جاءت أفلام المسابقة الدولية لمهرجان القاهرة السينمائي الذي ينهي فعالياته غدا، مثيرة لجدل الصحافيين والنقاد الذين وصفوها بالمستوى الرديء، خلافا إلى مشاركاتها في أكثر من مهرجان سابق، ما أضعف التنافس.
حيث أقر صانعوها أنهم شاركوا من قبل في مهرجانات أخرى عالمية وحصل بعض منها على جوائز، مثل فيلم الافتتاح الهندي «نيويورك»، والفيلم التركي «رأيت الشمس»، والفيلم الفنلندي «رسائل إلى الأب جاكوب»، وألقى ذلك بظلال وعلامات استفهام حول شروط اللوائح التي حرمت الفيلم المصري «المسافر» من المشاركة لعرضه قبل شهور في مهرجان فينيسيا.كما يبدو أن عقدة الخواجة أيضا أصابت منظمي المهرجان الذين رفضوا فيلم «عزبة آدم» وهو فيلم مصري لم يعرض بحجة أنه لا يرقى للعرض في المسابقة واختيار فيلم المخرج مجدي أحمد علي «عصافير النيل»، وهو إنتاج مشترك بين وزارة الثقافة والشركة العربية، ما جعل البعض يتساءل هل «عصافير النيل» هو الذي يرتقي للمشاركة في المسابقة، أم أن الوزارة التي تشرف على مهرجان القاهرة لا تريد أن تخرج الجائزة التي سيحصل عليها الفيلم بكل تأكيد من بين يديها، لتبقي هي صاحبة الفضل الأول في إنتاج أفلام تحصد جوائز المهرجانات أو تحظى بالتمثيل المشرف كالعادة.
وبعيدا عن أزمة الأفلام المصرية في المسابقة العربية وما ستفرزه نتائجها، نتعرض بالرصد والتحليل للأفلام التي عرضت في فعاليات المهرجان، والتي انتهج معظمها مبدءا مشابها يمكن أن نصفه بالتسول والتسكح السينمائي أمام الغرب، فكلما تابعنا عملاً سينمائياً غربياً يتعرض موضوعه إلى قضايا المسلمين أو العرب المهاجرين في أوروبا وأمريكا لا نجد إلا نمطا وصورة واحدة تكاد تتطابق مواصفاتها في كل هذه النوعية، حتى أصبحت الصورة الراسخة في ذهن المشاهد الغربي عن مسلمي أوروبا وأميركا هي التصاق الهوية العربية والإسلامية بمفهوم الإرهاب الدولي عند الغرب. نيويورك.. ووجهة نظر صانعيه الفيلم الهندي «نيويورك» للمخرج كبير خان وهو فيلم الافتتاح لهذا العام، يقدم لنا نظرة مضطربة حول تعريف معنى الإرهاب من وجهة نظر صانعيه الذي حاول الفيلم الإشارة إليهم ولكن بشكل متردد يلقي بجزء من المسؤولية على من صنع هذا الإرهابي من البداية، ومن أوقع عليه الظلم وانتهك حريته وكرامته الإنسانية في المعتقلات السياسية في أميركا وجوانتانامو.
ومن ثم تحول إلى إنسان غير سوي نفسياً دفعه الانتقام من أجل إنسانيته الضائعة إلى محاولة الانتقام والثأر العشوائي الذي يسمونه الإرهاب، لكن المخرج سريعاً يستعيد وعيه ويقلب كل الموازين إرضاء للجاني علي حساب المجني عليه، أو بمنطق أن البقاء للأقوى، والأقوى هنا هو الأفكار التي زرعتها القوى الأميركية في عقول شعبها، وانتقلت تلقائياً إلينا، وهي أن كل من يهدد أمنها هو إرهابي عربي مسلم، والموت هو الحل الأنسب له.
