التفاؤل والتشاؤم تعبيران متضادان تمامًا، وكلاهما متلازمان عند البشر.. وإذا كان التشاؤم يتعارض مع الإيمان بقدرة الله تعالى على تغيير الحال إلى حال، ويقود إلى الإحباط واليأس وعدم السعي، فإن التفاؤل يزيد من إيمان الإنسان بربه، وأنه لا وجود للمستحيل.. ومن هنا تأتي الدعوة للتفاؤل الذي يؤدي إلى زرع الأمل وبلوغ النجاح وتعظيم الفرحة بالوصول إلى المقصد، لكن الجديد في الأمر أن هناك مَنْ تعامل مع التفاؤل عمليًا وفكريًا.
حيث قام شاب وشابة ببلورة فكرة متكاملة لإنشاء نادٍ ينبذ المتشائمين ولا يقبل بغير المتفائلين، والذي يُعد الأول من نوعه في مصر، وانطلقا من أن الفكرة تتطابق مع دراساتهما الأكاديمية، بالإضافة إلى دوافع صادقة لخدمة الآخرين.. سريعًا إلى التفاصيل.
شيماء وأحمد.. التقيا على التفاؤل ونبذ التشاؤم، وجعلا هدف حياتهما نشر التفاؤل بين الناس.. شيماء محمد شرف (26 سنة) خريجة فنون جميلة، وحاصلة على دورات في مجال التنمية البشرية، وعلى شهادة إضافية تؤهلها لإعداد الشباب والمراهقين نفسيًا وتربويًا.
أما أحمد حفني محمد محمود فهو من مواليد محافظة الجيزة، حاصل على ليسانس آداب قسم علم نفس جامعة القاهرة، وسجَّل لدرجة الماجستير، قسم علم نفس؛ كما تلقى دورة تدريبية في التخاطب وعيوب النطق والكلام بمركز الدراسات النفسية جامعة بني سويف، بالإضافة إلى دورة في الإرشاد النفسي وأساليبه، وأخرى في أساليب التواصل مع أطفال الشوارع.
طريقة تفكير
تقول شيماء: إن ما شجعني على طَرْق هذه الفكرة دراساتي لمجالات كشفت لي أن الإرادة هي بداية الانطلاق إلى أي هدف، وتدربت كثيرًا للتعامل مع فئات بعينها لخدمة أهداف مهمة من خلال دراستي في مجال التنمية البشرية (الذكاءات المتعددة)، حيث أقوم أولاً بدراسة علمية وجيدة للفئة التي أقوم بعمل إعلان لها من خلال متطلباتها، وما ترفضه هذه الفئة وما تحبه، وهذا شكّل لي بدايةً طيبةً في الاستمرار، وتأكدت من أنني أجيد التعامل مع الجمهور، خاصة أنني حصلت أيضًا على دورات في الإرشاد الوقائي وإدارة الغضب.
وهذا الأمر رسَّخ في ذهني إقامة أول نادٍ للتفاؤل في مصر، بعد أن حل التشاؤم على أغلب أفراد المجتمع لأقل شيء، ففي كل الأماكن والمناسبات تجد الناس يبالغون في الشكوى من حياتهم وحزنهم الشديد على ما حلَّ بهم، وأيضًا كثيرون من أصدقائنا يبحثون عن حلول لمشاكلهم بعد أن فقدوا كل المساحات بينهم وبين التفاؤل، وأصبحوا يمارسون حياتهم مكتئبين بسبب نظرتهم للحياة بطريقة تشاؤمية.
وتابعت : إن التفاؤل ليس مجرد كلام إيجابي بل طريقة تفكير عملي، تجعل الإنسان يقول دائما (أستطيع أن أصل إلى أهدافي)، وليس العكس، أو أن يقول (أنا متفائل بالفعل طالما لديّ القدرة على السعي)، وليس العكس.
وأضافت شيماء: التفاؤل ليس خداعًا؛ لأن الإنسان لابد أن يقيّم الأمور، فليس من الممكن أن تقوم بعمل لست مؤهلاً للقيام به، باعتبار أنك متفائل بالنجاح فيه، فهذا يصبح خداعًا وليس تفاؤلاً؛ ولذلك اعتدت أن أقدم لهم فيلم كرتون بسيطًا جدًا مكونًا من قصتين، القصة الأولى: مواجهة البطل مشكلة ما، وعدم قدرته على حلها، وهم من يقومون بمساعدته وحل مشكلته..
والقصة الأخرى عبارة عن قدرة البطل على حل مشكلته بشكل تفاؤلي وناجح، وكيف يكون مسرورًا بعد تخلصه من حالة التشاؤم والاستمرار في حياته، وهذا يعطيهم طاقة نفسية لحل مشاكلهم من خلال وجود نموذج عملي.
