لا توجد هواية يُنفق عليها عشاقها الآلاف، وربما الملايين، كما هو الحال في هواية جمع السيارات القديمة والتاريخية، بغض النظر عن حالتها وظروفها، ولكن كل ما يهمهم الحقبة الزمنية التي كانت تمثل فيها هذه السيارات تحفة عصرها، وهذا ما يفعله محمد الشيخ، أشهر هاوٍ مصري لجمع واقتناء سيارات المشاهير، الذي عشق السيارات منذ صغره وازداد حبه لها، فأصبح يتابع أخبارها ويجمع كل المعلومات عن أماكن تواجدها، ويقطع أميالاً طويلة للوصول إليها.

ويتكبد مصروفات هائلة من أجل النظر إليها، وتخيُّل وضع أصحابها الذين رحلوا عن عالمنا وكانوا يقودونها، وتُعرَض عليه أموالٌ كثيرة لبيعها لكنه يرفض ويعتبرها أحد أبنائه الذين لا يمكن التفريط فيهم، على أمل أن يفتتح متحفًا في المستقبل يطلق عليه «متحف سيارات المشاهير ونجوم المجتمع».. «الحواس الخمس» حاوره عن هوايته الغريبة التي لم يسبقه فيها أحد، ورؤيته المستقبلية لتنميتها. يقول الشيخ: هوايتي بدأت عندما كنت طفلاً لم أتجاوز السنوات العشر، حيث كنت أحصل على مصروفي من والدتي لأشتري به كل ما هو قديم، وكانت سعادتي لا تُوصف عندما أجد الانبهار في عين كل مَنْ يشاهدها، وبدأت في السفر والذهاب إلى كل محافظة من محافظات مصر للحصول على أي شيء نادر حتى وإن كان طابع بريد، وحاولت أسرتي إقصائي عن التفكير والتمادي في جمع النوادر حتى لا يؤثر ذلك على مستقبلي، لكنني كنت أصر على تنمية تلك الهواية بكل الطرق.

سيارات المشاهير... ويواصل حديثه قائلا: أثناء رحلتي مع عالم التحف والمقتنيات لفتت انتباهي نوعيات سيارات المشاهير، وكانت عيني تذرف دمعًا حينما أرى سيارة تباع أمامي وأنا لا أملك ثمنها، خاصة أنني كنت لا أزال طالبًا في المرحلة الثانوية في ذلك الوقت، فكنت أقرأ تاريخها وهي معروضة أمامي، وأنها تتميز برونق يختلف تمامًا عن أي سيارة قديمة حتى وإن كان موديلها يعود إلى ما قبل العام 1900. وبعد أن تخرجت قررت صقل هوايتي والبحث عن دهاليز معارض الأشياء القديمة وعن كل ما يباع ويخص السيارات، حتى وإن كان إطارًا تالفًا، وأدركت مع أول سيارة اشتريتها أن ما يربطني بها حب وحميمية سينموان ويكبران مع مرور الزمن، واستطعت - رغم حداثة سني في ذلك الوقت - امتلاك أسطول ضخم من السيارات القديمة بعضها يعود إلى العام 1919 ماركات «هيلمان والبوبك والكاديلاك والترمويل والبيجو»، وكانت لكل سيارة حكاية قمت بوضعها في كُتيّب صغير أتذكر منه حكاية كل واحدة.

وعن أشهر السيارات التي يمتلكها هاوي جمع السيارات القديمة يقول: أمتلك سيارة الملك فاروق، وتعد من أحب السيارات إلى قلبي، حيث بذلت مجهودًا خارقًا لشرائها من أحد المزادات، وبعد أن فزت بها بحثت عن تاريخها فوجدت أن إحدى الملكات الإنجليزيات أعطتها للملك فاروق هديةً، لوجود صداقة وود بينهما، وكان لونها أسود، وكسوتها من الداخل من الجلد الطبيعي البراق والتابلون مغطى بخشب الأبانوس الفاخر.

وأهم ما يميزها، رغم مرور سنوات طويلة على تصنيعها قاربت من المائة عام، أنه يوجد بها كل الكماليات وحالتها جيدة للغاية، وقد لفت نظري وجود مرآة في المقصورة الخاصة بها وتعود قصتها للملكة ناريمان التي طلبت وضعها في هذا المكان بالذات حتى تضبط ماكياجها أثناء وجودها في السيارة عندما تكون مدعوة للحفلات أو في زيارات رسمية.

