هل تخيلت نفسك سائرا في نفق مظلم، وبين لحظة وأخرى تقرع رأسك وتفجر أذنيك صرخات مدوية.. الحال نفسه يعانيه اليوم كل من تربوا على الأصالة الطربية، والذين تتوالى معاناتهم مع التلوث السمعي المسمى اليوم زورا الأغنية الشبابية.. ويترحمون على زمن الأصالة، لكن يبدو أن بصيصا لاح في النفق.. تمثل فيما انتهت إليه فعاليات مهرجان الموسيقى العربية في دورته الثامنة عشرة، والتي احتفت بعدد من المطربين المتميزين ما عدَّه البعض بريق أمل يعيد للأغنية بعضا من عرشها المتصدع.

المتابع لفعاليات مهرجان الموسيقى العربية في دورته الثامنة عشرة، الذي ضم 39 حفلا، أحياها 19 مطربا ومطربة من 8 دول عربية، والذي أكد أهمية النقد في الموسيقى العربية وحث مؤسسات التعليم الموسيقي على الاعتناء بهذا التخصص، فضلا عن تكريم ناقد موسيقي خلال الدورات القادمة والتركيز على الهوية الموسيقية العربية كأساس في العملية التربوية في برامج التعليم الموسيقى بكل مستوياته. وضرورة تقديم أغان مختارة من التراث الموسيقي الشعبي الخاص بالأطفال من كل بلد عربي، واختيار أنسبها لكي تقدم في العروض الخاصة بالطفل في مهرجان الموسيقى العربية- يجد العديد من علامات الاستفهام حول شكل المهرجان هذا العام، بعد أن رفع شعار الفن الأصيل لمطربين أمثال إيمان البحر درويش ومحمد الحلو من دون الاستعانة بنجوم الكاسيت والفضائيات في إحياء ليالي المهرجان، وهو ما نجح فيه رغم ما واجهه من عواصف شديدة، ما يعطي بارقة أمل على عودة الفن الأصيل.. وليطرح السؤال نفسه من خلال المهرجان: هل هو مجرد تكريم، أم محاولة لاستنهاض الأصالة؟..

وعن ذلك يجيب د. سمير فرج، رئيس دار الأوبرا المصرية سابقا، رئيس المهرجان، بأن مهرجان الموسيقى العربية ليس مجرد حفلات تقليدية، أو مسابقة فنية مغمورة، لكنه مدرسة خاصة تهدف للحفاظ على التراث والهوية الثقافية والارتقاء بالأغنية العربية عامة والمصرية على وجه الخصوص. وأوضح أن التكريم في منظومة المهرجان يعتمد على معايير شديدة الدقة، سواء في اختيار المكرمين أو المشاركين من جميع الدول العربية، فلا يفوز إلا الأحق والأجدر من خلال لجنة التحكيم المكونة من خبراء متخصصين، لذا كانت هناك تكريمات للكبار والشباب.. وكان فوز طفل أردني بالجائزة الأولى للمهرجان دليلا على عودة الروح إلى الأصالة والذائقة السمعية.

مجرد بداية... بينما يرى الموسيقار عمار الشريعى أن المهرجان شهد تطورا وإنجازا حقيقيا، أكد أن الفن الأصيل هو الأبقى، رغم ما تردد عن اعتذار بعض نجوم الكاسيت عن عدم المشاركة، ليبدأ المهرجان مرحلة مختلفة يعود فيها إلى هويته الأساسية الثقافية والفنية، واضعا أغاني التراث العربي بمقاماته الأصيلة في المقدمة، منها تكريم الفنان الراحل سيد درويش الذي يعد تتويجا للمهرجان نفسه مقدما العديد من الأصوات القوية منها محمد الحلو وإيمان البحر درويش. ومن الشباب آمال ماهر وغيرهم ممن يملكون أصواتا حقيقية لتقديم فن أصيل بدلا من تحويله إلى حفلات غنائية تجارية مثلما حدث في السنوات الماضية.وطالب الجميع بمساندة المهرجان في تحقيق ما بدأه هذا العام من إحياء للفن الأصيل خلال السنوات القادمة.

مشيرا إلى أنه يتمنى أيضا ألا تتوقف المسألة عند حد اختيار المكرمين من أصحاب الأصوات القوية، بل تمنى أن يعود المهرجان إلى سابق عهده في التركيز على التراث وتقديم الموشحات والطقاطيق، وألا يتوقف الأمر عند تقديم أغاني عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم وفريد وفايزة أحمد فقط، متمنيا أن يكون تكريم أقطاب الأصالة الطربية مجرد بداية وليس النهاية.