ينسج الفيلم من خلال أحداث متشابكة قصة الشاب الهندي عمر الذي حصل على منحة دراسية في مدينة نيويورك الأمريكية وللمرة الاولى يخرج فيها من مدينته إلى العالم الشاسع، ويروي عمر تفاصيل تجمعه بأصدقاء الدراسة بطريقة الفلاش باك بعدما احتجزته الشرطة الفيدرالية بتهمة حيازته متفجرات، وعلى مدار الأحداث نكتشف أنها مجرد خدعة لتوريط عمر في الكشف عن عناصر إرهابية تخطط لعدة تفجيرات داخل الولايات المتحدة.
سمير، وهو أميركي من أصل هندي، الصديق الوحيد لعمر والمنافس له على حب زميلتهما مايا، هو العقل المدبر لهذه العمليات، ولم تقو الشرطة على مواجهته إلا باستخدام شرك وهو عمر الذي يبدو كـ «الأبله» لا يدري ماذا حدث من حوله، وكيف تحول صديقه إلى إرهابي، كما يدعي له ضابط الأمن الفيدرالي وهو أيضا أميركي هندي الأصل.
يقدم هذا الفيلم نوعاً جديداً ومختلفاً عما تتميز به السينما الهندية من تقديمها موضوعات محلية استهلكها منتجو بوليوود حتى أصبحنا نعرفها وندركها قبل أن تحدث، لكن في هذا الفيلم الذي لا يبدو هندياً خالصاً بل فيلم مهجن؛ فأفراده يحملون الجنسية الهندية لكن أفكاره وتوجهاته تحمل الجنسية الأميركية، والفيلم بالكامل صوّر في مدينة نيويورك، وتكلفت ميزانيته ما يزيد على أربعة ملايين دولار، والحالة الخاصة التي يعرضها الفيلم ما هي الا انعكاس مستتر لوجهات النظر الغربية ولكن داخل رداء هندي.
كيف يصنع الإرهاب، ومن أين يأتي، وما مصادره وأهدافه وأنواعه، والمصير الذي ينتظر هؤلاء الإرهابيين، من الجاني ومن الضحية؟.. منذ اللحظة الأولى للأحداث يخدعك المخرج بالحوار المراوغ الذي يوقع المشاهد في حيرة لا تتضح معالمها إلا مع مشاهد تالية نكتشف فيها حقيقة تلو الأخرى، فالمشاهد للوهلة الأولى يظل مترددا بين الشك واليقين حول باطن كل شخصية، فظاهرها يبدو عكس ما نكتشفه دائماً وعما يفاجئنا به المخرج.
سمير هو الهدف المطلوب تصفيته من قبل السلطات الفيدرالية الذي أصبح إرهابياً يحاول الثأر لكرامته بعد احتجازه تسعة أشهر في معتقل غوانتانامو، ضمن حملة اعتقالات المسلمين والعرب التي شهدتها أميركا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
والتي خلفت جيلاً جديداً من العنف التلقائي في ردود أفعال المحتجزين بعد الإفراج عنهم، سمير أو سام الذي تجرد من شخصيته الوديعة بعد خروجه من المعتقل ارتدي شخصية أخرى أكثر عنفا ونعت بالإرهابي، رغم إحباط الشرطة عملية تفجير كان علي وشك القيام بها، وهي العملية الأولى التي كانت تحاول زوجته مايا وصديقه عمر إفسادها حتى لا يتحول إلى إرهابي بالفعل، ولكن الشرطة لم تعطهما المجال لردعه وقتلته هو وزوجته.
السمة العامة الآن في اختيار أفلام المسابقة هي المخاطبة السياسية المباشرة والصريحة للغرب، التي تدعم أفكاره وترسخها كأنها الحقيقة بعينها ومبدأ الخلاص.
أفلام مرشحة للأوسكار
من أفلام المسابقة الرسمية الفيلم التركي «رأيت الشمس»، واشتراك هذا الفيلم أيضاً مخالف لشروط المسابقات الدولية، حيث إنه عرض من قبل في مهرجان طوكيو، والفيلم متاح للمشاهدة الحرة علي شبكة الإنترنت، وحسب رواية المخرج فإن الأحداث أخذت عن واقعة حقيقية لأسرة كانت تعيش على الحدود بين تركيا وإيران، ويتعرض الفيلم لمعاناة الأكراد الذين يسكنون الجبال بين تركيا وإيران، ورفض الحكومات إقامة مجتمع مستقل لهم منفصل عن حدود الدولتين.