والجدير بالذكر أنني عندما اشتريتها لم يعلم أحد أنها تخص الملك فاروق، وعند قيامي بتسجيلها أعلنت إدارة المرور الخبر على وسائل الإعلام أنني اشتريت السيارة الخاصة بالملك فاروق، وبدأت القنوات الأرضية والفضائية والصحف تنشر الخبر، حتى بدأ عدد كبير من المواطنين يتوافدون عليّ لمشاهدتها باعتبارها تراثًا لا يقدر بقيمة.

سيارة الوَحْش

يضيف هاوي السيارات: وتأتي سيارة «وَحْش الشاشة» الراحل فريد شوقي في المرتبة الثانية بين السيارات التي اقتنيتها، حيث كان صديقًا مقربًا مني، وأبناؤه أيضًا لايزال تربطني بهم علاقات اجتماعية، وكانت سيارته ماركة «بويك يارك» موديل 1978، وكانت السيارة الوحيدة التي ظهر بها في 90% من أفلامه، وقررت شراءها حينما عرضت أسرته بيعها بعد أن أصبحت موديلاً قديمًا يصعب السير بها في الشارع، لأنها تلفت الأنظار وسط السيارات الفارهة.

وبعد اقتنائي سيارتي الملك فاروق والراحل فريد شوقي بدأت أبحث عن المزادات، وعن الأنواع القديمة والنادرة، فكنت أراقب حركة المزادات في الصحف بصفة يومية، وأشارك فيها حتى لو كانت بأسوان/ جنوب مصر، فاكتشفت عن طريق الصدفة أن هناك سيارة بأحد المزادات تخص مطرب شباب الخمسينات الفنان الراحل محمد فوزي، وتم بيعها لشخص آخر بعد أن اشتراها بمبلغ كبير جدًا لكنني فكرت في الحصول عليها بأي طريقة فعرضت عليه ضعفي الثمن الذي اشتراها به فوافق، وعندما قمت بقيادتها لأول مرة إلى منزلي شعرت بأنني امتلكت الدنيا .

وقبل أن تمر فترة طويلة على شراء سيارة محمد فوزي أخبرني أحد أصدقائي بعرض أسرة الموسيقار عمر خورشيد سيارته ماركة «جاجوار» موديل 1965 للبيع بعد تعرضها لحادث سير، فرفضت في البداية لكني قلت لنفسي: لماذا لا أذهب إليها وأشاهدها؟

وبالفعل حرصت على مشاهدتها في أحد الجراجات الخاصة بأسرته، ووجدت أن حالتها جيدة والحادث لم يؤثر فيها بالقدر الذي يقلق مَنْ يشتريها، فلم أفكر في شيء وقمت بشرائها على الفور وتم إصلاحها وعادت إلى طبيعتها وانضمت هي الأخرى إلى متحف سيارات المشاهير.

متابعة دقيقة

وعن معرفته بأخبار السيارات القديمة يقول: أتابع جيدًا أخبار السيارات الحديثة من خلال الصحف، والقديمة من خلال المزادات والعروض الموجودة على شبكة الإنترنت، وأذهب إلى أي سيارة في أي مكان سواء داخل مصر أو خارجها، مهما كلَّفني ذلك من أموال؛ حتى لا أشعر بالحسرة والندم عندما أشاهد إحدى السيارات القديمة وأصحابها يقومون بتفكيكها لبيعها خردة أو قطع غيار، وأعتبر نفسي عندما أشتريها أنني أنقذها من الإعدام.

أتجاهل نظراتهم

وعن نظرة الآخرين لمحمد الشيخ عند شرائه سيارات قديمة، يقول: دائمًا أتجاهل نظرات الآخرين واستغرابهم التي ربما تأتي من نواحي الإعجاب في بعض الأحيان، ولا أهتم كثيرًا بنظرات المعجبين أو الفضوليين، فإذا كانت نظراتهم تندرج في خانة الإعجاب فهم أصحاب ثقافة، وإذا كانت تندرج في خانة الخردة فهم أحرار، لكنني أراه في قرارة نفسي شيئًا ثمينًا يجب الحفاظ عليه والاعتناء به.

وذلك بعد أن قطعت مشوارًا طويلاً جمعت خلاله عددًا هائلاً من السيارات من مختلف الطرازات يعود بعضها إلى بدايات القرن العشرين؛ لذلك قررت عمل متحف خاص حاليًا بهدف إطلاع الزوار على تلك السيارات، وعلى الحقبة الزمنية التي كانت تمثل فيها هذه السيارات تحفة عصرها، ولعل امتلاكي عددًا كبيرًا من السيارات القديمة جعلني أفكر بشدة في جمعها في متحف خاص، حيث بدأت بالفعل في إعداد الخطوات الأولى لإقامته بعد استكمال بعض الإجراءات الخاصة بذلك.

