عرض أمس بمسرح الصوت والضوء تحت سفح الأهرامات النسخة المرممة لفيلم المومياء الذي أخرجه المصري شادي عبد السلام ويعد من كلاسيكيات السينما العالمية، وذلك ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الجديدة التي بدأت الثلاثاء الماضي، في محاولة للربط بين الأجواء الطبيعة والأحداث التي يدور حولها الفيلم وإعطاء مزيد من الإحساس بعبق التاريخ.

والنسخة الحديثة للفيلم قامت بترميمها مؤسسة سينما العالم التي يرأسها المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي ضمن مشروع يهتم بصنع نسخ سالبة جديدة (نيجاتيف) لأبرز الأفلام في العالم، وقد وقع اختيار الناقدة الإنجليزية المخضرمة ديليز باول على فيلم المومياء لتضمه إلى قائمة أهم الأفلام الأثني عشر التي اعتبرتها أحسن أفلام عام 1972. و كتب عنه الناقد الفرنسى كلود ميشيل كلوني في كراسات السينما التي تصدر عن مهرجان كان السينمائي: كان من الممكن وإلى حد بعيد اعتبار المومياء فيلما غير مصري، لولا أن مصر تقيم بين حناياه بماضيها، بديكورها، بواقعها، بتمزقاتها، تعبر داخله عن تفردها. ويمر هذا العام 40 سنة على إنتاج فيلم المومياء، تحفة شادي عبد السلام والسينما المصرية والعربية.

وفي مثل شهر (أكتوبر) الماضي من عام 1986 رحل عبد السلام ولم يكن له من العمر سوى 56 عاما، ويكرمه مهرجان القاهرة السينمائي الذي يهديه دورته الحالية ال33، بعرض نسخة فيلمه الروائي الطويل الوحيد (ليلة أن تحصى السنين ـ المومياء) المرممة. ومن غرائب السينما المصرية أن المومياء الذي لف الدنيا في أعقاب إنتاجه عام 1969، واحتفت به مهرجانات العالم، ومنحته الجوائز الرفيعة والتقدير الكبير، لم يعرض عرضا عاما للجمهور في مصر إلا بعد إنتاجه بخمس سنوات.ويعتبر هذا العمل تجربة رائدة في موضوع أصبح سمة من سمات السينما البديلة والجديدة، وهو البحث عن الهوية والعلاقة بالتراث والشخصية كما كان رائدا في تقديم البطل الجديد الضائع المخدوع، الذي يكتشف فجأة أن حياته مبنية على خديعة وخيانة التراث وتدمير الذاكرة، البطل الهائم الذي لم يقدر على قبول الأمر المقضي كمواصلة ممارسة أسلافه ولا على رفضه بصفة فعلية ناجعة ومحاربته.

ولا يحكي فيلم المومياء قصة بالمعنى التقليدي، وإنما يبني شادي عبد السلام فيلمه على واقعة حقيقية مشهورة حدثت في القرن الثامن عشر وبالتحديد عام 1881، عن قبيلة الحربات بصعيد مصر تعيش على سرقة وبيع الآثار الفرعونية وعندما يموت شيخ القبيلة يرفض أولاده أمر سرقة الآثار فيقتل الأول على يد عمه بينما ينجح الثاني في إبلاغ بعثة الآثار عن مكان المقبرة التي تبيع قبيلته محتوياتها، ولا أحد يدري لماذا، ربما لخلاف عائلي أو طمعا في المكافأة، ولكنه كان عملا غير أخلاقي على أية حال، حوله الفيلم إلى عمل نبيل نابع من طبيعة فتى يرفض أن يتاجر آباؤه في لحم أجداده الموتى.

ولقد حدث بالفعل أن نقل رجال الآثار كنز التوابيت الهائل من مخبأ الموميات بالدير البحري، وهبطوا به ليلا من الجبل، وأصطف أهل الوادي كما حدث في الفيلم وبكت النساء، وأطل الحزن من عيون الرجال دون أن يعرف أحد سببا لهذا الحزن، فقد كانوا يحسون بفطرتهم أنهم يودعون عزيزا، هل هو الارتباط العاطفي المصري الموروث بقداسة الموتى؟

أو هي روح التعلق المصرية الموروثة بجثمان الفرعون وهو يعبر النهر إلى شاطئ الأبدية الخالد؟ لقد ظلت ظاهرة حزن أهل الوادي وبكائهم على موكب توابيت الفراعنة تحير علماء الآثار، وهي التي أغرتهم بأن يرووا القصة في كتبهم ليجعلها شادي عبد السلام ـ كما يقول في مذكراته عن المومياء ـ أساسا لبناء هذا الفيلم، حيث أفرد لهذا الموكب سبع دقائق مذهلة من سكون آخر الليل إلى اللحظات الأولى للفجر، وتم تصويرها في 40 يوما.

