(يقال إن هؤلاء الناس هم الأكثر دخلا في لندن)، عبارة أسرت بها صديقة رافقتنا في جولتنا الصحافية في لندن، حيث دخلنا مترو الأنفاق اللندنية؛ فأدهشنا مرأى بعض العازفين، وهم يقدمون ألحانهم، عدتهم آلة وترية ومكبر صوت وكيس يتلقى تبرعات المارة، وقد أشارت الفتاة إليهم هامسة (إنهم يحصلون على ما معدله 100 باوند يوميا، وهو مبلغ ضخم لا يحصل عليه أحد بسهولة).
الموسيقى الحية تملأ المكان، وأغنيات قديمة أخذت شهرتها منذ سنوات وعشقها الكثيرون تعود فتمتع وتشجي، وربما توقف أحد العابرين حتى يسمع الأغنية كاملة (no woman no cry) ثم يلقي بتبرعه ويذهب مسرعا، والمغني لا يتوقف عن الغناء ولا عن العزف، وكأنه ارتبط بهذا الطقس اليومي فتماهى معه ونسي كل ما حوله.العازفون من مختلف الأعراق لا يمانعون أن تصطادهم عيون الكاميرا، بل يبدون أكثر انسجاما وودا معها، ومنهم من يأتي بكامل أناقته الشتائية ليقدم معزوفاته الممتعة، ومعها كثير من الاعتداد بالنفس، فلم تعد صورة المتسول الاشعث رائجة؛ فمستخدمو المترو لا يرحبون به.
ولا الأنفاق التي زينت جدرانها بتاريخ انجلترا ترحب بما يشوه منظرها، لذا يمكن لعابر المترو أن يرى مناظر جميلة، ويستمتع بأغنيات بلغات مختلفة وموسيقى متنوعة وكأن العازفين مواهب ضلت طريقها إلى المسرح فأقاموا فعاليتهم على قارعة الطريق.ماركو فالانكا، أحد عازفي المترو، شاب أنيق يحمل غيتاره بطريقة العازف المحترف، ولا يبدو عليه العوز أبدا؛ فهو يمارس عزفه للتعريف بمواهبه، ولا مانع من الاستفادة من التبرعات، وهو ايطالي من مواليد 1977 بدأ عزفه على الغيتار. وهو في التاسعة عشرة من عمره، وبعد سنوات صار يمارس عزف موسيقى الروك في الأندية مع الفرق المختلفة متابعا مهاراته في العزف على الغيتار، ثم بدأ بالحصول على دروس في الجاز على يد الموسيقي الايطالي انطونيو اونوراتو.
وصار يتنقل في أنحاء إيطاليا ثم قرر أن ينتقل إلى لندن عام 2004 حيث بدأ العزف مع فرق الروك البريطانية، وفي الوقت نفسه يمارس العزف في مترو لندن، ويقدم خدماته في تدريس الموسيقى، أو العزف في المناسبات الخاصة، حيث وجد في المترو مكانا ترويجيا مناسبا لفنه. موسيقى مقننة ومواهب تخضع للاختبار ومعظم عازفي المترو يستجدون في العادة بطريقة مهذبة، فهم عاطلون عن العمل، وربما كانوا يحصلون على المساعدة الاجتماعية التي تمنعهم قانونيا من ان يطلبوا الاستجداء علنا، لذا يلجأون الى طريقة اكثر التفافا على القانون في التسول.
ومن عادة المجتمع البريطاني ألا يؤاخذ هؤلاء طالما يقدمون شيئا من الموسيقى أو الغناء، وهم في الغالب هواة يقدمون اغاني معروفة او معزوفات معروفة يحبها الناس، ولا يمنعون من عملهم إلا إذا كان وجودهم يعرقل السير او النظام او يضايق المارة، واحيانا لضرورات امنية يطلب منهم الذهاب أو مغادرة المكان.
وهؤلاء الموسيقيون ملتزمون بما تفرضه قوانين البلد، ويمثلون جزءا من ثقافة المكان، فهم غير متطفلين عليه. ويمتلك مترو الانفاق في لندن تاريخا طويلا من وجود الموسيقى المتجولة منذ تأسيسه عام 1863، ويعد من وسائل النقل الرئيسة في المدينة.
حيث يستقطب الناس لدقة تنظيمه وسهولة الحركة فيه، ورخص أسعاره مقارنة بوسائل النقل الأخرى، وقد أشارت الإحصائيات إلى أكثر من مليار مسافر تم تسجيلهم. منذ مارس 2007، إذ يستخدم المترو يوميا أكثر من ثلاثة ملايين مسافر، لذا صارت أنفاق المترو وطرقاته نقطة جذب للعازفين المتجولين كما يحدث في كثير من الدول الأوروبية، الأمر الذي يحتاج إلى عملية تنظيمية يكون فيها وجود الموسيقيين .
إضافة جمالية للمكان تساعد في الترفيه عن رواده ولا تزعجهم، لذا تم تنظيم وجود العازفين حيث يتوزع الآن أكثر من 356 موسيقياً على محطات مترو لندن لتتوافر لمستخدمي المترو ساعات طويلة من الترفيه، على الرغم من أنهم لم يعودوا في حاجة إلى ساعات الانتظار لينتقلوا بين محطة وأخرى.
وهؤلاء الموسيقيون يتم اختيارهم بناء على اختبارات لمواهبهم وأنواع الموسيقى التي يقدمونها، والتي يجب أن تكون قادرة على تغطية أوسع شريحة من الأذواق، إضافة إلى التأكد من سيرهم الذاتية وتاريخهم الأمني، حيث يستطيع الموسيقي بعد الحصول على الرخصة تقديم موسيقاه في المترو، كما يعتمد دخله من هذا العمل على تبرعات المارة، وليس على مصدر مادي من الجهة التي اختبرته، وفي الغالب لا تبنى تبرعات الناس على اعجابهم بالموسيقى بقدر رغبتهم في المساعدة وتكريس ثقافة التبرع التي أصبحت تسود المجتمعات المتحضرة اليوم.
موسيقى المترو
يعد العزف في مترو لندن وسيلة ترفيهية يقدمها المكان لرواده، حيث يتوزع 365 عازفا على 33 مكانا في 22 محطة مترو في لندن وجميع هؤلاء العازفين مرخصون فنيا وأمنيا، يستقبلون تبرعات الناس ولا يطلبونها منهم.
ويمثل هؤلاء العازفون عرقيات مختلفة، حيث عرفت مدينة لندن بوجود الاعراق والجنسيات المختلفة بكثرة فيها، وهم يقدمون أنغاما شعبية وموسيقى حية معروفة لدى كثير من سكان المدينة، ولا تقبل أنواع الموسيقى ذات الصرعات الغريبة في المترو.
لندن ـ دلال جويد