ويؤكد محمد الشيخ: أشد الصعوبات التي تواجهني عند شراء سيارة موديل قديم ونادرة موت صاحبها ووجود عدد كبير من الورثة، أو جمع أشتات تلك السيارة من أكثر من محافظة أو وجود شيء ناقص بها لم يعد يتم إنتاجه مثل الشكمان أو الريداتير أو بعض أنواع السيور.

فأضطر إلى البحث عنه في أماكن كثيرة، وأحيانًا لا أجده فأُصاب بخيبة أمل وحسرة شديدة عندما أجدها واقفة أمامي لا تستطيع السير، وأنا أقف عاجزًا عن فعل أي شيء، حتى أضطر في النهاية إلى تصنيع قطع الغيار في الورش مما يكلفني مبالغ باهظة لكنها لا توازي فرحتي بإعادتها إلى الحياة.

ولعل الصعوبات الأشد التي تواجهني في الاستمرار في تلك الهواية صدور قرارات جديدة محل الدراسة حاليًا بمنع ترخيص السيارات القديمة حتى موديل 1980، هذا بالإضافة إلى صعوبة تجديد الرخص في الفترات الماضية، حيث تقابلني مشكلات كثيرة تتعلق بالفحص دون إغفال مسؤولي المرور فحص تلك السيارات رغم علمهم بالصعوبة الشديدة في الوصول لقطع الغيار، خاصة أن معظم تلك السيارات انتهت من السوق تمامًا، ويتم طلبها من مصدرها، وهذا يكلف الهواة كثيرًا.

ويرى محمد الشيخ أن تلك الهواية لم تستهوه وحده، فقد استهوت الملوك والرؤساء بعيدًا عن كواليس السياسة والأزمات، لتظهر شخصياتهم الحقيقية في أنهم بشر ولهم هوايات يمارسونها تختلف حسب البيئة والتكوين، لكنها تلتقي في النهاية عند عشق ومعانقة الطبيعة.

فقد كان هتلر معروفًا عنه عشقه لجمع السيارات المرسيدس القديمة والنادرة، والرئيس الأوغندي عيدي أمين كان من هواة جمع السيارات القديمة من جميع دول العالم، كما كان الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران يهوى الصيد، وهو يقود سيارات ذات ماركات قديمة جدًا.

مهرجان فلسطين

ويعتبر مهرجان فلسطين للسيارات القديمة والتاريخية من أشهر المهرجانات في الوطن العربي، ورغم إقامته تحت رصاص جنود الاحتلال إلا أنه يعتبر تحديًا للوضع القائم، حيث تقوم السيارات القديمة بالسير في شوارع رام الله حتى قصر رام الله الثقافي أمام ضريح الشاعر الراحل محمود درويش.

ومن أكثر موديلات السيارات المطلوبة لهواة تجميع السيارات التاريخية سيارة البيتل الكلاسيكية وكانوا يطلقون عليها فولكس أو بيتل، خاصة أنها تمتاز بصوتها الرائع والفريد وحضورها المميز فتجد الجميع يلتفت إليها عند سيرها بالطريق، علاوة على مظهرها الأنيق الذي لا تضاهيه أي سيارة أخرى، فقد كانت رمز الفلسفة والموضة في الستينات والسبعينات، وجمعت بين الأداء والتقنية العالمية والثمن البسيط منذ انطلاقها عام 1938.

وهواة جمع هذا النوع من السيارات يحرصون على اقتناء الطراز الذي ظهر في الخمسينات وحتى نهاية الستينات، الذي يمتاز بإضاءته الخلفية الصغيرة وزجاجه الخلفي، وما يشجعهم على ذلك تميزه عن السيارات الكلاسيكية بتوافر قطع غياره.

وعن السيارات الخاصة بالمشاهير التي كان يرغب محمد الشيخ في اقتنائها سيارة الفنان القدير أحمد رمزي، الذي رفض بيعها والاستغناء عنها، بالإضافة إلى سيارة السفير البريطاني بالقاهرة التي سمعت أنها قديمة جدًا، وكان يرغب في بيعها، وبعد عناد شديد استطعت الوصول إليه لكنني وجدت أحد الأشخاص قام بشرائها.