أنت هنا تقبض على ذلك الخيط الخفي، النبض، نبض الشعب، تتعرف إلى ذوقه وعقليته، همومه وآماله.. هنا فقط يتخلى أي المطرب عن بروتوكول الأغنية التقليدية، يتحرر من رابطة عنقه، لا يعير اهتمامًا لسهام وخناجر النقد الآتية بلا ريب، يخرج من عباءة ما يجب وما لا يجب.
ولا يبقى إلا ما يخرج من أعماق المواطن، فتنساب بلسانه ولغته وسخريته وتلقائيته، وطيبته.. هنا فقط تجد متنفسًا لما يدور بداخلك، قد تزعجك الموسيقى الصاخبة في البداية، لكنك حتمًا ستخضع أسيرًا لأغنية أو رقصة أو مونولوج لواحدة من هذه الفرق الشعبية.. فما انتسبت إليك إلا لأنها جزء منك.تُعرف الفنون الشعبية بأنها الفنون المرتبطة بالشعب والمعبرة عن فئاته المختلفة، وكانت الفنون الشعبية في النصف الأول من القرن العشرين متناثرة، متنوعة في كل مكان من أرض مصر، فجاء زكريا الحجاوي ليطوف البلاد، يجمع تلك الفنون فن القول والرقص والموسيقى وينسقها ويقدمها في إخراج خاص، حتى جمع 72 ملحمة شعبية من كل مكان في مصر.
وقدم بعضها في الإذاعة، إلى أن تأسس مركز الفنون الشعبية في العام 1957م، ليكون مركزًا علميًا لتسجيل التراث الشعبي بمختلف أنواعه في جميع أنحاء مصر، ما شجع على إنشاء فرق للفنون الشعبية بشكل رسمي، وإن كانت قبل هذا التاريخ موجودة فعليًا، كونها قديمة قدم الإنسان ذاته معبرة عنه، ومن ذلك كانت فرق الإسكندرية للفنون الشعبية التي تميزت في تقديم العديد من التابلوهات والاستعراضات الغنائية التي تجسد الفلكلور الشعبي لعادات وتقاليد الشعب السكندري. ومنها استعراضات «الصيادين، الحصان، أولاد بحري، الفراعنة، والصعايدة» وغيرها من التابلوهات الشهيرة؛ لذلك من الطبيعي جدًا وأنت في الإسكندرية أن تستمع لعتاب شجي من شعبان خميس لمدينته قائلاً:
«يا مدينتي يا «رقودة»، ليه بتبقي في يوم ودودة، بعد عودة من سنين الاغتراب والعذاب بين شطوطك تحضنينا، وسط موجك تغمرينا، زي طفل في حضن أمه، كل همه راضعة حلوة من رضابك، من حنانك، بعد حُبك، بعد شوقك، ترمي طوقك ليه علينا، من أيدينا تقيدينا، ده عتاب يا إسكندرية»..لماذا يضحك البحر؟حينما تزور الإسكندرية تجد عبارة تستقبلك كثيرًا أينما ذهبت، «البحر بيضحك ليه»، تتساءل ببراءة: حقاً لماذا يضحك البحر، ولماذا لا تفارق البسمة وجوه الإسكندرانية مهما صادفهم من معوقات وأزمات؟.. ستدرك حتمًا مع الأيام السر في أنهم لا يملأون صدورهم بأي شيء يغضبهم، يجعلون بينهم والنكد عداء لا ينفك؛ ولذلك وجدت الفنون الشعبية في الإسكندرية حظًا وافراً من الاهتمام والتطوير منذ بداية الخمسينيات، مع بداية إنشاء قصور وبيوت الثقافة.
حيث أصبح الفن الشعبي حاضرًا في كل الأوقات والمناسبات، معبرًا عن خفايا ما تجيش به الصدور، حتى صارت هذه الفرق حالياً من أهم الفنون التي يعتمد عليها في إحياء احتفالات مراسم الاستقبال في الزيارات الرسمية لكبار المسئولين، وكذلك أصبحت مطلوبة في أغلب محافظات مصر، بل تعدت الحدود بالمشاركة في أهم المهرجانات العربية والعالمية وحصدت الكثير من الجوائز.
