ما أكثر الأعمال التي تضخها الدراما العربية حاليا بشقيها التلفزيوني والسينمائي، لكن ما أسرع نسيانها، فليس من المستغرب أن ينسى المشاهد أحداث فيلم شاهده قبل أسبوع، أو يتعسر في تذكر تفاصيل الحلقات الأولى من المسلسل الذي لايزال يتابعه.
فيما لا تغيب عن الذاكرة أعمال عرضت قبل سنوات طويلة، اسأل عن ذلك مشاهدي «ليالي الحلمية، رأفت الهجان، رد قلبي، اللص والكلاب، بين القصرين، قشتمر، الأيام، الزيني بركات»، ورائعة العقاد «سارة».. تجد السر في ذلك هو الرواية، ففيما يصرخ المهمومون بحال الدراما مطالبين بضرورة العودة إلى مثل هذه الروائع، يتخوف الأدباء من هذا المطلب، إما خوفا من ضياع حقوقهم المادية، أو خوفاً على تغيير هوية أعمالهم كما أرادوها لا كما يريدها المخرجون.. السطور التالية تحاول فض الاشتباك.«أنا مستاء».. بهذه العبارة المقتضبة بدأ الروائي خيري شلبي حديثه عن حال السينما والتلفزيون حالياً.
مؤكدا أن الوضع لا يشجع الأدباء على تحويل أعمالهم إلى أفلام سينمائية أو مسلسلات تلفزيونية، خصوصاً أن ما تتعرض له السينما في السنوات الأخيرة من انحدار لا يتناسب مع نصوص أدبية ذات فكر راقٍ، مشيراً إلى أنه حينما يقبل الأديب التعاون مع الدراما حاليا فذلك يأتي على حساب إبداعه.حيث يتم التلاعب به بغرض تحقيق أرباح بعيدا عن مضمون العمل، ما يتسبب في تشويه النص لأغراض تجارية، مضيفا أن الدراما خاصة السينمائية بعيدة عن اهتماماته لهذا السبب، ويرى أن التلفزيون أكثر التزاماً بالسياق العام للنص الأدبي، وقد لمس ذلك بنفسه عند تقديم مسلسلي «الوتد» و«وكالة عطية».
وعن مدى شعوره بالرضا عن التناول السينمائي والدرامي لأعماله الأدبية أكد أنه لا تشغله هذه المسألة كثيراً، موضحا: الأمر بالنسبة لي يشبه اتفاقي مع شخص جاء ليتزوج ابنتي، فطالما وافقت عليه كشخص لن أتدخل في تفاصيل حياتهما معاً، كذلك عندما يعمل المخرج والسيناريست على إحدى رواياتي، لا أهتم كثيراً بشكلها النهائي؛ لأنني مؤمن بأنه عندما تتحول الرواية أو القصة إلى عمل درامي تصبح شيئاً شديد الاختلاف.
ومن حق المخرج أن يقدم رؤيته الخاصة، وحتى في الأعمال التي كتبت لها السيناريو كنت أترك مساحة كبيرة لتدخل المخرج، وأنا أعرف أن الذي أتصوره على الورق لن يتحقق بنسبة كبيرة، وأستعير هنا عبارة نجيب محفوظ «من يريد أن يحاسبني ككاتب، فليحاسبني على الرواية أو القصة المكتوبة».
ظاهرة جيدة
بدوره، أكد الروائي إبراهيم عبدالمجيد - الذي شاهدنا كثيرا من إبداعاته أعمالاً درامية مثل مسلسلات «بين شطين وميه»، إخراج عمر عبدالعزيز، «قناديل البحر» إخراج أحمد خضر، «لا أحد ينام في الإسكندرية» إخراج حسن عيسى، والفيلم السينمائي «صياد اليمام» إخراج إسماعيل مراد وبطولة أشرف عبدالباقي، دنيا، بسمة، علا غانم أكد أن تحويل الرواية إلى أعمال درامية ظاهرة جيدة، فالتزاوج بينهما جيد وضروري ومطلوب للارتقاء بذوق الجماهير وملامسة الواقع بصورة فنية وأدبية تجد استحسان المشاهد، فأحد عيوب السينما والتلفزيون حاليا أنهما لا يعتمدان على الأدب، معتمدين على أعمال سهلة غير ذات قيمة ولا تجد صدى لدى المشاهد.
وأوضح أن السينما بحكم أنها وسيط مرئي تستلزم تقديم العمل الأدبي بطريقة تناسب تقنياتها؛ لذلك فالسيناريست يتصرف وفق هذه التقنيات، كما أن دواعي الإنتاج والرقابة تجعله يحذف ويغير حتى يصل إلى الشكل الذي ترتضيه جميع الأطراف.
وأضاف عبدالمجيد: عموماً أرى أن العمل الأدبي عند تحويله إلى عمل فني يصبح عملاً آخر، فالرواية حينما يتعامل معها السيناريست تنتهي علاقة الروائي بها، وقد صادفت ذلك في الفيلم السينمائي المأخوذ عن روايتي «الصياد واليمام» بالاسم نفسه، حيث تمت إضافة جيدة للأحداث مثل مشهد النهاية الذي جاءت فيها صورة الفنان أشرف عبدالباقي ينظر للمستقبل.
ولم تكن هذه الإضافة موجودة بالرواية، وأرى أنها إضافة للعمل ولم تقلل منه، لكن بالطبع يحدث في حالات أخرى أن يشوه المضمون الحقيقي للرواية بالتناول الدرامي لها، ولفض هذا الاشتباك ينبغي أن تكون هناك جلسات عمل مشتركة بين المخرج والمؤلف لتقريب وجهات النظر بين ما يريده كلاهما ويراه معبرا عن وجهة نظره.
