«إن تحويل الأعمال الأدبية إلى أعمال درامية ظاهرة موجودة منذ بداية السينما العالمية والعربية، وقد حققت السينما من وراء الاستعانة بالأعمال الأدبية جماهيرية عريضة ونجاحا باهراً مثل أعمال عميد الرواية العربية نجيب محفوظ التي تم تحويلها إلى أفلام سينمائية حظيت بالكثير من الإعجاب والمشاهدة المكثفة من قبل جماهير غفيرة».
ومنها عمارة يعقوبيان لعلاء الأسواني، ورد قلبي ليوسف السباعي، هذا ما يؤكده عدد من الروائيين العرب الذين التقتهم «الحواس الخمس» أثناء حضورهم مؤتمر القصة القصيرة الذي اختتم فعالياته أخيرا بالقاهرة، ومن بين هؤلاء القاص والروائي السوداني فيصل مصطفى الذي قال: «عن نفسى أرحب بتحويل قصصي إلى أعمال درامية مع ضمان الحرية الكاملة للمخرج والسيناريست بالتصرف فيها، وذلك لما تفرضه تقنيات العمل الفني من معالجة مغايرة عن الكتابة الأدبية».إلى ذلك، يؤكد الروائي السوري زكريا تامر أنه يقبل تحويل أعماله الأدبية إلى درامية تلفزيونية كانت أم سينمائية لكونها تحظى بجماهيرية كبيرة تسهم في الترويج للعمل الإبداعي.
مشيرا إلى ضرورة إتاحة الحرية الكاملة للسيناريست والمخرج في التصرف بالنص الأدبي كما يحلو لهما شريطة عدم الإخلال بالمضمون والهبوط بالمستوى الفني للنص الأدبي، وذلك عائد لسببين، في رأي زكريا، أولهما تباين اللغة بين الوسيط الأدبي والوسيط المرئي، حيث لكل منهما طريقته في العرض والتناول بما يحفز الجماهير على التفاعل والانجذاب إليها، وطبيعة الأعمال الدرامية تفرض الحذف والإضافة والتعديل.. والسبب الثاني هو أن الأديب مسؤول مسؤولية كاملة عن إبداعه المكتوب الموجه للقراء، ويتم محاسبته على عمله الأدبي، أما العمل الفني فهو مسؤولية السيناريست والمخرج والفنانين، وتقع مسؤولية الفشل والإخلال على عاتق فريق العمل كل حسب مسؤوليته.
تؤيده الرأي الأديبة الكويتية فوزية شويش السالم، مشيرة إلى أن رؤية المخرج والسيناريست يجب أن تحترم، ومن حقهما الإضافة والحذف بما يخدم العمل الأدبي عند تقديمه في شكل فني، خاصة أنهما مسؤولان مسؤولية كاملة عن نجاح المشهد الفني، أما بخصوص الكاتب فحقه الإبداعي وأسلوبه محفوظ على الورق، وبشكل عام النص الأدبي أكثر تأثيرا ومداعبة لخيال المتلقي من تقديمه سينمائياً أو تلفزيونيا.
أما القاص العماني سليمان المعمري فيرى أن العمل الأدبي بمجرد تحويله إلى عمل درامي تحول إلى عمل آخر يختلف كلية عن العمل الأدبي مهما بلغت قدرة واتقان السيناريست في أسلوب المعالجة، ومحاولة الحفاظ على النص الأدبي، لافتا أنه على الرغم من أن هناك أعمالاً أدبية أسهم تحويلها إلى أعمال فنية في السينما أو التلفزيون في انتشارها جماهيريا إلا أنه لا يمكن الاستمتاع برواية «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ مثلاً؛ إلا من خلال القراءة للنص الأدبي مع أن الفيلم خرج بصورة جيدة وبنفس المتعة التي تجدها أثناء قراءتك للرواية.
يؤكد المعمري أن الحسنة الوحيدة من تحويل النص الأدبي إلى عمل درامي هي مساهمة الوسائل المرئية في انتشار هذه الأعمال الإبداعية، ويضيف قائلاً: «يسعدني تحويل قصصي إلى أعمال درامية في حالة واحدة أن أضمن عدم الخروج عن مضمونها ومستواها الفني وعدم الاخلال بفنيات النص الأدبي مع إيماني الكامل أن السيناريست له الحق في أن يضيف أو يحذف من العمل الأدبي بما يتلاءم مع الوسيط أو الوسيلة التي سوف يقدم من خلالها هذا العمل، لكن بشرط ألا أرى عند عرض العمل الفني عملا آخر غير عملي الأدبي بمعنى ألا ينقلب المضمون الذي أردت التعبير عنه في النص الأدبي إلى مضمون مناقض له أو بعيد عنه أو مغاير له».
وفي رأي الأديبة اللبنانية الشابة بسمة عمر الخطيب فإن تحويل الأعمال الأدبية إلى أعمال درامية عملية ليست سهلة كما أنها ظاهرة ليست جديدة؛ فالسينما منذ ظهورها استوعبت أكثر من نوع أدبي حيث استثمرت الأدب القصصي رواية أو قصة قصيرة؛ فأخذت من هذه وتلك لتأتي بها أعمالاً سينمائية متفاوتة الصلة بالأصل الأدبي الذي اعتمدت عليه.
وتقول: «إن القصة القصيرة كانت أكثر مناسبة للعمل الدرامي.. نظرا إلى تكثيف الحدث ودلالته الموحية، وهي مزية أعطته نكهة خاصة في السينما لتقديمه مجرد خيوط عريقة أتاحت للسيناريست والمخرج التحرك من خلالها في أفق أرحب من الرواية المتكاملة في عناصرها وحوارها وشخوصها».
وتضيف بسمة قائلة: «أنا ضد من يدخل السينما لمشاهدة فيلم مأخوذ عن نص أدبي وفي ذهنه الرواية أو القصة التي قرأها ويريد عقد مقارنة بين ما قرأ وما يعرض على الشاشة؛ فلابد من مشاهدة الفيلم كعمل فني لأن أي مقارنة غالباً ما ستكون لصالح النص الأدبي، خصوصا الرواية لأنه دائماً يقال إن المخرج فشل في تقديم الرواية كفيلم سينمائي نظراً إلى إصراره أن يبرز مواقف ثانوية في الرواية وتهميش مواقف وأحداث وشخصيات قد تكون أساسية في العمل الأدبي، لكن المعالجة الفنية للعمل الدرامي تتطلب التعديل والتغيير لتقديمه بهذا الشكل الفني وهنا فإن عقد المقارنة يعد ظلماً للعمل الفني».
ويؤكد الناقد الأدبي العماني د.علي المناعي أن تحويل الأعمال الأدبية إلى أعمال درامية تلفزيونية وسينمائية هو نوع من الأهداف النبيلة لهذه الوسائل المرئية الكثيفة المشاهدة؛ فالقصة مثلاً تمثل الامتاع للقارئ، وفي حالة اقترانها بالسينما والتلفزيون؛ فإن ذلك يحقق مزيداً من المتعة والإثارة للمتلقي .
حيث إن الوسائل المرئية تعمل على ظهورها بحلة جديدة؛ ما يعمل على زيادة الاقبال على قراءة النص الأدبي، حيث قد يقوم المشاهد بعد انتهاء المسلسل أو الفيلم السينمائي بشراء القصة أو الرواية، ويعكف على قراءة العمل الأدبي فتزداد المنفعة الفكرية ويزداد الوعي الإدراكي لدية بقيمة هذا العمل الفني.