وتعتبر رقصة «السكينة» من أشهر الرقصات السكندرية التي عبرت عن أولاد السواحل وشهامة أولاد بحري، وكذلك رقصة «الصيادين» التي تعبر عن البحر وجماله في مدينة «الثغر»، والتي تؤديها مجموعة من الشباب والفتيات يرتدون الزي السكندري، وأدواتهم الكرسي والسكين وعصا كبيرة، وهناك رقصة «النقر زان» التي يتميز أفرادها بلباس ذات ألوان زاهية، وهي رقصة محببة لدى الجمهور السكندري عاشق التراث.
«الأنفوشي» و«الحرية»
تعد فرقة «الأنفوشي» التابعة لقصر ثقافة الأنفوشي وفرقة الحرية التابعة لقصر ثقافة الحرية من أشهر الفرق بالإسكندرية بعدما تميزت بأداء عالٍ ساعدها على تحقيق نجاحات كبيرة في الداخل والخارج، الأمر الذي دعا المسؤولين في هيئة قصور الثقافة بالإسكندرية لضم هذه الفرق وغيرها إليها، وإعداد خطة لتنظيمها ورعايتها وتدريبها والخروج بها من نطاق المحلية إلى العالمية.
ظلت فرق بحري من خلال هيئة قصور الثقافة بالإسكندرية تجوب كل أنحاء مصر، وبدأت الجماهير في التعرف إليها وإلى رقصاتها ليس في داخل مصر فقط، بل في الخارج أيضاً، وقد شاركت هذه الفرق في العديد من المهرجانات الدولية وقدمت فنها في كل من أسبانيا، أرمينيا، تركيا، المكسيك، قبرص، إيطاليا، كوبا، الصين، وفرنسا وغيرها من الدول في مشاركات أخرى.
وفيما يتعلق بفرقة «الأنفوشي» فقد شاركت أخيرا في مهرجان «لارنكا» بجزيرة قبرص، وحصلت على «درعين» قدما لأحسن فرقتين أدتا عملها الفني على أكمل وجه، وتم تكريم مدرب الفرقة لطفي آدم على ظهور الفرقة بالشكل المشرف لمصر والدول العربية.
وحول نشاط الفرقة وأهم عروضها، يقول قائدها ومدربها لطفي آدم: «إن من أهم العروض التي قدمتها الفرقة كانت على كورنيش البحر بحضور أكثر من 5 آلاف متفرج بمناسبة حصول الإسكندرية على لقب عاصمة السياحة العربية 2010، كما قدمت الفرقة أقوى عروضها في مهرجان «القراءة للجميع» هذا الصيف، وتضمن العرض أشهر رقصاتها.
ومنها رقصة «هتروق وتحلى»، وهي عبارة عن رقصة جماعية بين بنات وشباب، وتعبر عن بث روح الأمل في الحياة أمام البائسين؛ إلى جانب رقصة «صيادين بحري»، والتي تعبر عن واقع حياة الصيادين في الإسكندرية والعمل العائلي المشترك بين أفراد الأسرة ممثلة في الزوج والزوجة.
ومن ملامح تلك الرقصات هي الروح الجماعية في الأداء التي تبرز روح التعاون في إطار فني يحكي واقع الصياد السكندري والمعاناة اليومية من أجل الحصول على رزقه من البحر، أما رقصة «الحجالة» فهي تعبر عن فئة المجتمع البدوي السكندري في مدينة العامرية، وفيها تجسد الفرق واقع اختبار الزوجة في تلك المنطقة بأسلوب سهل وراق».
رقصة الحصان
ومن الرقصات الأخرى التي اشتهرت بها فرقة الأنفوشي - على حد تعبير آدم - رقصة «الحصان»، والتي تؤديها الفنانة بوسي والراقصان سيد أحمد ومحمد خليل، كذلك رقصة «غمزة إسكندراني».
والتي تجسد فيها الفرقة الحياة العاطفية والرومانسية المشهورة عن بنات بحري، وتدور أحداث الرقصة حول مغازلة بين صياد إسكندراني وبنت الحي، ويكتشف شباب الحي تلك المغازلة وتأخذهم الشهامة مما يتسبب ذلك في مشاجرة بين شباب الأنفوشي وهذا الصياد، وتنتهي بتقدم الصياد لطلب يد بنت الحي والزواج منها.