ووفق شيماء، فان الاقتناع يكتسبه المترددون عليها وهم يبحثون ويراجعون الأزمة والأخطاء من خلال التفكير في الأسلوب الجديد، وهذا كان له تأثير ممتع أدى إلى جو ظريف جدًا في ورش العمل، وهناك واجبات أطلبها منهم بشكل مستمر، حيث أعرض لهم مشاكلي وهم أيضًا يعرضون بعض مشاكلهم، وأطلب منهم التفكير فيها وحلها من وجهة نظرهم أولاً قبل أن نتشارك حلها..
من هنا يصل الشخص عن طريق التفاؤل لأول مرة إلى حل مشكلته بنفسه، وعن طريق الرصد والنظر إلى كل جوانب المشكلة، لذلك نحرص دائمًا أثناء ورش العمل على عدم مقاطعة من يتحدث ولا نقوم بنصيحته أو وعظه أو لومه؛ لأن ذلك من الممكن أن يجعله يقف في مكانه أو يهرب لشعوره بأنه أخطأ أو فشل، فلابد من ترك الحرية له في طرح وجهة نظره، خاصة أننا نعمل على حل مشاكل بعض المدمنين والمدخنين عن طريق التفاؤل، وحرية الشعور في التفكير لوحدك تمنحك ثقة أكبر، حتى تدرك أنه ليس هناك شخص أفضل من شخص آخر.
وحول وجود فئة محددة للتشاؤم بين فئات المجتمع أوضحت أن التشاؤم ليس له سن، كل فئة لها مشاكلها حسب الظروف المحيطة بها، فمثلاً تجد الشباب يتشاءمون بسبب ظروفهم الاقتصادية أو عدم حصولهم على عمل، أو بسبب العديد من المشاكل التي تواجههم وتجعلهم يتشاءمون.
وقد يبلغ الأمر أن ينعكس ذلك على أسرهم نفسيًا لما وصلوا إليه من حال، ومن هنا تجد أن كل الفئات تأثرت.. مؤكدة انزعاجها من عدم اقتناع شخص ما بحل مشكلته نهائيًا، ونظرته السيئة لكل الأمور، وتجده في قرارة نفسه شخصًا رافضًا جدًا للتفاؤل، فكيف يمكنني مساعدته.
تطبيق ذاتي
بينما أشار زميلها أحمد إلى أنهما لا يرصدان مشكلة انعدام التفاؤل من وجهة نظرهما فحسب، بل من وجهة نظر الجميع، وقال: كنا في بداية التجربة نطبّق الموضوع على أنفسنا نحن أولاً وليس الآخرين، حتى لا يشعروا بأنهم فقط الذين تعرضوا لمشاكل، بل نقوم بعرض مشاكلنا ونجعلهم يساعدوننا في حلها؛ حتى نكسبهم الثقة بأنفسهم، ويتأكدوا أنهم قادرون على حل مشاكل الآخرين.
ومن هنا يمكنهم بسهولة حل مشاكلهم، كما نحرص أثناء برنامجنا على تقديم بعض الألعاب الترفيهية؛ لأن الأعمار التي نقوم بالعمل عليها تبدأ من سن المراهقة حتى 45 عامًا، فنحاول خلق شيء من المرح من أجل الجميع، وهذا أيضا جانب نفسي يساهم في زيادة استعدادهم للاستجابة، كما نحرص على وضع لافتات في أماكن بارزة يرونها بشكل دائم وتتضمن شعارات مثل (تأملوا تجدوا) و(أنا عندي هدف) و(أنا إنسان مجتهد)، و(أنا أعمل) وليس العكس؛ لأن المصطلحات التفاؤلية قد تساعدك كثيرًا على المرح وتعطي طاقة إيجابية وترددًا سلوكيًا إيجابيًا.
وحول نسبة النجاح والإقبال التي وصل لها النادي في الشهور الأولى من بداياته أوضحت د. فيروز عمر المشرفة على النادي أنها نسبة متوسطة، لأن البعض قد يستغرب من أن الناس بالفعل تبحث عن التفاؤل ، فهذا جعل بعض السيدات يتركن العمل أو المحاضرات قبل إتمامها بالاستئذان، ولكن أيضًا هناك من يأتي من مكان بعيد جدًا من أجل حضور المحاضرات والبرنامج الخاص بالتفاؤل ويهتم بها، فهذا يدل على أن هناك أملاً في أننا سنحقق نجاحًا جيدًا في المستقبل.