وعندما حمل أدواته إلى نفس المنطقة ليعيد تصوير القصة بعد 87 عاما، وجد أحفاد قبيلة الحربات مازالوا موجودين في قرية القرنة، وعندما سار موكب التوابيت السينمائي أمام بيت قديم، خرجت عجوز طاعنة في السن، رأت جنازة الفراعنة تمر أمامها من جديد بعد هذا العمر الطويل، ووقفت على باب البيت وبكت.

وبعد أن مضى الموكب أغلقت بابها عليها حزنا، وماتت بعد أربعة أيام، وقيل انها كانت زوجة «ونيس» البطل الحقيقي لفيلم المومياء، هذا ما رواه لي صلاح مرعي أكبر مصممي الديكور المعاصرين ومساعد عبد السلام الأبرز وتلميذه والذي قام بتنفيذ ديكور المومياء، خلال لقائي به منذ عام تقريبا في مقهى الدور الأرضي بالمجلس الأعلى للثقافة بمبنى الأوبرا المصرية، عندما أجريت معه حوارا حول فيلم اخناتون الذي توفي شادي عبد السلام ولم ينفذه.

وعندما فشل مرعي في إيجاد تمويل له سلم كل تفاصيل واسكتشات مشاهد فيلمي المومياء واخناتون التي رسمها شادي إلى مكتبة الإسكندرية، ليبقى إرثا محفوظا حيث كانت أحلام شادي عبد السلام كثيرة لفيلم اخناتون، لكنها تكسرت على صخرة الواقع والمناخ المعادي للإبداع وللسينما كثقافة وطنية، إنه السينمائي (شهيد) هذا العصر بكل معنى الكلمة.

في المومياء ظلت توابيت الفراعنة راقدة في جوف الجبل ينهشها اللصوص، ولكن خلاصها جاء على يد واحد من أبناء لصوص الآثار أنفسهم حين باح بسرها لأفندية القاهرة الذين حملوها من جديد إلى النور ليراها الناس، ويعود خلودها العظيم ليبهر العالم بمعنى البعث.

يا من تذهب سوف تعود «يا من تنام سوف تصحو» يا من تمضي سوف تبعث. قال شادي عبد السلام: «الأفلام التاريخية التي أقدمها وأصر عليها هي نوع من البحث التاريخي، بلغة الكاميرا، عن هموم الحاضر وأشواقه».

إنتاج «اخناتون» بتمويل من «الثقافة المصرية»

من المواقف المحمودة التي تحسب لوزارة الثقافة المصرية إعلانها عن وعد بإنتاج فيلم اخناتون الذي كتبه للسينما شادي عبد السلام بعد المومياء، ورسم مشاهده وصمم لقطاته بدقته الشهيرة، وظل يحاول تنفيذه وإخراجه لأكثر من 15 عاما، لكن الأوضاع كافة كانت تحول دون ذلك وجهات الإنتاج في مصر كانت تمتنع عن الخطوة لأنها لا تبحث إلا عن الفيلم التجاري السهل الذي يحقق المال.

ومن المتوقع أن يتولى إخراجه صلاح مرعي الذي واكب كل مراحل تجهيز الفيلم، وتولى تنفيذ جميع ديكوراته.

كما يحمد لها أيضا قيامها بتحويل فيلم المومياء من نيجاتيف قديم قابل للاشتعال والتحلل، إلى نيجاتيف حديث يبقى مئات السنين بالإضافة لقيام المرممين بإعادة حالة النيجاتيف وألوانه والأجهزة المتهرئة منه إلى حالته الأولى.

ويرجع الفضل لترميم فيلم المومياء لأربعة اشخاص مصريين أولها فاروق حسني وزير الثقافة الذي وافق على أن تتحمل وزارة الثقافة مبلغ خمسين ألف يورو قيمة النيجاتيف تيكنوكولور الجديد، وإلى الناقد علي أبو شادي رئيس المجلس الأعلى للثقافة الذي سهل كل إجراءات الترميم، وإلى خبير الترميم المصري العالمي الدكتور مجدي عبد الرحمن الذي كتب التقرير العلمي عن حالة النيجاتيف وتابع العملية الفنية للترميم التي تتم في سينماتيك بولونيا بإيطاليا، وأيضا الدكتور خالد عبد الجليل رئيس المركز القومي للسينما والذي قام بتوقيع العقد مع مؤسسة سينما العالم وقاد تلك المبادرة الحميدة بنفسه.

دبي - أسامة عسل