام، خاصة في الاماكن التي تحتوي كثيرا من الخدمات والمعالم ومحال التسوق مثل ساحة بيكاديلي التي تربط مجموعة من شوارع لندن ببعضها وتكون قريبة من المسارح والمحال التجارية، إضافة إلى أن المشي في شارع أوكسفورد يعني متعة تسوق حقيقية حيث مختلف المحال ومراكز التسوق.
إضافة إلى الباعة الذي يقفون بعرباتهم على الأرصفة ليعرضوا بضائع مختلفة مثل الحقائب والساعات والملابس المتنوعة، كما يزخر الشارع بالمقاهي ومحال الأطعمة السريعة التي تمثل محطات استراحة للمتسوقين في الشارع.
وتتميز منطقة الكوفنت غاردن بأنها من أكثر المناطق السياحية شعبية فهي منطقة حيوية تقام فيها الكثير من الفعاليات والأنشطة وتقدم أنواعا من مختلف الأطعمة العالمية؛ فهو مكان المتعة الخاصة بالطعام حيث تجد تنوع المعجنات والأطعمة المطهوة والطازجة والمشروبات والفواكه والخضار والبهارات والأجبان والشكولاته والحلويات القادمة من دول مختلفة حتى ليبدو نشاط السوق احتفالا بالطعام أكثر منه تسويقا له. والمدينة التي تعد الأكثر ازدحاما في أوروبا توفر مطاعم من مختلف أنحاء العالم، فليس من الصعب على الزائر أن يجد المطاعم الشرقية من تركيا ولبنان وايران والعراق ليتناول ما يرغب فيه من وجبات شرقية وكأنه يجلس في بلده، وهي مزية تخفف عبء البحث عن اللحوم الحلال التي تشكل عقبة أمام كثيرين وتمنعهم من تناول طعامهم بهدوء.
المدينة
بنى الرومان لندن عام 43 ق م وقد شيدت معظم بيوتها من الخشب إلى أن جاء حريق لندن الذي دمر المدينة، فصدر قرار ببناء البيوت من الحجر والقرميد.
ماربل ارتش
قوس الرخام هو أحد المعالم الجميلة في لندن، حيث بني في أحد أركان حديقة الهايد بارك عند تقاطع شارع أوكسفورد على الطريقة الفنية الرومانية.
هايد بارك
الهايد بارك واحدة من أشهر حدائق لندن وأكبرها فيها مجموعة من الاشجار الضخمة، إضافة إلى بحيرة، كما تحتوي ركنا للتعبير الحر يسمى (سِمفًمَّْ َُْمْ).
لندن - دلال جويد