وبعد عدة معارك غير متكافئة القوة بين الشرطة التركية والمتمردين تنتهي بتصفيتهم مثل العصافير من الجو بالطائرات الحربية، تطالب الحكومة هذه القبيلة بمغادرة الأرض والنزوح إلى أي مكان آخر، فتنقسم الأسر التي تبدو وكأنها جاءت من مجتمع البادية إلى قسمين: القسم الأول يستهويه الحلم الأوروبي ويسعى إليه بطريقة غير شرعية تكلفه أموالا طائلة لم ندر من أين أتوا بها ولم يقدم لنا المخرج أي تفسير كيف دفعت أسرة من هذا المستوى الاجتماعي الساذج والبسيط جدا هذا المبلغ الكبير لتسهيل هجرتهم غير الشرعية إلى النرويج.
ولكن الرحلة التي سلكوها تبدو أكثر غرابة مما تعودنا أن نتابعه عن معاناة المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا، وكأنهم في نزهة بحرية يصلون سريعاً ودون عوائق حقيقية إلى النرويج، وسرعان ما يكتسبون تعاطف الأوروبيين الذين يقدمون لهم مفاتيح الحياة الزاهية، ونراهم يذوبون في المجتمع الأوروبي وكأنهم يعيشون فيه منذ أمد طويل.
والفريق الآخر تمثله الأسرة التي اختارت أن تبقى في إسطنبول، وقد ذابت أيضاً في مجتمع المدينة، ولكن ذوبان الفناء والتلاشي والتصادم بين حياة الجبل وحياة المدينة، فالمخرج أعطى مساحة أكبر لهذا النموذج المحلي الذي لم يستطع التأقلم مع الحياة المدنية فقضى عليهم وفضلوا العودة إلى ديارهم، فلو سافروا من البداية إلى السحر الأوروبي ربما كان الوضع أفضل مثل جيرانهم.
لم يعطنا المخرج أي فرصة لاتهامه بالتمسح في استجداء الأوروبيين لفتح الحدود مع تركيا، لكنه صرح به في العلن أثناء المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد عرض الفيلم، وعن تمنيه أن تكون تركيا بلدا مفتوحا على أوروبا من ناحية الحدود كما هي من ناحية الأفكار والحريات والثقافة، فقد أعطى المخرج للأوروبيين حجة ومثالاً قوياً في شخصية الأخ الأصغر للأسرة التي هاجرت إلي إسطنبول، شاب يمتلك نوايا مثلية تستقطبه مجموعة من المتحولين أثناء وجوده في المدينة يترك أهله ويذهب للبحث عن رفيق له في نوادي الدعارة وشوارع الساقطين بشكل فج.
ومشاهد بالغ المخرج في تقديمها لنفاجأ قبل النهاية أن هذا هو الهدف الرئيسي للفيلم وليست مشكلة الأكراد على الحدود، فالحوار الذي دار بين هذا الشاب وإخوته قبل أن يقتلوه خوفا من العار الذي يلحق بهم، وأنهم عليهم الاقتناع والتسليم بأن الله هو الذي خلقه على هذا الوضع وعليهم تقبل الأمر دون اعتراض.
والمسألة في الأخير تخضع لحريته واختياره أي بشر هو يحب أن يكون عليه، ويؤكد لنا هذا العمل أنه دعائي يداعب الأوروبيين ويحنن قلوبهم بالتمسح في أفكارهم وأخلاقهم، فلا توجد حياة آمنة لمثل هذا النموذج إلا في أوروبا أو أن تنتقل أوروبا نفسها إلى الأراضي التركية.
القاهرة- دار الإعلام العربية