حفاوة بالغة

وأعرب الملحن ياسر عبدالرحمن عن تفاؤله بما انتهى إليه مهرجان الموسيقى العربية هذا العام، مؤكدا أنه عمل على تحقيق مستوى فني حقيقي بمعايير موضوعية تدعم الارتقاء بالأغنية العربية من كبوتها الممتدة لسنوات طويلة، مدللا على نجاح المهرجان بالحضور الكثيف من الجمهور الذي شهدته حفلات المهرجان على الرغم من غياب نجوم الكاسيت، ما يؤكد أن المهرجان نجح في إعادة الصواب إلى الأذن العربية التي عانت كثيرا من التشوهات السمعية..

مؤكدا في الوقت نفسه أنه لا يهاجم نجوم الكاسيت، لكنه يهاجم فقط من زعموا وفاة الأصالة الطربية.. ويلفت إلى أن الحفاوة البالغة التي قوبل بها عدد من رموز هذه الأصالة في عباءتها المعاصرة أمثال إيمان البحر درويش ومحمد الحلو وهاني شاكر وغيرهم.

إنما يؤكد أن الجماهير متعطشة حقا إلى أن تستعيد الأغنية العربية والمصرية مكانتها التي تراجعت كثيرا برحيل محمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش، وابتعاد أصوات أخرى مثل نجاة وعزيزة جلال وغيرهما، وأعرب عن سعادته بتكريمات المهرجان هذا العام والتي كانت مبشرة إلى حد ما.

ساندوا المهرجان

حلمي بكر طلب من الجميع مساندة المهرجان بدلا من الهجوم عليه، مؤكدا أن النجوم الذين تم تكريمهم هذا العام سواء من الكبار أو من الشباب يستحقون بالفعل هذا التكريم، سيما أن المهرجان حاول هذا العام أن يظهر بثوب جديد يربط ما بين القديم والجديد، وهي المعايير التي تم عليها اختيار المكرمين من الجيل الحديث لتشجيعهم وإعطائهم دفعة قوية للأمام نحو التميز في أعمالهم.

ونفى أن يكون قد هاجم تكريم المايسترو خالد فؤاد، موضحا أنه فنان له قيمته الفنية، وله مؤلفات موسيقية عديدة، وقاد حفلات لعدد كبير من نجوم الوطن العربي ومصر، معربا عن اعتقاده بأن تكريمه تأكيد على أن معايير الاختيار تتركز على قيمة الفنان وتاريخه الحافل بالأعمال..

وفي الإطار ذاته جاء تكريم المطرب إيمان البحر درويش الذي يعتبر واحدا من المطربين الذين يحملون موهبة وصوتا قويا، وله تاريخ متميز مع الأغنية العربية. وأضاف أنه رغم اعتراض البعض أيضا على تكريم الملحن الشاب وليد سعد من خلال المهرجان فإن أحدا لا يستطيع إنكار أنه ملحن موهوب، وتمنى أن يظل المهرجان في انفتاحه على الأصوات الحقيقية، وعدم الالتفات إلى غياب نجوم الكاسيت.. ففي النهاية لا يصح إلا الصحيح، ولا يبقى إلا التميز.

إطلالة عصرية

أما منير الوسيمي، نقيب الموسيقيين المصري، فأكد أن الفن الحقيقي لا يتأتى إلا بمحاولات جادة من الجميع لإعادة بعث الحياة في الموسيقى العربية، باستعادة الأصالة في كل صورها، في الكلمة، اللحن، الأداء، التوزيع..

مؤكدا أن المهرجان يعد من أهم الأعمدة التي من خلالها يمكن تحقيق ذلك، خاصة إذا كان يقوم على معايير هدفها الأساسي هو الحفاظ على التراث والهوية الثقافية وتقديم فن تحترمه كل الشعوب العربية، وهو ما نجح المهرجان في تحقيقه نسبيا.. موضحا أن إهداء تكريم لروح الفنان الكبير سيد درويش جاء تأكيدا لهدف المهرجان من الحفاظ على التراث، ومحاولة بعثه مجددا بإطلالة عصرية.

أخيرا، أكد الملحن حمدي صديق أن ما حدث من تكريمات هذا العام في مهرجان الموسيقى العربية كان اختيارا موفقا، تركز في الأساس الأول على تدعيم الموسيقى العربية من خلال معايير حقيقية تتبنى مؤهلات الفنان أساسا وراء تكريمه، من حجم إبداعاته وتأثير أعماله على الساحة.

وكونه ترك بصمة بها، مطالبا بأن تكون الصحوة الأخيرة للمهرجان مجرد بداية نحو استعادة الأغنية المصرية العربية مجدها الآفل، وأن يتمسك المهرجان بهدفه الأساسي منذ نشأته وهو الحفاظ على الهوية التراثية والثقافية، وأن يكون تركيزه في المقام الأول والأخير على الفن الحقيقي، والمواءمة بين القديم والحديث لإحداث نهضة موسيقية حقيقية.