اكتئاب
«علاقة السينما بالأدب خاصة الرواية علاقة تبادلية».. بهذه العبارة بدأ الروائي عبدالوهاب الأسواني حديثه، مؤكدا أن السينما استفادت في بدايتها من الرواية وشهرة الأدباء في جذب الجماهير وتثبيت أوضاعها، وحاليا الرواية والأدب بشكل عام يستفيدان من السينما والدراما، حيث تحقق للأديب الشهرة والجماهيرية لقراءة أعماله، كما أن الرواية أضافت للسينما كثيرا من الإيجابيات أبرزها رقي لغة الحوار وتطرقها إلى موضوعات وأماكن مختلفة.
وأضاف الأسواني: كانت لي تجارب في السينما لم تتم بسبب عبث السيناريست؛ فقبل سنوات أعجب المخرج الراحل صلاح أبو سيف بروايتي «سلمى الأسوانية»؛ فقرر تقديمها في فيلم سينمائي، وكان الإنتاج لشركة فرنسية، وطلب السيناريست محسن زايد مشاهدة الأماكن التي تتعرض لها الرواية في مدينة أسوان.
وبالفعل سافرنا وقضينا ثلاثة أيام في محافظة أسوان نتجول بين القرى التي ذكرتها في الرواية، لكن زايد أكد أنه لم يستطع تحريك الشخصيات بشكل فني جيد، وظلت عمليات التوجيه والتغيير والتعديل من المخرج صلاح أبو سيف مستمرة لفترة طويلة، ومع ذلك جاء السيناريو دون المستوى الذي كنت أتوقعه، وضعيف لدرجة أن المخرج طلب أن أكتب السيناريو بنفسي فاعتذرت لأنني أديب ولست سيناريست..
وبعد هذه الواقعة ب20 عاما قام السيناريست محسن زايد بتقديمها في 12 حلقة تلفزيونية إخراج إبراهيم الصحن تحت عنوان «الاختبار الصعب»، وتم تصويره في أسوان وبعد مشاهدة المسلسل أصابني بالاكتئاب والغيظ من التغيرات والتعديلات التي قام بها السيناريست، حيث قام بتشويه العادات والتقاليد الصعيدية، وتعرض لها بصورة مخالفة للحقيقة؛ لذلك قررت ألا أعطي أي عمل أدبي من تأليفي لسيناريست غير صعيدي؛ فلابد أن يكون من أبناء الصعيد أو عاش في المجتمع الصعيدي 15 عاما على الأقل حتى يتعايش ويلمس العادات والتقاليد وطريقة الحياة هناك.
أيضاً هناك تجربة أخرى مع التلفزيون لتحويل روايتي «اللسان المر» إلى عمل درامي إخراج علوية زكي التي طلبت مني كتابة السيناريو والحوار وحاولت الاعتذار، لكنها أصرت، لذلك قمت بتنفيذ العمل دون اقتناع حقيقي؛ كذلك لي أعمال تليفزيونية كثيرة مثل «ورد النيل» المأخوذ عن روايتي «النمل الأبيض»، وحاليا يتم الإعداد لمسلسلين عن روايتين من تأليفي هما «أخبار الدراويش، كرم العنب» ويقوم بإعداد السيناريو لهما سعد القليعي الذي كتب سيناريو مسلسل «ورد النيل».
مزايا الرواية
إلى هنا يؤكد الكاتب والمؤلف علاء الأسواني أن تكرار الموضوعات التي يتناولها التلفزيون والسينما في الوقت الراهن أصابت الجمهور بالملل والرتابة، وجعل المنتجين يبحثون عن بدائل أخرى لأن هناك أزمة نصوص بالفعل، وكان علينا حل تلك المشكلة بإعادة النظر مرة أخرى إلى حال الرواية المصرية، حيث إن هناك عددا كبيرا من الأعمال الأدبية التي ستظهر خلال الأعوام المقبلة وتقدم فكراً محترماً وبعيدة كل البعد عن الابتذال الموجود في معظم الأعمال السينمائية حالياً.
وأشار الأسواني إلى أن الروايات الأدبية تتميز بأنها تحفل بالعديد من الشخصيات والأحداث وعند تحويلها إلى عمل درامي أو سينمائي نجد أن عدداً كبيراً من نجوم مصر يشتركون في هذا العمل، وهذا ما حدث في «عمارة يعقوبيان» حيث ضمت العديد من النجوم حيث كان من المستحيل أن يجتمعوا في عملٍ واحدٍ، وهذا من مزايا الرواية الأدبية.
ولم ينفِ الأسواني أن يكون نجاح «عمارة يعقوبيان» وراء موافقته على تصوير روايته الثانية «شيكاغو» كفيلم سينمائي، خصوصا أن هذه الرواية حققت أعلى مبيعات في مصر والعالم العربي.
من جانبه يقول د.مجدي توفيق «ناقد أدبي»: إن الرواية لها قارئها حتى وإن لم يقرأها ورقياً عند تحويلها إلى عمل فني سواء بشكل سينمائي أم تلفزيوني حيث تعد هذه الوسيلة البصرية أداة توصيلية بين الرواية المكتوبة والرواية المشاهدة وتعمل على تشكيل أبعاد جديدة للعمل الروائي الأصلي ويضرب.. مثلا بذلك بروايتي «القاهرة الجديدة - والقاهرة 30» تأليف نجيب محفوظ، وإخراج صلاح أبو سيف فعند مشاهدتهما جاءا بشكل مختلف لعالم الرواية الأصلية، وفي تقديري الشخصي فإن معالجة صلاح أبو سيف للروايتين كانت أفضل بكثير من معالجة نجيب محفوظ في النص الروائي.


