لم تنقطع يوما عن دبي ظاهرة «البراند شيف»، أو الطهاة المشاهير، الذين أصبحوا مع مرور الوقت، بمثابة علامات تجارية (ماركات) خاصة جدا. ولا تنفك المدينة التي تستقطب النجوم في جميع الميادين من دعوة النجوم- الطهاة أيضا، لكي يأتوا بقبعاتهم البيضاء الطويلة، وحكاياتهم التي يمتزج فيها الثقافي مع الاجتماعي، وبالطبع وصفات الطعام الجديدة، والتي كلما كانت أكثر محلية، كلما كانت أكثر عالمية. ولا يفوت فندق «البستان روتانا» موسم، الا وكان أشهر الطهاة من العالم قد زاروا مطابخه، وقدموا أطباقهم على موائده الكثيرة في المطاعم المنوعة.
وقبل أيام، كان عشاق المطبخ الايطالي على موعد مع الشيف ماريو موسيني، ذي الشهرة العالمية، التي تبدأ من الطبخ للرئيس الإيطالي جورجو نابوليتانو و رئيس الوزراء سيلفيو بيرلوسكوني و أيضاً كبار مصممي الأزياء في العالم مثل بيير كاردان وجورجيو أرماني وفالنتينو ، مرورا برؤساء ووزراء وملوك، وصولا الى تقديم اشهى الأطباق في الألعاب الاولمبية. يقف موسيني في مطعم «أوبشينز» في فندق البستان، الذي استقدم «الشيف» ضمن مهرجان المأكولات الايطالية.. يقف بكامل أناقته المعرفية وسحر حكاياته، ويساعد النادل في وضع الأطباق على طاولة ضيوفه، بتواضع لافت لطاه انتقلت شهرته من بلدة بافيا الإيطالية الى العالم أجمعه. تواضع وثقة بالنفس لافتين، ويميزان بشكل عام سكان هذه البلدة التاريخية التي يقطن فيها 71 الف شخص، والتي شهدت أياما من القوة والعز بين الأعوام 568 و774، حين كانت عاصمة مملكة لومبارد، في ايطاليا،وعرفت ب«حديقة الملوك». ماذا بقي من التاريخ ، من الملوكية؟
ماريو يوحي بانه حفيد حقيقي وعصري لأجداد عايشوا الملكية المجيدة، فمطبخ هذه البلدة، التي يدير فيها مطعمه البينو مع زوجته باتريسيا، لا يشبه كثيرا المطابخ الايطالية المنوعة، التي تختلف باختلاف المنطقة. يحمل قنينة زيت الزيتون، ويضعها السائل الأخضر الذي يعتبره «الذهب السائل» على طبق.. احذروا ماذا؟ ـ آيس كريم الفستق الأخضر. هذا الفتسق الذي عجنه من حبات مقطوفة من السفوح البركانية الهامدة في جزيرة صقلية. يحب الشيف أن يضع زيت الزيتون على طعامه، مثل الباستا المطبوخة مع الفطر، في النهاية، وليس أثناء عمليه الطهو. يقول: يخسر الزيت 50 بالمئة من الفيتامين الموجود فيه، في حال تمت اضافته أثناء الطهو، كذلك فإن اضافة الزيت النيء يسهل عملية الهضم. يبدو جاهزا طوال الوقت لتقديم المعلومات التي تفيد الصحة والنظام الغذائي: يعتقد البعض أن أفضل طريقة لتحضير الباستا الايطالية هي في طهوها بشكل يجعلها طرية للغاية.. ويعتقدون أن هذا الأمر يسهل هضمه، لكن العكس هو الصحيح.
ما رأي الشيف ماريو، وهو المدرس الذي يعلّم مرتين في الأسبوع في المعهد الموجود في بلدته، بالأكلات السريعة: سأتركها لأصحابها.. للأميركيين. هل فعلا يتركها؟
يبدو الرجل في عقده الستين لا يزال يحتفظ بقدر كبير من العناد، وخاصة حين يتعلق الأمر بصحة الطعام. يبتسم بين حديثتين في مطعم «أوبشينز» المزدحم دوما، ويخبرنا القصة التالية التي تثبت أنه لا يساوم على الطعام: افتتحت احدى سلسلات الطعام السريع أخيرا في بلدتي مطعما للوجبات السريعة.
وبالصدفة مررت من هناك وشاهدت أحد تلامذتي يأكل في هذا المطعم. في اليوم التالي قلت للتلامذة من أراه في ذاك المطعم لن يرّفع من صفي الى السنة التالية. سوف يرسب. يضحك الشيف ويكمل: وعندما اعترض البعض على خطتي هذه طلبت من أحد الطلاب أن يذهب الى المطعم ويحتال على الموظفين هناك، وحصلنا في النهاية على قطعتي هامبرغر غير مطهوة، فصلنا الدسم اللحم فكانت نسبة الأولى 40% والثانية 60%.
لم يكتف الشيف، مواطن بافيا التي خرّجت العالم الشهير كاردانو والرسام كريمونا ومغني الاوبرا موزيو، بهذا الدرس، لكنه طلب من اخصائي في مختبر غذائي بفحص مادة الدسم هذه، لمعرفة مصدرها، وكانت المفاجأة: هاتفني في تلك الليلة الأخصائي وقال لي: هناك أمر غريب، لم أستطع التعرف على هذا النوع من الدسم. ربما يكون من عظام بطريق، وربما يكون من مواد بتروكيماوية.
هذه حكاية واحدة من حكايات الشيف ماريو، وقد جمع أكثر منها في سلسلة من الكتب التي تضمنت وصفات للمطعم الايطالي، ورؤيته في الموجات والتيارات في عالم الطهو (هو يظن مثلا أن المطبخ الحديث الذي يعني أطباقا واسعة وحصص صغيرة، والذي قاد حركته الطاهي الفرنسي الشهير وصديقه الشخصي بول بوغوس، لم يكن الا مجرد موضة تمرد على السابق، لكنه انتهى بسرعة لان الناس ببساطة.. تريد أن تأكل)..
لمن فاته التحدث مع ماريو، ما عليه الا أن يلاحقه على الانترنت، أو التحدث الى هيلانة السيد في «البستان روتانا».. فالأسرار كلها لديها!
تبادل الثقافات
تقول هيلانة السيد مديرة إدارة التسويق والعلاقات العامة في الفندق: إن مهرجانات الأطعمة تعد من الوسائل الهامة لتبادل الثقافات بين الشعوب، لذا فإن إدارة الفندق تحرص على تقديم كل ماهو متميز وجذاب سواء من مهرجانات المأكولات أو من خلال المشاركات الثقافية والاجتماعية وأشارت إلى أن عرض المأكولات الإيطالية التي قام بها الشيف ماريو قد أضافت لمساته الخاصة على أساليب الطهي.