ومن الرقصات التي تقدمها فرقة الأنفوشي أيضاً رقصة «الفرح»، والتي تحكي الزفة الإسكندراني بوجود العريس والعروسة وتوزيع الشربات على المعازيم، ثم تكون النهاية السعيدة، أما رقصة «الزار» فهي رقصة مستوحاة من التراث الشعبي القديم، والتي تعني استخدام الجن في جسد إحدى السيدات.
وفي النهاية يكون الأذان هو الحل في إخراج الجن من جسد السيدة،ولم تكتف الفرقة بتقديم الفن الشعبي الساحلي فقط بل قدمت أيضًا رقصة «الصعيدي»؛ والتي حكت فيها ما يدور بين شباب وفتيات قبلي - الصعيد - هذا بجانب رقصة «التنورة» الشهيرة.
فرقة الحرية
بخلاف الأنفوشى، تعد فرقة الحرية من الفرق الشهيرة والمطلوبة من الجماهير في الإسكندرية وغيرها وقد أنشئت منذ أكثر من ثلاثة عقود في منطقة الحرية، وتتكون - حاليًا - من 17 راقصًا وراقصة على رأسهم نصر الدين محمد قائد ومدرب الفرقة، محمد رمضان مرسي مدرب الموسيقى ومطرب الفرقة، وتقوم عدد من الراقصات بتقديم رقصة «المولد» مع عازف المزمار عبدالرحيم عبدالرءوف، ورقصة «السمارة»؛ بالإضافة إلى العديد من الرقصات الأخرى المستوحاة من البيئة.
ويقول نصر الدين محمد: «إن آخر المهرجانات التي شاركت فيها الفرقة مهرجان «زيجت الجزيرة» حيث قدمت أول عروضها في إحدى الجزر القريبة من نهر الدانوب بمدينة بودابست عاصمة المجر، ورغم مشاركة أكثر من 30 دولة في المهرجان إلا أن الفرقة وجدت استقبالاً وحفاوة بالغة وتفاعل معها الجمهور من مختلف الدول المشاركة متفاعلين مع الحركات التعبيرية لرقصات الفرقة».
و أضاف نصر الدين: «إن مدير المهرجان «قيني كولارل» عبرت عن سعادتها بما قدمته الفرقة من التراث الشعبي الأصيل، وقالت إن تلك الفنون تجد في نفوسنا صدى عميقًا جعلت الجماهير تنفاعل معها بسرعة كبيرة؛ بالإضافة إلى أنها في فترة وجيزة تعلم بعض الكلمات العربية».
رقصات إسكندرانية
تأتي فرقة «الإسكنرية للفنون الشعبية» في المرتبة الثالثة بعد الأنفوشي والحرية من حيث الشهرة، ومن أشهر رقصات الفرقة «اليوشكا» أو الكوتشينة وتقوم قصتها على قصة خلاف بين ثلاثة أولاد يقومون بلعب الكوتشين، ويحدث بينهم صراع بالأسلحة البيضاء؛ لأن احد هؤلاء الثلاثة قام بغش الكوتشينة وفي نهاية الرقصة يقع الأفراد الثلاثة على خشبة المسرح، ومن أبرز الراقصين في فرقة الإسكندرية هو الفنان شريف الجندي خريج أكاديمية البالية علي الطنطاوي.
كورال سيد درويش
كان شيخ الموسيقيين المصريين والعرب وابن الإسكندرية محمد عفيفي هو أول من أخذ على عاتقة الحافظ على التراث الفني المصري، خاصة تراث سيد درويش، وكان ينادي بوجوب تدريس فن سيد درويش في المعاهد الموسيقية كأصل من الأصول كي لا ينشأ الشباب دون وعي بجذوره الفنية، وساعد في ذلك تمكنه وأمانته المتميزة في أداء التراث وتوصيل الموروث الفني إلى الجمهور.
كما أراده مبدعوه دون تحريف، وقام محمد عفيفي بإنشاء فرقة تابعة لوزارة الثقافة سميت «كورال سيد درويش»، وكان مدير القصر حينذاك الأديب المسرحي الراحل محمود دياب متحمسًا بشدة لفن سيد درويش..
القاهرة - دار الإعلام العربية



